
تدخل المدن السورية مرحلة التعافي محمّلة بآثار سنوات طويلة من الحرب والنزوح والهجرة وتراجع الخدمات خلال الثورة السورية، وهي آثار تجاوزت ما أصاب الأبنية والطرق والبنية التحتية إلى علاقة السوري بأنماط الحياة والسكن والملكية والفضاء العمومي.
فقد أعادت توزيع السكان ورؤوس الأموال داخل البلاد وخارجها، وأنتجت سوقاً عقارية شديدة الاضطراب يصعب في كثير من الأحيان تفسير أسعارها بالمعايير التقليدية التي تحكم قيمة العقار، في الوقت الذي تراجعت فيه قدرة البلديات والخدمات العامة على مواكبة التغيرات السكانية والعمرانية؛ ولهذا فإن النقاش حول مستقبل المدن السورية يحتاج اليوم إلى تجاوز السؤال المتكرر عن أسعار المنازل والأراضي نحو سؤال أشمل يتعلق بالقيمة التي تنتجها المدينة للإنسان الذي يعيش فيها، وبالعلاقة بين ما يدفعه السوري ثمناً لعقاره وما يحصل عليه في المقابل من خدمات وبيئة عمرانية ونوعية حياة.
ويكفي أن يتجول المرء في بعض مناطق دمشق ليلتقط صورة تختصر جانباً من هذا الاختلال البنيوي؛ ففي بناء واحد قد تعرض شقة متواضعة من غرفتين وصالون بمئة وخمسين ألف دولار، بينما يطلب صاحب شقة قريبة منها في المساحة والإكساء والموقع ثلاثمئة وخمسين ألفاً، ثم ينتهي الحديث عن هذه الأرقام ويخرج المشتري إلى شارع تنتشر فيه أكياس النفايات حول الحاويات، وتحتاج أرصفته إلى الصيانة وتبدو خدماته بعيدة عن القيمة المالية المتداولة للعقارات.
وعند هذه النقطة يصبح تفاوت الأسعار وتراجع النظافة جزءاً من حالة تتعلق بكيفية تقدير قيمة السكن، والطبيعة القانونية في تسويق هذه العقارات، وبين مستوى العناية بالبيئة العامة والخدمات التي تمنح هذه الملكيات مكانتها وقيمتها.
فالعقار في الدراسات الحضرية أصل اقتصادي شديد الارتباط بمحيطه، فقيمة المنزل تتكون من مساحة الأرض ونوعية البناء والإكساء والوضع القانوني، ثم يضاف إليها ما توفره المدينة من طرق ونقل ومياه وكهرباء ومدارس وأسواق وأمان ونظافة ومساحات عامة، ولذلك يؤثر مشروع طُرق جيد أو حديقة عامة أو إعادة ترميم شارع في رفع أسعار العقارات المحيطة به من دون أن يضيف أصحابها متراً واحداً إلى منازلهم، كما يؤثر تراجع الخدمات والفوضى والإهمال على جاذبية أفضل الأبنية.
وهذه العلاقة بين الملكية والمكان هي التي جعلت عالم الاجتماع الفرنسي هنري لوفيفر في أعماله حول إنتاج الفضاء، أن يربط المدينة بالعلاقات الاجتماعية والاقتصادية والمؤسساتية التي تصنعها، لأن الفضاء الحضري عنده يتكون من استخدام الناس للمكان ذاته، ومن حركة رأس المال والمؤسسات والحياة اليومية، وهي فكرة تجد في الواقع السوري الحالي مثالاً شديد الوضوح، حين تتحرك قيمة الملكية الخاصة صعوداً بينما تتحرك جودة المجال المحيط بها في اتجاه أبطأ بكثير.
وتزداد المشكلة مع غياب بيانات عقارية دقيقة يستطيع المشتري الرجوع إليها؛ ففي بعض الحالات يصبح السعر الذي يضعه المالك مرجعاً لمالك آخر، فيسمع أحدهم أن شقة عرضت بمئتي ألف دولار فيطلب مئتين وخمسين، ثم يأتي ثالث فيبني تقديره على السعرين السابقين، مع أن العقار الأول ربما بقي معروضاً أشهراً من دون بيع، وهنا تختلط أسعار الإعلانات بالأسعار الحقيقية، وتتكون توقعات مرتفعة لا تستند دائماً إلى حجم الطلب أو مستوى الخدمات أو القدرة الشرائية.
وتزداد حساسية المسألة عندما يكون المشتري سورياً مقيماً في الخارج، لأن بعض الممارسات في السوق تنطلق من افتراض أن الإقامة في الخليج أو أوروبا أو أميركا الشمالية تعني بالضرورة قدرة مالية مرتفعة، فيجد المغترب أحياناً أن السعر يتغير بعد معرفة مكان إقامته، وهي ممارسة قد تمنح البائع أو الوسيط زيادة في صفقة واحدة لكنها تضر بمصلحة اقتصادية أوسع.
فالسوري الذي يعود لشراء منزل يحمل معه مدخراته وخبرته وشبكة علاقاته وربما مشروع عودته كله، وقد يكون شراء الشقة أول قرار اقتصادي يعيده إلى البلاد، ثم تلحق به الأسرة والعمل والاستثمار، ولذلك فإن الطريقة التي يعامل بها في أول احتكاك مع السوق المحلية قد تؤثر في سلسلة كاملة من القرارات اللاحقة.
وهنا تتجلى مسألة الثقة التي اهتمت بها دراسات رأس المال الاجتماعي؛ فالثقة تخفض تكلفة التعامل وتشجع الناس على المبادرة والاستثمار بكل جرأة، بينما يؤدي تراجعها إلى زيادة الحذر وإبطاء حركة الأموال، وهو أمر في غاية الأهمية لسوريا التي تحتاج في مرحلة التعافي إلى استعادة روابطها الاقتصادية بالسوريين في الخارج، والاستفادة من مدخراتهم وخبراتهم التراكمية وشبكات أعمالهم.
ولهذا، فإن تنظيم السوق العقارية ينبغي أن يبدأ ببناء الثقة، من خلال تسجيل أسعار الصفقات المنجزة ونشر مؤشرات دورية تساعد الناس على معرفة الحدود التقريبية للقيمة في كل منطقة، وتنظيم عمل المقيمين والوسطاء والعمولات والإعلانات، وتسريع رقمنة السجل العقاري وتسهيل التحقق من الملكيات والمخالفات والإشغالات، بحيث يحتفظ المالك بحقه في تقدير ملكه ويملك المشتري في المقابل المعلومات التي تمكنه من معرفة ما إذا كان السعر قريباً من واقع السوق أو بعيداً عنه.
وعلى الجانب الآخر، فإن معالجة القمامة وتراجع الخدمات تحتاج إلى الخروج من عقلية الحملات المؤقتة إلى إدارة يومية للمدينة وضواحيها تقوم على انتظام جمع النفايات وتوفير الحاويات وصيانة الأرصفة ومراقبة إشغال المجال العام وفرض الغرامات على المخالفين.
ومن المؤسف أن تنفق مبالغ كبيرة أحياناً على الإكساء والرخام والأثاث داخل المنازل، بينما ينتهي الاهتمام عند باب البناء ويبقى الشارع مهملاً، مع أن نظافة الحي وجودة خدماته تدخلان في قيمة هذه الممتلكات نفسها. فلا بد من إعادة إشراك السكان والتجار واتحادات الملاك والمبادرات الأهلية في رعاية الأحياء.
فالتجربة التاريخية السورية تملك رصيداً واسعاً من العمل الأهلي والتكافل المحلي، ويمكن لهذا الرصيد أن يعود بصيغة عصرية تجعل المجتمع شريكاً في الحفاظ على المجال المشترك من دون أن تعفي المؤسسات من مسؤوليتها في تقديم الخدمة وإدارتها.
إن استعادة جاذبية المدن السورية تبدأ من تنظيم السوق العقارية وتحسين الخدمات وسوريا اليوم بحاجة إلى مدن تشجع أبناءها على العودة والاستقرار والاستثمار، وتمنحهم الثقة بأن أموالهم ومدخراتهم تذهب إلى سوق واضحة وبيئة تستحق العيش فيها. وهذا يحتاج إلى عمل جاد من البلديات والمؤسسات، وإلى مسؤولية أكبر من السكان تجاه أحيائهم ومدنهم.








