

لا يبدو رقم 117 توغلاً للاحتلال الإسرائيلي في الأراضي السورية خلال 49 يوماً مجرد حصيلة لانتهاكات حدودية متفرقة، إذ يأتي في وقت تخوض فيه الدولة السورية مفاوضات بوساطة أميركية لوقف الاعتداءات والوصول إلى اتفاق أمني.
وبحسب وزير الخارجية أسعد الشيباني، سجلت سوريا 65 توغلاً خلال تموز الماضي و52 توغلاً خلال الأيام الـ18 الأولى من آب، إلى جانب 147 حالة اعتقال منذ بداية العام، لا يزال 49 من أصحابها قيد الاحتجاز.
وتعطي هذه الأرقام صورة أكثر تعقيداً لمسار المفاوضات، ففي الوقت الذي تتمسك فيه الدولة السورية بالحل الدبلوماسي وانسحاب قوات الاحتلال إلى المواقع التي كانت فيها قبل الثامن من كانون الأول 2024، تستمر التوغلات والاعتداءات في الجنوب السوري، وخصوصاً في القنيطرة ومحيط جبل الشيخ.
وفي 23 آب الماضي، عقد وفد سوري برئاسة وزير الخارجية أسعد الشيباني اجتماعاً مع وفد من الاحتلال الإسرائيلي في الأردن بوساطة أميركية. وبحسب وكالة «سانا»، تناول الاجتماع آليات وقف الاعتداءات وعمليات الاعتقال والاستهداف، وإحياء المفاوضات الرامية إلى التوصل إلى اتفاق أمني، فيما تمسك الجانب السوري بانسحاب قوات الاحتلال إلى مواقع ما قبل الثامن من كانون الأول 2024 وإعادة العمل الكامل باتفاق فض الاشتباك لعام 1974.
لكن تطوراً إسرائيلياً برز بالتوازي مع هذا المسار. فقد نقل موقع «واللا» الإسرائيلي، في الثاني من أيلول، عن مسؤول سياسي إسرائيلي رفيع قوله إن محاولة التوصل إلى اتفاق أمني مع سوريا لم تنجح، وإن أحد التطورات التي أثرت في المحادثات كان رفع بعض العقوبات المفروضة على سوريا.
وقال المسؤول، بحسب «واللا»، إن الدافع السوري للتقدم نحو اتفاق أمني تراجع بعد رفع بعض تلك العقوبات، مشيراً إلى أن قنوات الاتصال بين الجانبين ما تزال مفتوحة. كما أوضح أن الاحتلال لم يكن مستعداً للدخول في اتفاق يلزمه بالانسحاب من المنطقة العازلة، التي وصفها بأنها «أصل أمني».
ورغم أن هذا التقدير يعكس قراءة إسرائيلية لمسار التفاوض، فإنه يحمل دلالة على أن ورقة العقوبات لم تعد، من وجهة نظر الاحتلال نفسه، عاملاً يدفع الدولة السورية إلى الإسراع في الوصول إلى اتفاق. وهو ما يمنح المفاوض السوري مساحة أوسع للتمسك بشروطه المتعلقة بالانسحاب ووقف الاعتداءات، بدلاً من القبول باتفاق تحت ضغط الحاجة إلى تخفيف العقوبات.
في المقابل، سبق أن أعلن وزير دفاع الاحتلال الإسرائيلي يسرائيل كاتس أن قواته لن تغادر جبل الشيخ وما يسميه الاحتلال «المنطقة الأمنية» ما دامت هناك، وفق تعبيره، تهديدات على الحدود. وربط كاتس موقفه أيضاً بالتطورات المرتبطة بالتعاون العسكري السوري–التركي، الذي ينظر إليه الاحتلال باعتباره مصدر قلق أمني.
ولا تقتصر سياسة الاحتلال على وجوده العسكري في الجنوب، إذ استهدفت قواته خلال المرحلة الماضية مواقع وقدرات عسكرية سورية، بالتوازي مع اعتراضات إسرائيلية على تنامي التعاون العسكري بين سوريا وتركيا. وهو ما يجعل المفاوضات أبعد من مجرد ترتيبات حدودية، لتلامس قدرة الدولة السورية على إعادة بناء قواتها وتحديد تحالفاتها وشراكاتها الدفاعية.
بالنسبة للدولة السورية، تبدو الأولوية واضحة في وقف الاعتداءات وإنهاء الوجود العسكري الذي فرضه الاحتلال بعد الثامن من كانون الأول 2024، مع الاستمرار في المسار الدبلوماسي وتجنب الانجرار إلى مواجهة عسكرية جديدة.
غير أن التفاوض يجري بينما يتغير الواقع على الأرض. فكل توغل جديد أو عملية اعتقال أو تثبيت لموقع عسكري تضيف عنصراً جديداً إلى المفاوضات، وتجعل أي اتفاق أمني مرتبطاً أولاً بمصير قوات الاحتلال الموجودة داخل الأراضي السورية.
رقم الـ117 توغلاً، بهذا المعنى، لا يختصر ما جرى خلال أسابيع فقط، بل يكشف الفارق بين ما تسعى الدولة السورية إلى تحقيقه عبر التفاوض وبين الواقع الذي يحاول الاحتلال فرضه في الجنوب. ومع تراجع تأثير ورقة العقوبات، تبدو الدولة السورية أقل اضطراراً للاستعجال في التوصل إلى اتفاق، فيما يبقى الاختبار الحقيقي لأي تفاهم مقبل قدرته على وقف التوغلات وإنهاء الوجود العسكري المستحدث داخل الأراضي السورية.





