
سمربدر– حرية برس:
أثار إدراج اسم الفنانة السورية روزينا عامر اللاذقاني ضمن قائمة الرئيس أحمد الشرع للثلث المكمّل من أعضاء مجلس الشعب، اليوم الأربعاء، موجة واسعة من الجدل على مواقع التواصل الاجتماعي، لم تقف عند حدود الخبر الرسمي، بل فتحت نقاشًا أوسع عن علاقة الفن بالسلطة في سوريا الجديدة، وعن موقع الفنان السوري بعد سقوط نظام الأسد، بين من يراه صاحب رسالة عامة، ومن يراه مجرد وجه مشهور لا ينبغي تحميله أكثر مما يحتمل.
وجاء اسم اللاذقاني ضمن قائمة تضم 70 عضوًا عيّنهم الرئيس الشرع لاستكمال مجلس الشعب المؤلف من 210 أعضاء، بعد اختيار ثلثي المجلس عبر الهيئات الناخبة في وقت سابق. ووفق ما أعلنته الجهات الرسمية، تضم القائمة شخصيات من خلفيات أكاديمية واجتماعية ومهنية متعددة، بينها 15 امرأة، على أن يعقد المجلس جلسته الأولى في 6 تموز/يوليو الجاري لأداء القسم وانتخاب مكتبه الرئاسي.
لكن اسم روزينا اللاذقاني كان كافيًا ليخطف جزءًا كبيرًا من النقاش العام. فبينما تعامل بعض المتابعين مع الخبر بروح ساخرة، مركزين على شهرتها وجمالها وحضورها الدرامي، رأى آخرون أن النقاش يجب أن ينتقل من شكل الفنانة إلى كفاءتها ودورها وقدرتها على تمثيل الناس داخل مؤسسة يفترض أنها تشريعية ورقابية، لا منصة للنجومية أو العلاقات العامة.
السؤال الحقيقي الذي فجّره هذا التعيين لم يكن: “لماذا روزينا؟” فقط، بل: ماذا يعني أن تدخل فنانة شابة إلى مجلس الشعب في مرحلة انتقالية شديدة الحساسية؟ وهل هو مؤشر على انفتاح سياسي واجتماعي تجاه الفن والدراما، أم مجرد اختيار رمزي يجمّل صورة المجلس من دون أن يغيّر في عمق العلاقة بين السلطة والثقافة؟
في سوريا، لم يكن دخول الفنانين إلى البرلمان أمرًا جديدًا. ففي عهد الأسد، عرف مجلس الشعب حضورًا أو ترشحًا لشخصيات من الوسط الفني والثقافي، مثل صباح فخري الذي انتُخب عضوًا في مجلس الشعب عام 1998، وزهير رمضان الذي أصبح عضوًا في المجلس عام 2016، إضافة إلى أسماء فنية ظهرت في سياق انتخابات تلك المرحلة، مثل نجدت أنزور وعارف الطويل وتوفيق إسكندر. كما شغل نقيب الفنانين السابق محسن غازي عضوية المجلس لدورتين، قبل أن يعلن لاحقًا ترشحه لدورة ثالثة.
غير أن الفارق اليوم لا يكمن في أن فنانًا أو فنانة دخلت البرلمان، بل في أن السوريين خرجوا من تجربة طويلة جعلت العلاقة بين الشهرة والموقف الأخلاقي موضع مساءلة قاسية. فالسنوات الماضية كشفت أن الموهبة لا تكفي وحدها لصناعة موقف، وأن حب الجمهور لممثل بارع لا يعني بالضرورة أنه يقف إلى جانب الحق أو الضحية أو الحرية.
سقطت في الوعي السوري أسماء كثيرة لا لأنها فشلت فنيًا، بل لأنها فشلت أخلاقيًا في لحظة الدم. بعض الفنانين اصطفوا بوضوح إلى جانب النظام السابق، وبعضهم دافع عنه حتى بعد سقوطه، وبعضهم اختار الصمت حين كان الصمت نفسه موقفًا، وبعضهم قال لاحقًا إنه كان خائفًا أو مجبرًا أو عاجزًا. وفي المقابل، كان هناك فنانون اختاروا دفع الثمن مبكرًا، مثل مكسيم خليل وآخرين ممن دعموا الثورة في سنوات كان كثيرون يظنون فيها أن الأمل انتهى.
ومن هنا تعود سلاف فواخرجي كمثال صارخ في النقاش العام، ليس لأنها ممثلة عادية، بل لأنها نجمة أحبها جمهور واسع قبل أن تصدم قطاعات كبيرة من السوريين بمواقفها الداعمة للأسد، النظام الذي ارتبط اسمه في ذاكرة السوريين بالقتل والاعتقال والتهجير والدمار. لقد علّمت التجربة السوريين درسًا قاسيًا: أن التصفيق لممثل على الشاشة لا يجب أن يتحول إلى تفويض أخلاقي خارجها.
لكن نقد تواطؤ بعض الفنانين مع الاستبداد لا يعني إدانة الفن نفسه. فالدراما السورية، رغم كل ما أصابها من تراجع وتسييس وتسطيح خلال سنوات الحرب، بقيت واحدة من أهم أدوات الذاكرة السورية. المشكلة لم تكن يومًا في الفن، بل في تحويله إلى بوق، وفي تحويل الفنان إلى موظف لدى السلطة، وفي تحويل النقابة والمؤسسات الثقافية إلى أدوات فرز وولاء وعقاب.
اليوم، يطرح تعيين روزينا اللاذقاني سؤالًا معاكسًا: هل يمكن أن تكون هذه الخطوة إشارة إلى أن الفن ليس ترفًا ولا عيبًا ولا تهديدًا للأخلاق العامة؟ وهل يمكن أن تفتح الباب أمام إعادة اعتبار للفنان السوري، لا بوصفه “مهرج سلطة” ولا “زينة سياسية”، بل مواطنًا وصاحب رأي وحضور عام؟
هذا السؤال يصبح أكثر حساسية لأن الرئيس أحمد الشرع يأتي من بيئة سياسية يصفها خصومها أو المتخوفون منها بأنها محافظة ومتشددة. لذلك، فإن أي إشارة من السلطة الجديدة تجاه الفن ستُقرأ بأكثر من معنى: هل هي محاولة لطمأنة الوسط الثقافي؟ هل هي رسالة إلى الداخل والخارج بأن سوريا الجديدة لن تحارب الفن باسم الدين؟ أم أنها مجرد خطوة شكلية لن تمنع لاحقًا عودة الرقابة والقمع بحجة الفضيلة وحماية المجتمع؟
الخوف هنا مشروع. فالسوريون لم يخرجوا من استبداد الأسد كي يدخلوا في استبداد آخر، ولو ارتدى ثوب الدين أو الأخلاق أو “حماية القيم”. كما أن رفض الانحلال أو الأعمال الخادشة أو الإسفاف لا يجب أن يتحول إلى ذريعة لتكميم الفن، ولا إلى سلطة وصاية تقرر للناس ماذا يشاهدون وماذا يحبون وماذا يبدعون.
المجتمع السوري يحتاج فنًا يحترمه، لا فنًا يستخف به. يحتاج دراما تعكس أوجاعه وتحولاته وذاكرته، لا أعمالًا مفرغة أو مبتذلة أو منفصلة عن واقعه. لكنه في الوقت نفسه يحتاج حرية إبداع لا تخاف من الرقيب، ولا من رجل الأمن، ولا من رجل الدين حين يتحول إلى سلطة سياسية.
لذلك، فإن وجود فنانة في مجلس الشعب لن يكون مهمًا بحد ذاته، إلا إذا تُرجم إلى موقف عملي: الدفاع عن حرية التعبير، حماية الفنانين من الانتقام والتخوين، إعادة بناء نقابة مستقلة، فتح الباب أمام عودة المبدعين السوريين المنفيين، ومحاسبة من حوّل الفن إلى دعاية للاستبداد من دون فتح باب الثأر العشوائي أو تصفية الحسابات.
روزينا اللاذقاني اليوم ليست فقط اسمًا في قائمة. هي اختبار صغير لصورة أكبر: هل ستتعامل سوريا الجديدة مع الفن كمساحة حياة؟ أم كديكور سياسي؟ وهل سيبقى الفنان السوري محكومًا بين سلطتين: سلطة الاستبداد القديم التي أرادته مطبلًا، وسلطة اجتماعية جديدة قد تريده صامتًا ومهذبًا وخائفًا؟
المعيار ليس الجمال، ولا الشهرة، ولا عدد المتابعين. المعيار هو ماذا ستفعل روزينا وغيرها تحت قبة المجلس. هل ستكون صوتًا حقيقيًا للفن والنساء والشباب والضحايا؟ أم مجرد وجه معروف في صورة رسمية؟
في النهاية، لا يحق لأحد أن يمنع الفنان من السياسة، كما لا يحق للفنان أن يطلب من الناس إعفاءه من الحساب لأنه مشهور. الفن لا يمنح صاحبه براءة أخلاقية، والسياسة لا تمنحه حصانة من النقد. وبين الشاشة والبرلمان، سيبقى السؤال السوري الأهم: مع من يقف المشهور حين تسقط الأقنعة؟








