غزة بعد السابع من أكتوبر.. دمار إسرائيلي واسع ولا نصر واضح

سمر بدر7 يوليو 2026آخر تحديث :
غزة بعد السابع من أكتوبر.. دمار إسرائيلي واسع ولا نصر واضح

لم تنتهِ حرب غزة عند حدود وقف إطلاق النار أو تراجع أصوات القصف، ما بدأ في السابع من تشرين الأول/أكتوبر تحوّل إلى واحدة من أكثر الحروب قسوة في تاريخ الفلسطينيين الحديث، ليس فقط بسبب حجم الدمار والضحايا، بل لأنها كشفت مجدداً أن إسرائيل، بكل قوتها العسكرية ودعمها الدولي، لا تستطيع صناعة أمن دائم فوق ركام المدن وجثث المدنيين.

منذ الأيام الأولى للحرب، حاولت إسرائيل تقديم عدوانها على غزة باعتباره معركة أمنية محدودة ضد حماس، لكن الوقائع على الأرض قالت شيئاً آخر، أحياء كاملة مُسحت، مستشفيات خرجت عن الخدمة، مدارس تحولت إلى ملاجئ ثم إلى أهداف، ومئات آلاف الفلسطينيين وجدوا أنفسهم في نزوح متكرر داخل قطاع صغير ومحاصر، لذلك، لا يمكن قراءة الحرب كصراع متكافئ بين طرفين؛ فهناك قوة احتلال تمتلك جيشاً وطيراناً ودعماً أميركياً واسعاً، وهناك شعب محاصر يدفع الثمن الأكبر منذ عقود.

إسرائيل أضعفت حماس عسكرياً، هذا صحيح، ضربت أنفاقاً، اغتالت قيادات، وفرضت حضوراً عسكرياً واسعاً داخل أجزاء كبيرة من القطاع، لكنها رغم كل ذلك، لم تحقق نصراً سياسياً كاملاً، لم تستطع إنهاء حماس من المعادلة، ولم تنجح في تحويل قوتها النارية إلى حل مستقر، وما تقوله رويترز في تقاريرها الأخيرة عن استمرار عقدة نزع سلاح حماس، وبقاء الحركة مؤثرة رغم إعلانها حل حكومتها في غزة، يؤكد أن إسرائيل وصلت إلى حدود القوة العسكرية من دون أن تصل إلى نهاية سياسية واضحة.

أما حماس، فقد خرجت من الحرب مثقلة بخسائر كبيرة، لكنها لم تخرج من المشهد، الحركة لم تعد قادرة على إدارة غزة بالشكل القديم، والحديث عن لجنة تكنوقراط أو إدارة مدنية جديدة يعني أن مرحلة ما قبل الحرب انتهت فعلياً، لكن هذا لا يعني أن إسرائيل انتصرت، فحماس، كجزء من واقع فلسطيني نشأ تحت الاحتلال والحصار، لا يمكن اختزالها في معادلة عسكرية فقط، حتى حين تتعرض الحركة لضربات قاسية، تبقى القضية التي تقف خلفها أكبر من التنظيم نفسه: شعب تحت احتلال طويل، يبحث عن حقه في الحياة والحرية والكرامة.

وهنا تحديداً تظهر المشكلة التي تحاول إسرائيل الهروب منها، تستطيع أن تهدم غزة، لكنها لا تستطيع إلغاء السؤال الفلسطيني، تستطيع أن تقتل وتلاحق وتدمر، لكنها لا تستطيع أن تقنع العالم بأن الأمن يولد من الحصار والتجويع والتهجير، ولهذا، بدت إسرائيل بعد الحرب أقوى عسكرياً، لكنها أضعف أخلاقياً وسياسياً أمام جزء واسع من الرأي العام العالمي.

بحسب تقديرات دولية صادرة عن البنك الدولي والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة، فإن كلفة إعادة إعمار غزة تحتاج عشرات المليارات من الدولارات وسنوات طويلة من العمل، هذه ليست أرقاماً اقتصادية فقط، بل وصف لحياة جرى سحقها: بيوت، مدارس، عيادات، شبكات مياه، طرق، أرزاق، وذاكرة كاملة لمدينة فقدت ملامحها تحت القصف.

السلاح يبقى العقدة الأخطر في اليوم التالي، إسرائيل والولايات المتحدة تضغطان باتجاه نزع سلاح حماس والفصائل، أو وضعه ضمن ترتيبات أمنية صارمة. في المقابل، ترفض حماس تسليم سلاحها من دون ضمانات جدية بانسحاب إسرائيلي، ووقف الاعتداءات، وفتح مسار سياسي حقيقي، وهنا لا تبدو المسألة تقنية أو أمنية فقط، بل سياسية بامتياز: كيف يُطلب من الفلسطيني أن يسلم آخر أوراق القوة، بينما الاحتلال ما زال قائماً، والضمانات غائبة، والتجربة مع إسرائيل مليئة بالنقض والمماطلة؟

الولايات المتحدة لعبت الدور الأكبر في حماية إسرائيل طوال الحرب، واشنطن وفرت الغطاء العسكري والسياسي، وقدمت دعماً ضخماً، ووقفت في محطات كثيرة حاجزاً أمام ضغط دولي أكبر، لكنها في الوقت نفسه وجدت نفسها لاحقاً أمام أزمة لا يمكن إدارتها بالقوة وحدها، فكلما اتسع الدمار، زادت صعوبة تلميع صورة إسرائيل، وزاد الضغط على الإدارة الأميركية للبحث عن صيغة “اليوم التالي” في غزة.

الدور الأميركي الآن لا يقتصر على دعم إسرائيل، بل يتجه إلى رسم شكل التسوية المقبلة: إدارة مدنية جديدة، إعادة إعمار مشروطة، ترتيبات أمنية، ومحاولة منع عودة حماس إلى الحكم بالشكل السابق. لكن أي خطة لا تبدأ من وقف العدوان، ورفع الحصار، وضمان حقوق الفلسطينيين، ستبقى خطة ناقصة، لأنها تتعامل مع النتيجة وتتجاهل السبب.

لبنان دخل هو الآخر في قلب التداعيات، فحرب غزة أعادت فتح جبهة الجنوب، ودفعت حزب الله وإسرائيل إلى مواجهة طويلة وضعت البلد كله أمام خطر حرب أوسع، ومع كل تصعيد، عاد سؤال السلاح إلى الواجهة: هل يمكن للدولة اللبنانية أن تستعيد قرار الحرب والسلم؟ وهل يمكن لحزب الله أن يتخلى عن سلاحه في ظل استمرار الاعتداءات الإسرائيلية؟ السؤال ليس بسيطاً، لأن إسرائيل تستخدم عنوان “الأمن” لتبرير ضرباتها، بينما يرى الحزب أن سلاحه جزء من الردع في وجه عدو لم يتوقف يوماً عن انتهاك السيادة اللبنانية.

أما سوريا، فليست بعيدة عن هذه الخريطة، التغيير السياسي في دمشق وتراجع هامش الحركة الإيرانية هناك أثّرا على خطوط النفوذ القديمة في المنطقة. رويترز نقلت سابقاً عن أمين عام حزب الله نعيم قاسم أن الحزب فقد في تلك المرحلة، طريق إمداد عسكري عبر سوريا بعد سقوط نظام بشار الأسد، هذا التطور لا يعني نهاية نفوذ إيران أو حزب الله، لكنه يعني أن الطريق الذي كان مفتوحاً لسنوات لم يعد بالسهولة نفسها.

إيران بدورها لم تخرج من المشهد، لكنها لم تعد تتحرك في البيئة الإقليمية ذاتها، خسرت هوامش في سوريا، وتعرض حلفاؤها لضغط كبير في لبنان وغزة، وواجهت تصعيداً إسرائيلياً وأميركياً متكرراً، ومع ذلك، لا تزال طهران تملك أوراقاً في أكثر من ساحة، من لبنان إلى العراق واليمن، ما يعني أن الحديث عن “نهاية المحور” مبالغ فيه، الأدق أن المنطقة دخلت مرحلة إعادة تموضع، لا مرحلة حسم نهائي.

السؤال الحقيقي اليوم ليس: من انتصر؟ لأن الإجابة القاسية أن غزة خسرت أكثر مما يحتمل أي شعب، السؤال الأهم: هل نجحت إسرائيل في فرض واقع دائم؟ حتى الآن، لا. هي دمّرت، قتلت، هجّرت، وأضعفت حماس، لكنها لم تحصل على أمن نهائي، ولم تستطع إنهاء القضية الفلسطينية، ولم تُخرج المقاومة من الوعي الفلسطيني أو العربي.

وفي المقابل، لا تستطيع حماس أن تعود إلى ما كانت عليه قبل الحرب، هناك واقع جديد، وضغط دولي، وخراب هائل، وسكان يحتاجون إلى حياة قبل أي خطاب سياسي، وهذا يضع الحركة، وكل الفصائل الفلسطينية، أمام سؤال صعب: كيف يمكن الحفاظ على حق المقاومة من دون ترك غزة وحدها تدفع الثمن في كل مرة؟

المرحلة المقبلة تبدو أقرب إلى هدنة طويلة لا إلى سلام حقيقي، قد تظهر إدارة مدنية جديدة، وقد يبدأ إعمار محدود، وقد تبقى مسألة السلاح مؤجلة أو خاضعة لتفاوض طويل، لكن ما لم يتغير أصل المشكلة، أي الاحتلال والحصار وغياب الحقوق الفلسطينية، فإن أي ترتيب سيبقى هشاً، قابلاً للانفجار عند أول منعطف.

في النهاية، لم تمنح حرب غزة إسرائيل نصراً صافياً، رغم كل ما ارتكبته من دمار واسع وقتل وتهجير، أضعفت حماس، لكنها لم تنهها، ضربت غزة، لكنها لم تكسر معنى فلسطين، أما القطاع، فبقي شاهداً على حقيقة لا يمكن دفنها تحت الركام: أن الاحتلال، مهما امتلك من قوة، لا يستطيع صناعة أمن دائم، ولا يمكن لأي تسوية أن تنجح ما لم تبدأ من حق الفلسطينيين في الحياة والحرية والكرامة.

اترك رد

عاجل