
لا يمكن الحديث عن سوريا بعد التحرير من دون التوقف عند موقع المرأة فيها، فالمرأة السورية لم تكن يوما على هامش الأحداث بل كانت في قلب الأحداث وحملت أعباء النزوح، وعاشت الفقدان والاعتقال، وتولت في كثير من البيوت مسؤوليات الأب أو الأخ أو الزوج الغائب. لذلك، من الطبيعي أن يكون لها اليوم حضور حقيقي في رسم مستقبل البلاد، لا مجرد حضور رمزي وهمي
تمثيل محدود لا يكفي
منذ العام و النصف لاستلام حكومة الشرع البلاد أثار التمثيل النسائي في الحكومة الانتقالية تساؤلات كثيرة، بعدما اقتصر على عدد محدود جدا من النساء ورغم أهمية أي خطوة في هذا الاتجاه إلا أنها تبقى غير كافية إذا لم تُترجم إلى مشاركة فعلية في صنع القرار. فبعد سنوات الحرب والقمع، لم تعد المرأة السورية تطالب بأن تُذكر في الخطابات، بل بأن تكون جزءا من المؤسسات التي تصنع السياسات وتدير المرحلة المقبلة ويكون لها دور فعال في بناء و شكل سوريا الجديدة .
بين قلق الداخل وترقب الخارج
لا تزال كثير من السوريات، إلى جانب منظمات ودول تتابع الملف السوري، وتنظر بحذر إلى توجهات الحكومة الجديدة. وهذا القلق لا يرتبط بالأسماء بقدر ما يرتبط بالسياسات المنتظرة، خصوصًا في ما يتعلق بالحريات العامة وحقوق المرأة.
كما أن بعض الخطابات التي تدعو إلى فرض أنماط محددة على النساء، ولا سيما داخل الجامعات والمؤسسات العامة، تزيد من هذه المخاوف. فالسوريات لم يخرجن من تجربة قاسية مع الاستبداد حتى يجدن أنفسهن أمام وصاية جديدة، مهما كان عنوانها.
سوريا أكبر من هذا الاستقطاب
المجتمع السوري، رغم طابعه المحافظ، ليس مجتمعًا متطرفًا، كما أنه ليس مجتمعًا منسلخًا عن قيمه. لقد عرفت سوريا عبر تاريخها تنوعًا دينيًا وثقافيًا واجتماعيًا، وهذا التنوع كان دائمًا جزءًا من هويتها. لذلك، فإن اختزال السوريات بين نموذجين متناقضين؛ نظام رفع شعارات التحرر وهو يمارس القمع، أو خطاب متشدد يريد تقييد النساء باسم الأخلاق، لا يعكس أي حقيقة للبلاد.
المرأة شريكة في بناء المستقبل
خلال سنوات الحرب، لم تكن المرأة السورية مجرد شاهدة على المأساة، بل كانت واحدة من أكثر من تحمل تبعاتها على كل الاصعدة . فقدت أفرادا من عائلتها، وتحملت مسؤولية إعالة أسرتها، وشاركت في التعليم والإغاثة والعمل المدني، وحافظت في كثير من الأحيان على تماسك الأسرة والمجتمع وسط الانهيار. و لذلك فإن أي مشروع وطني لا يترجم هذه التضحيات إلى مشاركة فعلية في الحياة العامة سيبقى مشروعا ناقصا يجب ان يُرى بعين الحذر.
واليوم، تواجه الحكومة الانتقالية اختباراً حقيقياً، فنجاحها لن يقاس بعدد التصريحات، بل بقدرتها على بناء دولة يشعر فيها جميع السوريين بأنهم متساوون في الحقوق والواجبات. كما أن حماية الحريات، ومنع أي شكل من أشكال الإقصاء أو الوصاية، ستكون من أهم معايير نجاح المرحلة المقبلة. فالعدالة لا تكتمل إذا كانت تُطبّق بمعيار على الرجال وآخر على النساء.
ختاماً، لا تحتاج سوريا الجديدة إلى استخدام المرأة كشعار سياسي أو ورقة تلوح بها بين الفينة و الاخرى.. كما لا تحتاج إلى إقصائها عن الحياة العامة… ما تحتاجه حقا هو دولة قانون، ترى المرأة مواطنة كاملة الحقوق، وشريكة في القرار كما كانت شريكة في تحمل أعباء الحرب.
فالسوريون لم يقدموا كل تلك التضحيات ليستبدلوا شكلًا من أشكال القمع بآخر، بل من أجل دولة تحترم الإنسان، وتصون الحريات، وتمنح الجميع فرصة متساوية للمشاركة في بناء المستقبل.








