ستة انفجارات مرتبطة بالذخيرة خلال شهر.. ماذا يحدث للسلاح المخزن في سوريا؟

فريق التحرير21 سبتمبر 2026آخر تحديث :
آثار الانفجار في موقع تخزين أسلحة وذخائر قرب سرمدا بريف إدلب الشمالي – 9 أيلول 2026.

من إدلب إلى ريف دمشق ودير الزور وصولاً إلى حلب، تكررت خلال شهر واحد انفجارات ارتبطت بالأسلحة والذخائر ومخلفات الحرب. اختلفت المواقع والظروف والجهات التي كانت تتعامل مع المواد المتفجرة، لكن تتابع الحوادث خلال فترة قصيرة أعاد سؤالاً كان مؤجلاً منذ سقوط نظام الأسد إلى الواجهة: ماذا حدث للترسانة العسكرية الضخمة التي بقيت في سوريا، وكيف يجري جمعها ونقلها وتخزينها اليوم؟

بين 21 آب و21 أيلول 2026 يمكن توثيق ست حوادث بارزة مرتبطة بالذخائر أو المواد المتفجرة. ليست كلها انفجارات في مستودعات عسكرية بالمعنى الدقيق، وهذه نقطة مهمة، لكنها تكشف مجتمعة حجم المشكلة التي تواجهها البلاد بعد أكثر من عقد من الحرب.

في 21 آب انفجرت مواد متفجرة داخل منزل في قرية عين القصب قرب جسر الشغور بريف إدلب الغربي، ما أدى إلى استشهاد ثلاثة مدنيين وإصابة ستة آخرين بينهم أطفال. وقال الدفاع المدني حينها إن المعطيات الأولية تشير إلى مواد متفجرة تستخدم في صيد الأسماك كانت موجودة داخل المنزل.

وفي الأول من أيلول استشهد خمسة أشخاص وأصيب آخرون إثر انفجار سيارة محملة بالذخيرة في مدينة بنش بريف إدلب. لم تعلن الجهات الرسمية سبب الانفجار ولا الجهة التي كانت الذخيرة تتبع لها، بينما قالت مديرية إعلام إدلب إن عدد المصابين وصل إلى ثمانية في حصيلة غير نهائية.

بعد ثمانية أيام فقط جاء الانفجار الأكثر دموية. انفجر مخزن مؤقت لجمع الأسلحة ومخلفات الحرب قرب سرمدا شمال إدلب، فإستشهد 14 عنصراً من وزارة الدفاع وأصيب أكثر من عشرة أشخاص بينهم مدنيون. وزارة الدفاع قالت إن الموقع كان مخصصاً لتجميع الأسلحة ومخلفات الحرب قبل نقلها، وأعلنت أنها تتحمل المسؤولية الكاملة عن الحادثة وأن التحقيق مستمر لمعرفة أسبابها.

وفي 12 أيلول وقع انفجار آخر شمال غرب الضمير في ريف دمشق. هذه المرة كانت الرواية الرسمية أكثر وضوحاً.مصدر أمني قال إن ذخائر تالفة نُقلت وخُزنت في مستودع ناء تمهيداً لإبطالها انفجرت من دون وقوع إصابات أو خسائر.

ثم جاء انفجار عياش في ريف دير الزور الغربي في 18 أيلول داخل أحد مواقع الجيش. وفي اليوم التالي شيعت وزارة الدفاع 11 من عناصرها الذين قضوا في الحادث، بينما أعلنت الجهات الرسمية فتح تحقيق لمعرفة أسبابه.

وبعد أقل من ثلاثة أيام، استيقظ ريف حلب الجنوبي فجر 21 أيلول على انفجارات متلاحقة في مستودع للذخيرة بمنطقة العيس. أُصيب أربعة أشخاص في حصيلة أولية، وأُخليت منازل قريبة وأغلقت الطرق، بينها أجزاء من طريق حلب ـ دمشق، فيما عرقلت الانفجارات المتتابعة وصول فرق الإنقاذ في الساعات الأولى. وحتى وقت إعداد هذا التقرير لم تعلن السلطات سبب الانفجار.

ليست ست حوادث متطابقة

جمع هذه الوقائع تحت عنوان واحد لا يعني أن لها سبباً واحداً.

حادثة عين القصب وقعت داخل منزل، وبنش ارتبطت بسيارة تنقل ذخيرة، والضمير كان مستودعاً لذخائر تالفة معدة للإبطال، أما سرمدا وعياش والعيس فترتبط بصورة أوضح بمواقع عسكرية أو بمخازن تقع تحت إشراف مؤسسات الدولة.

لكن هذا الاختلاف نفسه يكشف المشكلة الأوسع. السلاح في سوريا اليوم لا يوجد فقط داخل مستودعات عسكرية منظمة. هناك ذخائر قديمة ومخلفات حرب، أسلحة جُمعت من ساحات القتال، مستودعات موروثة، مواقع مهجورة، وذخائر يجري نقلها من مكان إلى آخر تمهيداً لفرزها أو تخزينها أو إتلافها.

وهذه المرحلة، وفق المعايير الدولية الخاصة بإدارة الذخائر، هي من أكثر المراحل حساسية.

ماذا ترك النظام السابق؟

لا تبدأ القصة في أيلول 2026.

خرجت سوريا من نحو أربعة عشر عاماً من الحرب وهي واحدة من أكثر دول العالم تلوثاً بالذخائر المتفجرة ومخلفات الحرب. وتقول بيانات الأمم المتحدة إن عشرات ملايين الأطنان من الركام لا تزال موجودة في البلاد وإن أجزاء منها ملوثة بمواد متفجرة. كما سجلت الجهات العاملة في نزع الألغام مئات الحوادث المرتبطة بالذخائر المتفجرة منذ سقوط نظام الأسد.

وخلال سنوات الحرب توزعت الأسلحة والذخائر على شبكة هائلة من الثكنات والمستودعات والمطارات والمواقع العسكرية ونقاط الجبهات. بعضها كان تابعاً مباشرة لقوات النظام السابق، وبعضها استخدمته قوات حليفة له، فيما بقيت كميات أخرى في مناطق سيطرة فصائل متعددة.

وبعد سقوط النظام تعرضت منشآت عسكرية لضربات إسرائيلية واسعة، فيما تُركت مواقع أخرى أو تغيرت الجهة التي تسيطر عليها. وتحدثت تقارير لاحقة عن وصول أسلحة من مستودعات النظام السابق إلى جهات مسلحة خلال الفوضى التي أعقبت سقوطه.

هذا الإرث لا يعني أن كل انفجار يقع اليوم سببه ذخيرة تركها نظام الأسد. لكنه يعني أن الدولة الجديدة لم تبدأ من مستودعات نظيفة وسجلات مكتملة وترسانة حديثة تخضع لمنظومة واحدة، بل ورثت خريطة عسكرية متشعبة تراكمت فوقها سنوات الحرب والانقسام.

أين تبدأ مسؤولية الدولة الحالية؟

هنا يصبح التفريق ضرورياً.

الإرث قديم، لكن إدارة هذا الإرث أصبحت مسؤولية المؤسسات الحالية منذ انتقال المواقع والأسلحة إلى سيطرتها.

وفي حادثة سرمدا تحديداً قالت وزارة الدفاع بنفسها إن المستودع كان نقطة مؤقتة لجمع الأسلحة ومخلفات الحرب قبل نقلها، ثم أعلنت تحملها المسؤولية الكاملة عن الحادث. وفي الضمير أيضاً كانت الذخائر التالفة قد نُقلت إلى مستودع تمهيداً لإبطالها. أي أن جزءاً من الخطر لا يرتبط فقط بذخائر تُكتشف صدفة، بل بعملية قائمة الآن لجمع الذخائر ونقلها وفرزها والتخلص منها.

وهنا تظهر واحدة من أصعب مشكلات الانتقال من الحرب إلى الدولة: تجميع السلاح ضرورة أمنية، لكن نقل كميات كبيرة من ذخائر مختلفة العمر والمصدر والحالة الفنية يمكن أن يخلق مرحلة خطرة بحد ذاته إذا لم ترافق العملية منظومة فحص وتصنيف وتخزين شديدة الانضباط.

هل يمكن أن تنفجر الذخيرة وحدها؟

نعم.

وفق الإرشادات الفنية الدولية لإدارة الذخائر التابعة للأمم المتحدة، يمكن أن تقع الانفجارات غير المخطط لها بسبب سوء ظروف التخزين، تدهور الذخيرة مع الزمن، ضعف الفحص الفني، الحريق، الخطأ البشري، البرق، التخريب أو العمل العسكري الخارجي. ولا يمكن تحديد أي من هذه الأسباب من شكل الانفجار وحده.

الحرارة عامل مهم أيضاً. المعايير الدولية تحذر من أن درجات الحرارة العالية والتعرض المباشر للشمس والتغيرات اليومية في الحرارة تسرع تدهور بعض أنواع المتفجرات والمواد الدافعة، وهو عامل أكثر أهمية في مناطق الشرق الأوسط إذا كانت المستودعات غير مجهزة بالعزل والتهوية والمراقبة المناسبة.

وبعد انفجار عياش قال الباحث في الشؤون العسكرية والأمنية نوار شعبان للجزيرة إن الذخائر القديمة تحتاج إلى فحص دوري ومعايير دقيقة للحرارة والرطوبة والمساحات وطريقة التخزين، وإن التعامل مع الكميات الحالية يحتاج إلى كوادر متخصصة وتقارير دورية عن الحالة الفنية للذخيرة.

هذا يجعل فرضية الحوادث العرضية ممكنة فنياً. لكنه لا يفسر تلقائياً كل حادث.

ثلاثة مستودعات خلال 11 يوماً

ما يرفع مستوى الأسئلة هو تقارب بعض الوقائع زمنياً.

بين انفجار سرمدا في 9 أيلول وانفجار العيس في 21 أيلول وقع انفجار عياش أيضاً. أي أن ثلاثة مواقع مرتبطة بوزارة الدفاع وتحتوي أسلحة أو ذخائر شهدت انفجارات خلال أقل من أسبوعين.

صحيفة «ذا ناشيونال» نقلت عن محللين وخبراء أمنيين طرحهم احتمال وجود عمل خارجي أو تخريب، وذهب أحدهم إلى احتمال استهداف إسرائيلي لموقع العيس. لكن الصحيفة نفسها أوضحت أن الخبير لم يقدم دليلاً علنياً يثبت هذه الفرضية وأن السلطات السورية لم تنسب الانفجار إلى إسرائيل أو إلى التخريب أو إلى أي جهة خارجية.

وهذه نقطة لا يجوز تجاوزها.

وجود نمط زمني مقلق لا يساوي دليلاً جنائياً. وحتى الآن لا توجد نتائج تحقيق رسمية منشورة تربط سرمدا بعياش بالعيس، ولا دليل معلن يثبت أن جهة واحدة تقف خلفها.

وبالمقابل، القول إن جميع الحوادث مجرد سوء تخزين سيكون استنتاجاً سابقاً للتحقيق أيضاً.

إذن من يفجر المستودعات؟

الجواب المهني حتى الآن هو: لا نعرف.

في بعض الحوادث نعرف طبيعة المادة التي انفجرت. وفي بعضها نعرف أن الذخائر كانت تالفة أو يجري جمعها ونقلها. لكن في الحوادث الأكثر حساسية، ولا سيما سرمدا وعياش والعيس، لم تنشر السلطات حتى الآن نتائج فنية تشرح نقطة بدء الانفجار أو وجود آثار لمتفجرات خارجية أو خلل كهربائي أو حريق أو ذخيرة غير مستقرة أو اختراق أمني.

من دون هذه المعلومات يصبح أي اسم يوضع في خانة المسؤول مجرد فرضية.

التحقيق الحقيقي يجب أن يبدأ من سؤال أبسط: هل كانت الانفجارات ناتجة من داخل مخزون الذخيرة نفسه أم بدأ الحدث من مصدر خارجي؟

الإجابة الفنية على هذا السؤال وحدها يمكن أن تنقل الملف من السلامة العسكرية إلى الأمن والاستخبارات.

هل ما يحدث طبيعي؟

انفجارات مخازن الذخيرة ليست ظاهرة سورية فقط.

قاعدة بيانات «Small Arms Survey» وثقت 674 انفجاراً غير مخطط له في مواقع ذخيرة في 108 دول بين عامي 1979 و2024، وخلفت هذه الحوادث أكثر من 31 ألف ضحية. أي أن انفجار المستودعات مشكلة معروفة عالمياً، وليست بحد ذاتها دليلاً على وجود استهداف أو مؤامرة.

لكن الطبيعي عالمياً لا يعني أن التكرار يجب أن يقبل باعتباره أمراً عادياً.

ثلاثة انفجارات في مواقع مرتبطة بوزارة الدفاع خلال 11 يوماً، وسلسلة أوسع من الحوادث أثناء نقل وتجميع وإتلاف الذخائر، تستدعي مراجعة فنية وأمنية جدية لمنظومة إدارة السلاح حتى لو انتهت التحقيقات إلى أن جميعها حوادث عرضية.

مشكلة أكبر من مستودع

اللافت أن الحكومة السورية بدأت بالفعل بناء منظومة للتعامل مع إرث الحرب.

وزارة الطوارئ قالت إنها نفذت خلال النصف الأول من 2026 نحو 981 عملية لإزالة ذخائر غير منفجرة و369 عملية مسح غير تقني، بينما يعمل المركز الوطني للأعمال المتعلقة بالألغام على استراتيجية لثلاث سنوات، وسط اعتراف رسمي بنقص الكوادر والمعدات والدعم المالي واتساع رقعة التلوث.

وفي 20 أيلول، قبل ساعات من انفجار العيس، وقعت سوريا وأوكرانيا اتفاق تعاون في مجال نزع الألغام والمسح التقني ومخلفات الحرب، على أن تبدأ مشاريع أولية في إدلب وحلب.

هذه الخطوات تعالج جانباً مهماً من المشكلة، لكنها تختلف عن إدارة مخزون الذخيرة العسكري نفسه. إزالة لغم من أرض زراعية ليست العملية ذاتها التي يتطلبها فحص آلاف القذائف والصواريخ ونقلها وتصنيفها وتحديد صلاحيتها وبناء مخازن تحقق مسافات الأمان وشروط الحرارة والرطوبة والحماية.

وهنا تقع الحلقة التي تحتاج إلى مزيد من الشفافية.

لا يعرف الرأي العام حتى الآن عدد مستودعات الذخيرة التي ورثتها وزارة الدفاع، وكم منها خضع لمسح فني بعد سقوط النظام، وما المعايير المعتمدة لنقل الذخيرة القديمة، وكم مستودعاً يقع قريباً من تجمعات سكنية، وما الذي انتهت إليه التحقيقات في حوادث سابقة.

ما الذي تقوله الانفجارات الستة؟

لا تقول إن سوريا أمام حملة تفجير مؤكدة.

ولا تقول أيضاً إن الأمر مجرد سلسلة من المصادفات التي يمكن تجاوزها.

ما تقوله الوقائع حتى الآن هو أن الدولة تخوض واحدة من أخطر مراحل ما بعد الحرب: تحويل ترسانة موزعة ومختلطة ومتهالكة في أجزاء منها إلى مخزون عسكري مركزي ومنظم وآمن.

النظام السابق ترك وراءه سلاحاً وذخائر ومواقع عسكرية وحقول ألغام ومخلفات حرب تمتد على مساحة البلاد. والسلطات الحالية ورثت هذه المشكلة، لكنها ورثت معها مسؤولية إدارتها أيضاً.

ومن هنا يصبح السؤال الذي تطرحه انفجارات أيلول أكبر من معرفة سبب الشرارة الأولى في مستودع واحد.

السؤال هو ما إذا كانت سوريا تمتلك اليوم خريطة كاملة لما بقي من سلاح الحرب، ومن يملكه، وأين يُخزن، ومن يفحصه، وكيف يُنقل، ومتى يُتلف.

قبل الإجابة عن هذه الأسئلة سيبقى كل انفجار جديد مفتوحاً على روايتين: حادث كان يمكن منعه، أو عمل أمني لم يُكشف بعد.

وبين الاحتمالين تبقى الحقيقة في مكان واحد فقط: نتائج التحقيقات التي لم تُنشر بعد.

اترك رد

عاجل