
أخطر ما يمكن أن يحدث لهوية بلدٍ خرج من حرب طويلة، ألا يُسمح لها بأن تكون متعددة، ففي اللحظة التي نقرر فيها أن على السوريين أن يتخلوا عن بعض ما يعرّفهم كي يدخلوا في تعريف واحد للوطن، نكون قد انتقلنا من إقصاءٍ إلى إقصاء، حتى لو تغيّرت اللغة وتبدّلت الوجوه، فهل تحتاج سوريا فعلاً إلى هوية واحدة كي تستعيد وحدتها، أم أن وحدتها تتطلب الاعتراف أولاً بأن السوريين لم يكونوا يوماً نسخة واحدة، وأن محاولة صبّهم في قالب موحّد لن تنتج هوية وطنية متماسكة، بل هوية ناقصة تستبعد من لا يشبه النموذج الذي اختاره الأقوى؟
في الحالة السورية، لا تكمن المشكلة في غياب هوية وطنية مشتركة، وإنما في احتمال تحويل هذه الهوية إلى تعريف مغلق يفرض على السوريين نموذجاً واحداً للانتماء، وهنا يصبح السؤال ضرورياً: هل نبني هوية سورية تجمع المختلفين، أم نعيد إنتاج الإقصاء من خلال تهميش بعض هويات السوريين لصالح هوية واحدة تقدم نفسها بوصفها الممثل الحقيقي والوحيد للمجتمع؟
من المهم النظر إلى الهوية السورية بوصفها هوية سياسية ومدنية..
لا يمكن عدّ هذه المسألة تفصيلاً ثقافياً، فالهوية حين تدخل المجال السياسي تتحول إلى علاقة بالقوة والحقوق والتمثيل، وعندما تُعرّف جماعة ما باعتبارها النموذج الطبيعي للسوري، فإن الآخرين يصبحون بصورة مباشرة أو غير مباشرة أقل حضوراً، قد لا يُقال لهم إنهم غير سوريين، لكنهم باللاشعور سوف يميلون إلى التخلي عن أجزاء من هوياتهم حتى ينسجموا مع الصورة العامة، وهذا ليس معالجة للاختلاف، بل شكل آخر من أشكال الإقصاء.
لا يمكن بناء مجتمع متماسك عبر محو ما يميّز أفراده، فالسوري لا يعيش بهوية واحدة؛ ولديه انتماءات متعددة تتصل باللغة والثقافة والدين والمنطقة والعائلة والتاريخ الشخصي، والمشكلة لا تبدأ من تعدد الانتماءات، بل من ترتيبها على شكل سلم للمواطنة، بحيث لا يكون هناك تفاوتاً في المكانة، ربما تكون هذه العملية أكثر خطورة عندما تُقدّم تحت عنوان الوحدة الوطنية، لأن الشعار الذي يفترض أن يجمع الناس يصبح وسيلة لتحديد من يملك الحق في الظهور ومن ينبغي أن يتوارى، فالدولة الموحدة لا تحتاج إلى مجتمع متطابق، بل تحتاج مواطنين متساوين في الحقوق والواجبات، وقواعد مشتركة تنظم اختلافهم.
إن احتكار تعريف المجتمع لا ينتج استقراراً حقيقياً، بل يراكم شعوراً بالاستبعاد يمكن أن يتحول لاحقاً إلى صراع، لذلك فإن الجدل الحاصل حول بناء الهوية السورية لا ينبغي أن ينطلق من سؤال: كيف نجعل السوريين متشابهين؟ بل من سؤال أكثر واقعية: كيف نجعل اختلافاتهم قابلة للحياة داخل دولة واحدة؟ والفرق بين السؤالين جوهري، الأول يبحث عن مجتمع موحد في مظهره، بينما الثاني يبحث عن دولة عادلة في قواعدها.
لا يعني ذلك أن تكون الهوية الوطنية بلا مضمون، فالهوية السورية تحتاج إلى عناصر مشتركة، لكن هذه العناصر ينبغي أن تكون قادرة على استيعاب الاختلاف، لا أن تكون اختباراً للانتماء، ويكون معيارها المساواة أمام القانون، ورفض التمييز، واحترام الحقوق والحريات، والالتزام بوحدة الدولة وسيادتها، وذلك كفيل بتشكيل أرضية وطنية يمكن أن يلتقي عليها المختلفون، أما العادات والطقوس واللغات والتقاليد والتصورات الاجتماعية، فلا يمكن تحويلها جميعاً إلى شروط للمواطنة.
من المهم النظر إلى الهوية السورية بوصفها هوية سياسية ومدنية، لا بوصفها وصفاً ثقافياً واحداً للمجتمع، فالدول لا تحتاج إلى الاتفاق على شكل المواطن، بل تحتاج إلى الاتفاق على حقوقه، ومن الضروري هنا عدم الخلط بين حماية الهوية الجماعية وحقها في الهيمنة، فلكل جماعة حق في التعبير عن نفسها وحماية ثقافتها ضمن القانون، لكن لا يحق لها أن تجعل خصوصيتها
معياراً لحقوق بقية السوريين، وبالمثل، لا يحق للدولة أن تستخدم الهوية الوطنية ذريعة لفرض ثقافة واحدة أو إسكات الهويات التي لا تنسجم مع تصورها، فحرية الهوية لا تعني حق الهيمنة باسم الهوية.
من الخطأ الاعتقاد أن إخفاء الاختلافات يجعلها أقل تأثيراً، فما يُهمَّش لا يختفي بالضرورة؛ بل قد يتحول إلى شعور بالغبن أو إلى عزلة أو إلى بحث عن حماية خارج الإطار الوطني..
تبرز هذه المسألة بوضوح في اللغة والثقافة فوجود لغة مشتركة في مؤسسات الدولة والتعليم والإدارة يمكن أن يسهم في التواصل والوحدة، لكنه لا يستلزم إلغاء اللغات الأخرى من الحياة العامة أو الثقافية، وكذلك فإن حماية الثقافة السورية المشتركة لا تحتاج إلى التعامل مع الثقافات المحلية بوصفها منافسة لها، لأنها _الثقافة الوطنية_ لا تصبح أقوى عندما تختفي منها مكوناتها، وإنما عندما تستطيع استيعابها وإظهار تعددها.
ينطبق الأمر نفسه على الدين إذ لا يمكن بناء المواطنة على أساس الانتماء الديني، والقضية ليست في حضور الدين في المجتمع فهذا جزء من الواقع الاجتماعي، وإنما في منع تحوله إلى معيار يمنح فئة امتيازاً أو يجعل فئة أخرى مضطرة إلى إثبات وطنيتها، أما الذاكرة فتبدو أكثر تعقيداً، ذلك أن الحرب لم تشكل تجارب متشابهة لدى السوريين، ولذلك لا يمكن اختزال الماضي في رواية واحدة ثم مطالبة الجميع باعتناقها، هناك ذاكرات متعددة للحرب والخسارة والنزوح، والخوف والمقاومة والنجاة والانتظار، وحريّ بنا القول أنه لا يعني الاعتراف بهذه الذاكرات قبول كل رواية بوصفها حقيقة سياسية مطلقة، وإنما الاعتراف بأن للمواطن حقاً في ذاكرته وتجربته، فبناء المستقبل لا يحتاج إلى توحيد الماضي، بل إلى إطار سياسي وقانوني يمنع اختلاف الذاكرة من التحول إلى عداء دائم.
في هذا السياق، يصبح بناء الهوية الوطنية أقرب إلى بناء عقد اجتماعي منه إلى اختيار مجموعة من الرموز، والعقد الاجتماعي لا يحتاج إلى أن يجعل السوريين متفقين في كل شيء، وإنما يحتاج إلى تحديد ما يتفقون عليه على الرغم من اختلافهم.
من الخطأ الاعتقاد أن إخفاء الاختلافات يجعلها أقل تأثيراً، فما يُهمَّش لا يختفي بالضرورة؛ بل قد يتحول إلى شعور بالغبن أو إلى عزلة أو إلى بحث عن حماية خارج الإطار الوطني، لذلك فإن الاعتراف بالهويات ليس ترفاً ثقافياً، بل وسيلة لمنع الشعور بالاستبعاد من التحول إلى مشكلة سياسية، فعندما يشعر المواطن أن هويته لا تهدده في حقوقه ولا تمنعه من المشاركة، يصبح أكثر قدرة على التعامل مع الهوية الوطنية بوصفها مساحة مشتركة.
وفي المقابل، ينبغي ألا يتحول الاعتراف بالتنوع إلى تقسيم المجتمع إلى جماعات لا يجمعها سوى حدود الدولة، فالهوية الوطنية تحتاج إلى مركز مشترك، وهذا المركز هو المواطنة، بحيث يكون لكل مواطن حق متساوٍ في الدولة وأن تكون الهوية السورية مساحة مشتركة تستوعب الاختلافات كلها، فعندما تسود العدالة وتكون الحقوق متساوية، لا يصبح الاعتراف بالخصوصية تهديداً لوحدة الدولة.
إن اختلاف الهويات في سوريا لم يبدأ مع الحرب، لقد كانت سوريا غنية باختلاف هوياتها وثقافاتها على الدوام، لكن الحرب جعلت بعضها أكثر وضوحاً وحساسية، كذلك تثبت التجربة السورية أن الهوية الوطنية التي تُبنى على الإنكار ستظل بحاجة إلى الإكراه كي تحافظ على نفسها، أما الهوية التي تُبنى على الاعتراف فتستطيع أن تكون أوسع من مكوناتها، لذلك فإن قوة الهوية السورية لا ينبغي أن تقاس بقدرتها على جعل الجميع متشابهين، بل بقدرتها على جعل المختلفين يرون أنفسهم جزءاً من الوطن نفسه.
لقد دفع السوريون أثماناً باهظة، وإذا كان الخروج من الحرب يعني شيئاً، فيجب ألا يكون إعادة ترتيب من يملك حق تعريف المجتمع ومن يُطلب منه أن يتكيّف معه، فليس المطلوب أن يتخلى السوري عن هويته كي ينتمي إلى سوريا..
من الجائر إكراه السوريين على الاختيار بين هوية سورية جامعة وبين هويات السوريين المتعددة، لأننا بذلك ندفع كل فئة للتحزب والالتصاق بهويتها الخاصة، كما أنه لا يفترض أن تكون الهوية السورية متناقضة مع الهويات المتنوعة، فالتناقض يظهر فقط عندما تُعرّف الهوية الوطنية بوصفها بديلاً عن الهويات الفردية والجماعية، أما إذا عُرّفت بوصفها إطاراً للمواطنة
المشتركة، فإنها تصبح قادرة على احتواء الاختلاف بدلاً من محوه، فتبقى المواطنة هي المساحة التي تلتقي فيها الهويات المتعددة من دون أن يضطر أحدها إلى ابتلاع الآخر.
لقد دفع السوريون أثماناً باهظة، وإذا كان الخروج من الحرب يعني شيئاً، فيجب ألا يكون إعادة ترتيب من يملك حق تعريف المجتمع ومن يُطلب منه أن يتكيّف معه، فليس المطلوب أن يتخلى السوري عن هويته كي ينتمي إلى سوريا، ولا أن يتخلى عن سوريا كي يحافظ على هويته، نحن نحتاج فحسب إلى وطن يحق فيه للسوري أن يكون مختلفاً، وأن يبقى سورياً كاملاً؛ وأن تكون سوريا واحدة، من دون أن تكون موحّدة على صورة أحد.








