الطريق إلى رأس شمرا وآفاميا

بشير البكر14 يوليو 2026آخر تحديث :
بشير البكر

لم تكن مدينة أوغاريت الأثرية، وقلعتي مصياف وآفاميا، في حساب الزيارة، حينما قررت الذهاب في رحلة تعرف، واستكشاف لمحافظات الساحل، وريف محافظة حماة. كان هدفي التجول في أجزاء من سوريا لم يسبق لي أن قصدتها من قبل. قررت السفر من دون برنامج محدد، وطالما أنها الرحلة الأولى، فكل الأماكن ستكون جديدة علي، ومهمة بالنسبة لي، فسوريا بلد متنوع جغرافيا وبشريا، وثرية على مستوى التراث الإنساني التاريخي، وتمتاز بأنها مركز حضري منذ ما قبل الميلاد.


سرنا، الصديق الكاتب والخبير الاقتصادي سمير سعيفان وأنا، على خط التماس التاريخي بين الساحل والداخل السوري، واجتزنا مدن وقرى وبلدات على قدر كبير من الجمال الطبيعي، يحتفظ بعضها بقيمة تاريخية وثقافية لا تخص السوريين فقط، بل البشرية، لأنها حصيلة حضارات متعاقبة مرت، منذ فترة ما قبل الميلاد، معروفة بالإرث القديم من عصور البرونز حتى العهد العثماني. زرنا مدن الساحل السوري، التي لا تزال تحتفظ بمرافئ تاريخية وقلاع إسلامية وصليبية، ومن بين المحطات المهمة مدينة أوغاريت التي ظهرت في طريقنا، قائمة فوق تل مرتفع عن الجوار السكاني الملاصق لها، ولا يفصلها عنه سوى درب ضيق يسمح بمرور السيارات.


كانت زيارة هذا المكان بمثابة كمين ثقافي نصبه لنا الشاعر منذر المصري، ابن مدينة اللاذقية التي تجمع بين التقاليد والثقافتين، الساحلية المتوسطية والجبلية. نحن شركاء الزيارة، صديقه اللاذقاني الآخر مصطفى عنتابللي، وسمير سعيفان، وأنا. ومن دون تخطيط مسبق وجدنا أنفسنا نصعد درجا نحو رأس التل، إلى مكتب صغير يجلس فيه موظف رسمي، يبيع تذاكر الدخول إلى هذا العالم الذي يمكن وصفه بالغرائبي جدا. لا أحد يمكن أن يصدق أن هذه المدينة الأثرية الكبيرة هي التي أهدت البشرية أبجدية رأس شمرا صاحبة الفضل في المساعدة كثيرا في فهم تاريخ اللغات السامية، وديانات مجتمعات شرق المتوسط قبل أكثر من ثلاثة آلاف سنة، وحينما تم كشفها في عشرينيات القرن العشرين، فإن أشهر ما عُثر عليه أساطير الإله بعل، نصوص دينية، عقود تجارية، مراسلات دبلوماسية.
 

هناك إجماع لدى الباحثين بتاريخ اللغات على أن رأس شمرا هي مهد إحدى أقدم الأبجديات في العالم، وأنها كانت خطوة أساسية في الانتقال من أنظمة الكتابة المعقدة إلى الأبجديات التي يستخدمها معظم البشر اليوم. ويُصاب الزائر بالصدمة حينما يجد أن المنطقة متروكة وكأنها قطعة من الخلاء نمت فيها الأعشاب البرية إلى حد يصعب السير في طرقاتها، ويبدو ظاهرا للعيان أنها لم تخضع لصيانة واهتمام يرقيان إلى قيمتها ككنز تاريخي معرفي.


من الساحل إلى ريف حماة، الذي يشكل نقطة التقاء بوادي العاصي ومنطقة الغاب ذات التاريخ الطويل من التفاعل بين البيئة والزراعة والتمدن البشري، ومن ثم البادية. يحتاج الزائر إلى وقت طويل كي يتعرف على التراث الثقافي الأثري لهذه المنطقة. ومن بين معالمها مدينة وقلعة آفاميا، التي يعدها المؤرخون إحدى أهم وأعظم المدن الهلنستية والرومانية في الشرق، وقلعة مصياف، المرتبطة بتاريخ الإسماعيليين، ونواعير حماة، وهي من أبرز رموز التراث المائي في العالم، ذلك أن رفع المياه من نهر العاصي، ليصب في قنوات تروي أراضي المنطقة، وتزويد المساجد والحمامات والبيوت، يعود إلى العصر الروماني، أو البيزنطي. 

وتفيد الدراسات أنه عُثر في مدينة أفاميا على فسيفساء من القرن الخامس الميلادي تُظهر ناعورة تشبه إلى حد كبير نواعير حماة الحالية، التي يعتقد المؤرخون أنها تعود للعصرين الأيوبي والمملوكي ومن أشهرها ناعورة المحمدية، التي تحمل نقشا يؤرخها إلى سنة 1361م، وناعورة المأمورية، التي تعود إلى سنة 1453م تقريبًا، ولذلك فإن عمر بعض النواعير القائمة يتجاوز 650 عامًا. وهي تظل تشكل جانبا أساسيا من هوية المدينة التي تحمل اسم “أم النواعير”، وذلك شهادة على الاختراع الفريد لاستغلال مياه نهر العاصي، وإنشاء نظام ري يناسب البيئة المحلية. وغير بعيد عنها في منطقة الكيلانية التي تعرضت للتدمير على يد قوات حافظ الأسد عام 1982، يقع جامع النوري الذي بناه القائد الأيوبي نور الدين الزنكي (1118-1174).


آفاميا درة المنطقة بلا منازع، وهي جزء من تاريخ سوريا الباقي بقوة اليوم، وحاضر في ريف حماة والساحل، وتنقسم الى قسمين. القلعة العسكرية من جهة، والمدينة من الجهة الأخرى، ومن المعروف أن من بناها هو الإمبراطور سلوقس نيكاتور، وأطلق عليها اسم زوجته الفارسية “أباما”. وأصبحت واحدة من المدن الأربع الكبرى في سوريا السلوقية، إلى جانب أنطاكية التي أعطاها اسم والده أنطيوخوس، وسلوقية بيريا التي حملت اسمه، وتعني مدينة سلوقس في بيريا، وهي تقع بالقرب من أنطاكيا، واللاذقية القديمة التي أسماها على اسم والدته لاوديكي. وقد عُرفت بـ “المدن السورية الأربع” أو التترابوليس السلوقية (المدن السلوقية الأربع) التي قامت على قاعدة عائلية، الأب، الأم، الزوجة، المؤسس.


هذه المنطقة ذات موقع متميز منذ القدم، ومع الإمبراطورية السلوقية قامت على رقعة جغرافية واسعة، من المتوسط إلى حدود الهند، سوريا مركزها، والساحل السوري القلب السياسي والاقتصادي. وأصبحت أنطاكية، العاصمة السياسية، وسلوقية الميناء البحري، وآفاميا القاعدة العسكرية والداخلية، واللاذقية المركز التجاري البحري الجنوبي.


المفارقة الغريبة، بعد كل ذلك المجد باتت قلعة آفاميا مسكونة من عائلات ينسب البعض أصولها إلى الأيوبيين، بينما أصبحت المدينة مهجورة، لا يوجد حتى حارس يتولى حماية آثارها من الحفريات العشوائية الواضحة في داخلها كدليل على أنها تعرضت لاستباحة من لصوص الآثار في فترة النظام السابق. ويقول أحد رعاة الأغنام أن السرقات مستمرة حتى الآن، وفي وسع أي شخص أن يأتي بشاحنة ويحمل ما يشاء من أعمدة القلعة التي تضم أطول شارع للأعمدة الأثرية في العالم بطول 2 كلم.


إهمال رسمي بلا حدود، مثال عن الثقافة السورية المتروكة، وللتراث الغني المهمل، ورأس المال الرمزي المفرط به من قبل حكام البلد السابقين، لأن الحاليين لم يستقروا في السلطة بعد. إن الأمر المفزع هو أن هذه البلاد الثرية متروكة في العراء، حتى أنه لم يتم استغلالها سياحيا. ولو بذلت الجهات الرسمية قليلا من الجهد، فإنه يمكن لآفاميا أن تتحول إلى معلم سياحي دولي مهم.


مدن تاريخية تعود إلى ما قبل الميلاد، ومساجد وكنائس وأديرة، وشواهد على حضارات عاشت على أرض سوريا، وفي أغلب الأماكن ليس هناك حتى كاتلوغ تعريفي، وينسحب ذلك على موقع ويكيبيديا، حيث لا يتجاوز تقديم “رأس شمرا هذه النبذة المختصرة جدا “هو الاسم الحالي للتل الأثري الذي كشفت فيه أنقاض مملكة أوغاريت ، يقع على بعد 12 كم إلى الشمال من مدينة اللاذقية على ساحل البحر الأبيض المتوسط”.


غنى سوريا الأثري يطرح مسألة وضع آلية عاجلة للحفاظ عليه من النهب والتخريب والعوامل الطبيعية. وكون سوريا تحوز على أكثر من 3 آلاف موقع أثري مسجل رسميا، فإن ذلك يتطلب هيئة أو وزارة متخصصة مفصولة عن وزارة الثقافة.

المصدر المدن

اترك رد

عاجل