
لم يعد الإعلان السوري عن إحباط محاولة تهريب أسلحة من العراق إلى لبنان مجرد حادثة أمنية عابرة، بل يحمل دلالات تتجاوز الشحنة المصادرة إلى ما تكشفه من محاولات إيرانية لإعادة تشغيل أحد أهم خطوط الإمداد العسكرية التي شكلت لعقود العمود الفقري لقدرات حزب الله العسكرية.
تعرض الممر الممتد من إيران إلى العراق ثم سوريا وصولا إلى لبنان، والذي كان يعرف داخل الأوساط العسكرية بـ”الجسر البري”، خلال العامين الماضيين لتفكك كبير نتيجة التحولات السياسية والعسكرية في سوريا، ما جعل أي محاولة لإحيائه مؤشرا على حجم الضغوط التي يواجهها الحزب في إعادة تسليح نفسه.
ويأتي إحباط الشحنة في وقت يعاني فيه حزب الله من استنزاف واسع لترسانته العسكرية بعد جولات القتال المتتالية مع إسرائيل، والتي ألحقت خسائر كبيرة بمخازنه ومنظوماته الصاروخية، في وقت باتت فيه عملية تعويض تلك الخسائر أكثر تعقيدا مقارنة بالسنوات السابقة.
ولم تكن عملية التهريب، وفق مراقبين، مجرد محاولة لنقل كمية من الأسلحة، بل اختبارا لإمكان إعادة فتح الممر التقليدي الذي كان يربط طهران ببيروت عبر بغداد ودمشق، وهو الخط الذي استخدمه الحرس الثوري الإيراني لسنوات في نقل الصواريخ والذخائر والطائرات المسيّرة والمعدات العسكرية، فضلا عن تنقل المقاتلين بين ساحات الصراع في العراق وسوريا ولبنان.
حزب الله أمام تحدي إعادة بناء منظومة الإمداد التي تعرضت لضربات متلاحقة بعد سقوط الأسد وتشديد الرقابة على الحدود السورية
لكن هذا المسار فقد أهم حلقاته بعد سقوط نظام بشار الأسد وصعود سلطة سورية جديدة أعلنت منذ البداية رفضها تحويل الأراضي السورية إلى ممر لنقل السلاح أو منصة لخدمة النفوذ الإيراني في المنطقة، وهو تحول غيّر بصورة جوهرية البيئة التي اعتمد عليها حزب الله لعقدين من الزمن.
وأعلنت وكالة الأنباء السورية الرسمية “سانا” أن الوحدات المختصة أحبطت محاولة إدخال شحنة تضم أسلحة نوعية وصواريخ عبر الحدود السورية – العراقية، فيما أظهرت التحقيقات الأولية أن الشحنة كانت معدة للعبور عبر الأراضي السورية إلى لبنان لصالح حزب الله.
وتعد هذه المرة الأولى التي تعلن فيها السلطات السورية الجديدة ضبط شحنة أسلحة متجهة إلى الحزب عبر الحدود العراقية، بعدما كانت عمليات الضبط السابقة تقتصر على محاولات تهريب عبر الحدود اللبنانية – السورية.
ويشير هذا التطور إلى أن شبكات التهريب المرتبطة بالحرس الثوري الإيراني تحاول البحث عن مسارات بديلة بعد انهيار منظومة النقل التي كانت تعمل في ظل النظام السوري السابق، مستفيدة من وجود عدد كبير من الفصائل والميليشيات المسلحة الموالية لإيران داخل العراق، والتي ما زالت تشكل الحلقة الأولى في سلسلة الإمداد الإيرانية.
ويعتقد محللون أن اختيار الحدود العراقية هذه المرة يعكس محاولة للالتفاف على القيود الأمنية المتزايدة داخل سوريا، إلا أن نجاح دمشق في إحباط العملية يكشف في المقابل عن مستوى أعلى من التنسيق الأمني والرقابة على المعابر الشرقية، وهي منطقة كانت توصف سابقا بأنها الأكثر هشاشة أمام عمليات التهريب.
وتأتي هذه التطورات في وقت تتحدث فيه مصادر لبنانية عن أزمة متزايدة في مخزون حزب الله من الأسلحة والذخائر، نتيجة الاستهلاك الكبير خلال المواجهات العسكرية الأخيرة، إضافة إلى الضربات التي استهدفت مستودعاته وخطوط إمداده، وهو ما يجعل إعادة بناء ترسانته أولوية استراتيجية بالنسبة إلى قيادته.
ولم تعد المشكلة بالنسبة إلى الحزب تتعلق فقط بالحصول على السلاح، وإنما أيضا بطريقة إدخاله إلى لبنان. فالممر السوري الذي وفر طوال سنوات بيئة آمنة نسبيا لنقل الأسلحة الثقيلة والصواريخ الدقيقة لم يعد قائما، بينما أصبحت الطرق البديلة أكثر كلفة وأكثر عرضة للرصد والاستهداف.
تبدو عملية إحباط شحنة الأسلحة أكثر من مجرد نجاح أمني، إذ تعكس مرحلة جديدة من الصراع تدور هذه المرة حول شرايين الإمداد لا ساحات القتال
ويرى خبراء أمنيون أن نجاح السلطات السورية في اعتراض الشحنة يحمل رسالة سياسية وأمنية في آن واحد. فمن جهة، تسعى دمشق إلى تأكيد أنها لم تعد تسمح باستخدام أراضيها لإدارة الصراع الإقليمي كما كان الحال خلال السنوات الماضية، ومن جهة أخرى توجه إشارة إلى القوى الدولية والإقليمية بأنها شريك في جهود الحد من تهريب السلاح وضبط الحدود.
ومنذ وصولها إلى السلطة عقب الإطاحة بنظام الأسد أواخر عام 2024، أعلنت الحكومة السورية الجديدة مرارا توقيف خلايا قالت إنها مرتبطة بحزب الله، كما أعلنت في يناير 2026 إحباط محاولة تهريب صواريخ وقذائف عبر الحدود اللبنانية – السورية، في سياق سياسة تستهدف تفكيك شبكات التهريب التي نشأت خلال سنوات الحرب.
في المقابل، يواصل حزب الله نفي أي وجود عسكري أو نشاط تنظيمي له داخل سوريا بعد سقوط النظام السابق، غير أن تكرار عمليات ضبط الشحنات يشير إلى أن شبكات الإمداد التي أنشئت خلال سنوات الحرب لم تختف بالكامل، بل تحاول التكيف مع المعطيات الجديدة والبحث عن منافذ أقل عرضة للمراقبة.
وتكتسب هذه القضية بعدا إضافيا في ظل الحديث الأميركي المتكرر عن دور سوري في الحد من نشاط حزب الله. فقد قال الرئيس الأميركي دونالد ترامب في أكثر من مناسبة إن واشنطن ترى أن دمشق يمكن أن تضطلع بدور في التعامل مع الحزب بعد تراجع قدراته العسكرية إثر حربي 2024 و2026.
غير أن القيادة السورية سارعت إلى رسم حدود واضحة لهذا الدور، إذ أكد الرئيس أحمد الشرع أن بلاده لا تنوي التدخل عسكريا في لبنان، وأن أولويتها تتمثل في بناء علاقات اقتصادية واستقرار إقليمي، قائلا إن سوريا تبحث عن “خطوط اقتصادية بين لبنان وسوريا وليس عن خطوط عسكرية”.
ويعكس هذا الموقف محاولة سورية للفصل بين سياسة ضبط الحدود ومنع تهريب السلاح من جهة، وبين الانخراط المباشر في المواجهة مع حزب الله من جهة أخرى، تجنبا لتحويل الأراضي السورية مجددا إلى ساحة صراع إقليمي.
وفي المحصلة، تبدو عملية إحباط شحنة الأسلحة أكثر من مجرد نجاح أمني، إذ تعكس مرحلة جديدة من الصراع تدور هذه المرة حول شرايين الإمداد لا ساحات القتال. وإذا كانت المواجهات العسكرية قد أضعفت جزءا مهما من قدرات حزب الله، فإن استمرار إغلاق طرق التسليح التقليدية قد يكون العامل الأكثر تأثيرا في إعادة رسم ميزان القوة داخل ما كان يعرف بمحور المقاومة، حيث أصبحت معركة الحفاظ على خطوط الإمداد لا تقل أهمية عن معركة امتلاك السلاح نفسه.








