ما أهمية بناء العنصر البشري المقاتل في الجيوش؟

فايز الأسمر9 سبتمبر 2026آخر تحديث :
فايز الأسمر

حقيقةً، ومهما يُقال في شأن تعقيدات التطور التكنولوجي في العالم اليوم، ومهما يتفق قادة العالم على الاعتماد على استراتيجية الردع النووي وغيره كبديل للحروب الشاملة والمكلفة، فسيظل، وبشكل دائم، العنصر البشري هو العنصر الأهم والعامل الأنجع الحاسم في الحروب. فدور المقاتل منذ القدم، حقيقةً، لم يتبدل كثيراً، ولم تعترِه أي تغيرات أساسية، فهو، وأقصد المقاتل، ما يزال يتحمل التعب والعناء والصعاب، ويضحي بحياته من أجل قضيته وعقيدته التي أُعدَّ لها، ويؤمن بها إيماناً راسخاً لا تغيره الأوقات والمحن والمستحيلات.

أهمية بناء الجيوش النظامية

في الواقع، تُعتبر الجيوش المؤهلة انضباطياً وعسكرياً، والمؤمنة بأهدافها وعقيدتها التي وُضعت لها وبُنيت عليها، هي المُعبّر الحقيقي عن سيادة وقوة الدولة وعزتها، بل هي الرمز الأهم والأقوى من رموز سيادتها ومنعتها، ووجودها الفعال والفاعل أمام متغيرات قوانين المجتمع الدولي والعالم. فالجيش عموماً، وفقاً لكل الآراء، فلا شك أنه هو الحصن الحصين، والسياج المنيع الذي يبنيه أبناء الوطن الشرفاء للذود عن شعبهم ووطنهم، وحماية وصون حدوده وثرواته، واستعادة ما اغتُصب من الأراضي (الجولان وغيره)، والدفاع عن حقوق الشعب، ناهيك عن استعداده الدائم وجاهزيته عتاداً وعدةً للوقوف الراسخ والصلب في وجه كل من تسول له نفسه الاعتداء على البلاد، أو المساس بمصالح الشعب والأمن المجتمعي والقومي.

وعليه، فالجيش، ووفقاً لكل المعاني والدلالات، يجب أن يكون منبثقاً من ضمير وحاجة الشعب، وراسخاً في أعماق وجدان الأمة وسمو عقيدتها الدينية والعسكرية. لذلك فإننا نرى، والأمثلة كثيرة، أن أبناء الوطن، وبالأخص في المحن والحروب، لا يدخرون جهداً، ومهما كان نوعه، للوقوف مع جيشهم، ومساندته بالمال والرجال حتى يتمكن من أداء واجبه المقدس في الذود عن حدوده الجغرافية، والتصدي للأعداء والطامعين، والعمل على حماية جميع أبناء الشعب بكل أطيافه ومكوناته الإثنية والطائفية.

إعداد ودور العنصر المقاتل في الجيوش

في الواقع، فإن بناء العنصر المقاتل العقائدي الانضباطي، المؤمن بأهداف الدولة والشعب، وبالذي أُعِدَّ لأجله من مهام وطنية سامية، يُعتبر الركيزة واللبنة الأساسية والعمود الفقري لأي جيش نظامي حقيقي في العالم يريد الاستمرار في مسيرته، ويثبت قدراته العالية وفعاليته الأكيدة بالتصدي لمهامه الوطنية الثابتة والمحقة.

وهنا، فلقد أثبتت كل الحروب والتجارب العسكرية الميدانية عبر التاريخ أن التكنولوجيا والأسلحة الحديثة، رغم أهميتها الكبيرة، ولكن باعتقادي والكثيرين أنه لا قيمة لها، وربما إطلاقاً، من دون المقاتل المؤهل والمعدّ نفسياً وبدنياً ومعنوياً لاستخدامها وترويضها، واستثمارها لخدمة أهدافه (المدفع يحتاج للإصبع). فالعنصر البشري الكفء والمدرب والمؤمن بأهدافه، وعلى مر الأزمان، هو الذي يصنع الفارق الأكيد في حسم المعارك وتحقيق الانتصارات.

  • عملياً، تتجلى أهمية بناء وإعداد العنصر المقاتل المحترف في غالبية الجيوش بالتركيز على توفير وتعزيز مكانة ودور النقاط الأساسية الهامة التالية:
  • العمل على بناء الكفاءة القتالية، وتحقيق الجاهزية القتالية العالية، والاحترافية في تنفيذ المهام في الميدان ومسارح العمليات، وهذا لا يأتي، برأيي، إلا من خلال التدريب القاسي والهادف والموجه للقدرة على العمل في كل الأراضي والفصول والظروف والأحوال الجوية المعقدة (جبال، صحاري، مدن، مستنقعات، ليلاً ونهاراً، صيفاً وشتاءً)، ناهيك عن أهمية مسألة الإعداد البدني والتكتيكي المتقدم، وتطويرها بشكل مستمر ودائم. وهذا كله مجتمعاً ما سيضمن ويحقق هدف المقاتلين في تذليل الصعوبات، والقدرة على تنفيذ كل المهام المعقدة بدقة، وبالزمن المطلوب والمخطط له، وبأقل الخسائر البشرية والمادية الممكنة.
  • العمل على استيعاب التكنولوجيا الحديثة واستثمارها إيجابياً، فعملياً انتهى عصر الحروب التقليدية القديمة، وأصبحت الوسائط القتالية لخوض الحروب حالياً، وفي الغالب، تعتمد اعتماداً كبيراً على الجيل الرابع والخامس والسادس من الأسلحة والتقنيات العلمية العسكرية المتقدمة. وهذا كله أيضاً، باعتقادي، يتطلب اختيار وإعداد مقاتلين يمتلكون القدرات الذهنية والمعرفية العالية، والعمل على تطويرها بشكل عملي ودائم بالتعليم العالي والإعداد الشامل والمستمر للمقاتلين للوصول للهدف المنشود.
  • البناء النفسي والمعنوي للمقاتلين، وتعزيز فكرة الصمود والثبات، وعِظَم تقديم التضحيات في المعارك وأثرها الديني والوطني. فالتأهيل المعنوي والنفسي الجيد، بكل تأكيد، سيمنح المقاتل القدرات العالية على تحمل الصعاب، وضغوط المعارك الشديدة، ومواجهة الخوف، والتصدي الواعي والحازم للدعايات والدعايات المضادة المعادية.
  • العمل على بناء العقيدة العسكرية الراسخة والصحيحة، وذلك من خلال دروس ونشاطات التوجيه المعنوي، والتي، وفقاً لتصوري وخبرتي العسكرية، ستساهم مساهمة كبيرة في إعداد وغرس قيم الولاء لله والوطن، وستعزز من قيم وعوامل التضحية. وهذا بالمجمل ما سيشكل دافعاً ذاتياً وموقفاً صلباً يفوق أي تأثيرات للتفوق العددي أو المادي التسليحي للخصوم.
  • بناء مقاتل قادر على التكيف مع متغيرات المعارك، فالتدريب التكتيكي النوعي والهادف سيبني في المقاتل مهارات “القيادة اللامركزية”، ويعزز من قدراته على قراءة ساحات الميادين والمعارك، وتبدلات مواقفها الطارئة، كما سيطور أيضاً من قدراته في عوامل المرونة والمناورة السريعة، والتعامل مع الأهداف واصطيادها وفقاً للأفضليات الأولى. كما سيمنح ذلك المقاتل القدرة على حل المشكلات الطارئة تحت النار وضغط المعارك، مما يمكّنه من اتخاذ قرارات سريعة وصحيحة في أرض المعركة، وذلك عند أي انقطاعات بالاتصال بالقيادة المركزية.
  • تعزيز روح الانضباط العسكري والعمل الجماعي، وتنفيذ الأوامر من دون تردد أو تذمر، وخلق التناغم المنضبط في عمل وحدات الجيش الأساسية وصنوف القوات الداعمة والملحقة. وهنا أؤكد أن الالتزام بالأوامر والقوانين العسكرية والانضباط العسكري الصارم سيحمي القوات والفرق العسكرية العاملة من المزاجية والفوضى، ويضمن تنفيذ الخطط الاستراتيجية المخطط لها بحذافيرها. وبناءً عليه، فإن الإعداد الصحيح والواعي للمقاتل سلوكياً وانضباطياً سيرسخ بالتأكيد روح عمل الفريق الواحد والجماعة، وسيؤمّن الانسجام التام بين الأفراد العسكريين من كل الأعراق والطوائف والإثنيات في الوطن، مما يجعل الوحدات العسكرية تعمل بقيادة مؤسساتية واحدة موحدة، وكجسد قوي واحد شديد التنظيم والتأثير، بما يضمن تنفيذ الخطط الاستراتيجية للدولة بحذافيرها.

ختاماً

في الواقع، فالمؤسسات العسكرية، مهما تطورت أسلحتها ومعداتها ووسائطها، فستظل معتمدةً على الأفراد المقاتلين المحترفين الذين يديرونها من كافة جوانبها. وطالما أن المقاتل الإنسان هو العنصر الأساسي الذي تعتمد عليه المؤسسة العسكرية التي تقع على مسؤوليتها مهام الدفاع عن الوطن والشعب ومكتسباته، وتحقيق الأمن والاستقرار الدائم للبلاد، أو بشكل أشمل تقع عليها مهمة إعداد الوطن وتهيئته للدفاع عن نفسه، ولتحقيق هذه الغاية أو الواجب الأسمى الذي يجب ألا يُسمح مطلقاً بالتهاون به وبمتطلباته، أو الإخفاق في تحقيقه مهما كانت الأسباب والظروف، فسيكون من المهم جداً الاعتناء الفائق والكامل بالعناصر المحترفة والنخبوية المختارة بدقة، والتي تعتمد عليهم المؤسسة العسكرية من كل الجوانب التي ذكرناها أعلاه.

وخاصة أنه، وفي مثل هذه الأوقات الصعبة والحاسمة، أصبح إعداد الكتلة العسكرية الناجعة والصلبة ليس مهمة ثانوية أو مجرد أرقام وحشد عددي، بل في قياس مدى قدرة المؤسسة العسكرية على تركيز الأثر القتالي للمقاتلين في المكان والزمان الحاسمين. وعليه، فالتفوق لا يتحقق بالعدد والتسليح النوعي والمتقدم وحده، بل بكيفية إعداد المقاتلين من جميع الجوانب، وتنسيق كل الجهود والموارد، وتوظيفها بفعالية لخدمة الهدف المنشود، وهو حفظ وحدة الشعب، وحمايته، وتحقيق الأمن والاستقرار للبلاد.

المصدر تلفزيون سوريا

اترك رد

عاجل