هل سيرتقي المجلس إلى مستوى تطلعات السوريين؟

عبد الباسط سيدا14 يوليو 2026آخر تحديث :
هل سيرتقي المجلس إلى مستوى تطلعات السوريين؟

وأخيراً، اجتمع أول “مجلس شعب” سوري بعد زوال حقبة حكم “آل الأسد”، التي امتدت 54 عاماً، وقد جاء تشكيل المجلس عقب سلسلة طويلة من اللقاءات والمباحثات والترتيبات الاستثنائية، انتهت إلى ظهوره بصيغته الحالية، التي أثارت كثيراً من التساؤلات والتعليقات، وشكّلت محوراً لآراء متباينة تراوحت بين تأييد غير نقدي ولا محدود، وتشكيك عدمي مطلق، مروراً برؤى نقدية أقرت بالإيجابيات، ودعت إلى تلافي السلبيات.

وبغض النظر عن كل الجدل الذي كان، وما يزال، بين السوريين حول المجلس والإدارة الحالية، والهواجس والآمال والتوقعات التي يعبرون عنها، والمشكلات التي يعانون منها، لا سيما المعيشية منها، فإنّ وجود المجلس في المرحلة الحالية ضرورة تشريعية لضبط الأمور الإدارية وتنظيمها، والحدّ من التجاوزات والأخطاء والمزاجية لدى الكثير من العاملين في مختلف الوزارات والإدارات والهيئات.

فالأوضاع الدقيقة المفتوحة على مختلف الاحتمالات، التي تمرّ بها المنطقة، تمثّل تحدياً كبيراً تواجهه الإدارة السورية من دون شك، ولكن في جميع الأحوال يبقى تفاهم السوريين وتوافقهم المدخل الصحيح للتعامل مع المتغيرات الإقليمية والدولية وانعكاساتها على الاجتماع السوري، الذي يحتاج إلى المزيد من الترميم والعناية، والتركيز على اجراءات ثقة من شأنها تعزيز التماسك المجتمعي، وذلك عبر تحسين قواعد العيش المشترك، الأمر الذي سيمكّن من توسيع دائرة نقاط التوافق على حساب دائرة الخلاف.

أي عملية انتخابية حقيقية على مستوى المجتمعات المحلية لا يمكن أن تكون فاعلة ناجعة من دون وجود أحزاب وتيارات ومنظمات سياسية تخاطب الناس عبر برامج معلنة..

ولبلوغ التفاهمات والتوافقات المشار إليها هناك حاجة ضرورية لا تحتمل التأجيل أو التسويف، أو الحلول الترقيعية، تتمثل في ضرورة افساح المجال أمام المجتمعات المحلية لاختيار ممثليها في الإدارات المحلية ممن يمتلكون المؤهلات المعرفية والمهنية والمصداقية؛ ولديهم الحرص الشديد على وحدة النسيج المجتمعي السوري؛ ولا يعانون أو يخضعون لنزعات التعصّب الديني أو المذهبي أو القومي أو الإيديولوجي، فسوريا قادرة على استيعاب سائر مواطنيها بكل انتماءاتهم المجتمعية أو توجهاتهم السياسية، شرط الانطلاق من رؤية وطنية جامعة، لا تميّز بين السوريين على مستوى الجماعات والأفراد والمناطق، ولا تستثني منها أحداً.

الحاجة إلى الانتخابات المحلية ماسّة وضروية، وهذه مسألة ممكنة بعد مرور أكثر من عام ونصف على بداية المرحلة الانتقالية الحالية، قد تكون هناك بعض العقبات أو الثغرات هنا وهناك؛ ولكن في جميع الأحوال تظلّ فوائد إجراء الانتخابات المحلية أكثر بما لا يقارن بتأجيلها أو تجاهلها.

فهناك قوى أمر واقع قد فرضت نفسها في عدد كبير من المناطق، والناس يشتكون منها لأنها لم تحقق لهم أي انجاز كان يمكن أن يشفع لها؛ بل استنزفت الطاقات، وأهملت الخدمات، وتسببت في خراب البنى التحتية، وفرضت الأتاوات على الناس، وشاركتهم في لقمة عيشهم من دون أي وجه للحق، وهدّدت المنتقدين المعارضين لممارستها، وأقدمت على الانتهاكات بحقهم؛ بل ومارست أساليب إرهاب الناس بغية اسكاتهم، وإرغامهم على القبول بالأمر الواقع غير السوي.

والجدير بالذكر قوله في هذا السياق هو: إن أي عملية انتخابية حقيقية على مستوى المجتمعات المحلية لا يمكن أن تكون فاعلة ناجعة من دون وجود أحزاب وتيارات ومنظمات سياسية، تخاطب الناس عبر برامج معلنة، تتضمن وجهات نظرها وحلولها بشأن القضايا الحياتية المعيشية التي تهمهم وتؤرقهم؛ وتؤثر بصورة مباشرة في معيشتهم، وتنعكس على واقع أبنائهم ومستقبلهم.

وبناء على ذلك من المطلوب السوري الملح راهناً هو أن يضع مجلس الشعب الجديد قانون تشكيل الأحزاب والمنظّمات السياسية على قائمة أولوياته؛ فالسوريون ينتظرون؛ وعملياً هناك تجمعات، بل أحزاب وتيارات غير مرخصة تعمل، يلتقي ضمن إطارها المواطنون، الذين يشعرون بالتقارب الفكري في وجهات النظر حول تشخيص المشكلات والقضايا، والحلول المقترحة بشأنها؛ ولا يمكن تجاهل هذه الحقيقة الصحية التي وُجِدت، وستكون في كل المجتمعات الإنسانية، بالمجاملات العامة التي لا تقدّم حلولاً ملموسة لقضايا ومشكلات واقعية موجودة تستوجب المعالجة بحلول ملموسة، وكل ما مطلوب من مجلس الشعب في هذا المجال هو قوننة المشروع لا تعطيله بحجج لا تستقيم مع تطلعات السوريين.

ومن نافلة القول في هذا السياق، هو أن الأحزاب المطلوبة المتوافقة مع الواقع السوري المتعدد المتنوع بطبيعته عبر تاريخه الطويل هي الأحزاب التي تلتزم التوجهات الوطنية، وتحترم الخصوصيات المجتمعية، وتدعو إلى المساواة بين المواطنين جميعاً في الحقوق والواجبات.

أما الأحزاب التي تتبنى أيديولوجيات متشددة بغض النظر عن توجهاتها وأسمائها فهي لم، ولن، تساهم في توحيد السوريين على الصعيد الوطني، وستكرّس الانقسامات بين السوريين خاصة الشاقولية منها؛ الأمر الذي لن يستفيد منه سوى حفنة من الإنتهازيين المتسلقين الذين يتطلعون إلى التحكّم بالمكوّنات المجتمعية بغية اتخاذها منصة لتحقيق مآربهم الخاصة التي لا تعطي أي اعتبار حقيقي لمصالح تلك المكونات الفرعية، ولا للمصالح الوطنية العامة التي يتشارك فيها سائر السوريين.

إلى جانب مسالتي الانتخابات المحلية وقانون الأحزاب والمنظمات السياسية، ينتظر السوريون من المجلس الجديد سنّ التشريعات التي تساعد السلطة التنفيذية، ومساءلة هذه الأخيرة، في حالات التقصير، على ضبط الوضع الأمني، حتى يشعر جميع المواطنين من جميع الانتماءات وفي سائر الجهات بالطمأنة والأمان. وهذا الأمر لن يكون ممكنا من دون رفع كوابيس قوى الأمر الواقع في مختلف المناطق السورية عن كاهل الناس؛ وذلك عبر تمكينهم من اختيار ممثليهم بموجب انتخابات محلية نزيهة شفافة، تتوافق مع تطلعات السوريين الذين ثاروا على استبداد سلطة آل الأسد وفسادها.

ويبقى الموضوع الاقتصادي المعيشي الذي يرهق كاهل غالبية السوريين الذين يعانون من البطالة وغلاء الأسعار، وارتفاع تكاليف السكن والرعاية الصحية والخدمات الضرورية التي لايمكن الاستغناء عنها (الماء والكهرباء بصورة أساسية)، فهذا الموضوع لا يحتمل التأجيل، ولا يمكن إقناع السوريين بالمزيد من الوعود التبشيرية التي لم تُترجم على أرض الواقع حتى الآن.

تمتلك سوريا على صعيد الموارد الطبيعية والمهارات والخبرات، والمساحة الجغرافية، والكتلة البشرية، والأهمية الجيوسياسية، إمكانيات كبيرة شرط اعتماد سياسة اقتصادية متوازنة تضمن فرص العمل للشباب، وتمكّن المنتجين من تسويق نتاجهم وقطع الطريق أمام حالات الفساد والهدر..

هذا في حين أن المعاناة تتجاوز حدود محاولات الإقناع والتسويف سواء بالنسبة إلى سكان المدن والمناطق التي كانت أكثر عرضة للتدمير والتهجير، أم بالنسبة إلى سكان المخميات الذين ما زالوا ينتظرون تهيئة شروط الحد الأدنى الممكن لتأمين عودتهم الآمنة الكريمة إلى ديارهم.

والجدير بالذكر ضمن هذا السياق هو أن قرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب الأخير بخصوص إزالة اسم سوريا من لائحة الدول المتهمة برعاية الإرهاب، ودعوته الكونغرس إلى المصادقة على قراره وإخراج اسم سوريا بصورة نهائية من تلك اللائحة سيساعد كثيراً في تسهيل عملية  الاستثمارات في سوريا والتحويلات المالية إليها، إذا ما توفرت النوايا والإرادات، ووضعت الخطط الجادة لمساعدة السوريين، وتمكينهم من تجاوز  المرحلة الانتقالية الصعبة باقل الخسائر الممكنة.

بالإضافة إلى ذلك، تمتلك سوريا على صعيد الموارد الطبيعية والمهارات والخبرات، والمساحة الجغرافية، والكتلة البشرية، والأهمية الجيوسياسية، إمكانيات كبيرة شرط اعتماد سياسة اقتصادية متوازنة تضمن فرص العمل للشباب، وتمكّن المنتجين خاصة ضمن المشاريع الصغيرة من تسويق نتاجهم وقطع الطريق أمام حالات الفساد والهدر، والنزعات التجريبية المغامرة غير المدروسة التي لا تأخذ الأولويات السورية المعيشية بعين الاعتبار.

لقد تحمّل السوريون بجميع انتماءاتهم وتوجهاتهم وفي سائر جهاتهم كثيراً، وضحّوا كثيراً، وهم اليوم يستحقون كل العدل والوفاء.

المصدر تلفزيون سوريا

اترك رد

عاجل