سورية جارة حلف شمال الأطلسي

بشير البكر18 يوليو 2026آخر تحديث :
سورية جارة حلف شمال الأطلسي

كان انعقاد قمّة حلف شمال الأطلسي (ناتو) في أنقرة، يومَي 7 و8 يوليو/ تمّوز الجاري، مناسبةً مهمّة لسورية، وهو ما يفسّر توجيه الدعوة إلى الرئيس أحمد الشرع للقاء بعض قادة الدول المشاركة، خصوصاً الرئيسَين الأميركي دونالد ترامب والتركي رجب طيّب أردوغان. وواضح أنّ أنقرة تلعب دور الوسيط بين سورية الجديدة و”ناتو” ليس من أجل نيل العضوية، بل بهدف بناء علاقات ذات طبيعة استراتيجية تقوم على أنّ استقرار سورية مصلحة دولية في منطقة تشهد نزاعات أساسية عدّة، ولن يتم هذا من دون الانتقال من سياسة عزل سورية التي يعمل من أجلها بعضهم، خصوصاً رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، إلى فتح المجال أمامها كي تنخرط بقوّة في المسارات ذات الطابع الاستراتيجي، لا سيّما أنّها باتت عضواً في التحالف الدولي لمحاربة الإرهاب منذ العام الماضي (2025)، وتسهم في جهوده.

يدرك حلف شمال الأطلسي مدى أهمية موقع سورية من الناحية الاستراتيجية، والدور المهمّ الذي يمكن أن تلعبه شريكاً في أمن واستقرار الجناح الجنوبي للحلف، وقد جرى تثمين قرارها بالخروج من المحور الإيراني الروسي، والتوجّه إلى بناء علاقات تعاون مع الولايات المتحدة وأوروبا. وظهرت نتائج هذا في الحرب على إيران، فتبيّن أنّ خسارة إيران سورية، بوصفها قاعدةً متقدّمةً للممانعة، غيّر كثيراً من المعطيات، خصوصاً منع استخدام إيران الأراضي السورية. وبناءً عليه، من المرجَّح أن يتعامل الحلف إيجاباً مع مسألة منح سورية معاملةً تفضيليةً، لكنّ هذا لا يعني أنّه يمكن أن يقدّم لها هدايا غير مشروطة، وسيتأكّد (قبل أي خطوة ذات قيمة) من أنّ السلطة السورية الجديدة حاسمةٌ في سياستها الخارجية تجاه إيران وروسيا، ومكافحة الإرهاب، والهجرة، وتعزيز الاستقرار الداخلي بالانفتاح على المجتمع السوري المتعدّد والمتنوّع. وفي الأحوال كافّة، لن يتجاوز دعم حلف شمال الأطلسي في المدى القريب رفع مستوى التعاون الأمني، وتعزيز أمن الحدود، والمساعدة في التدريب والتمكين، وفتح حوار سياسي مع الدول الأعضاء، مدخلاً لبناء علاقات اقتصادية. أمّا الشراكة الاستراتيجية مع الحلف، فتحتاج إلى قرار سياسي بالتوافق بين الكتل الكُبرى داخل الحلف، وهذا يحتاج إلى بعض الوقت لاختبار خطوات السلطات السورية.

تعمل تركيا وفق منهج أنّ استقرار سورية يخدم مصالحها في المديَين القريب والبعيد، وفي مقدّمة ذلك الأمن الحدودي، إذ تعتبر أنقرة أنّ الأولوية تكمن في تأمين حدودها مع سورية (يتجاوز طولها 900 كيلومتر)، وهي أطول حدود برّية تربطها بدولة مجاورة، وتمتدّ من ساحل البحر الأبيض المتوسّط حتّى العراق، وتقع في جانبيها محافظات عدّة، تختلف فيها التحدّيات من منطقة لأخرى، وفي مقدّمها وجود قوى كردية تركية مسلّحة تنتشر داخل بعض مناطق الشريط الحدودي وخصوصاً في القامشلي، بالإضافة إلى التهريب وحركة العبور في الاتجاهين. وفي حال الاتفاق على دعم سورية في بناء قواها الذاتية العسكرية والأمنية، فإنّ ذلك سيوفّر على تركيا كثيراً، ويمكّنها من سحب قوّاتها المتمركزة شمال غربي سورية.

ضبط الحدود ينعكس بصورة إيجابية على البلدَين، ولا تقتصر المكاسب على الأمن الحدودي، بل تتعدّاه إلى تنشيط حركة التجارة البينية عبر المعابر النظامية، كما يمهّد الطريق أمام التنمية المشتركة، وقد سبق للبلدَين أن وضعا بعض خطط التعاون، لكنّ الثورة على نظام بشّار الأسد عام 2011 أوقفتها، ومنها مشروع التنمية الزراعية المشتركة لمساحات شاسعة من الأراضي في محافظة الحسكة التي عانت طيلة العقدَين الماضيين من تدنّي محاصيل المواسم الزراعية بسبب الجفاف المناخي، وانقطاع مياه نهر الخابور؛ الشريان الأساس لري المنطقة الممتدّة على طول ما يقارب 200 كيلومتر.

المصدر العربي الجديد

اترك رد

عاجل