

يُخشى أن تُقرأ محاكمة وسيم الأسد أمام محكمة الجنايات الرابعة في دمشق، أولًا، من زاوية ثقلها السياسي والرمزي، قبل النظر إليها من زاوية بنيتها القانونية. فاسم عائلة المتهم، والصلات المزعومة بالعميد غياث دلة والفرقة الرابعة، والتهم التي تليت في الجلسة الأولى، والتي تراوحت بين التحريض والقتل والاتجار بالمخدرات والابتزاز، تتضافر لإنتاج قضية قد يطغى فيها ثقل يهدد فيها بروز الاسم بأن يطغى على انضباط القانون.
والسؤال هو ما إذا كان القضاء السوري قادرًا على تحويل إجراء مشحون سياسيًا إلى مسار منظّم للمساءلة الفردية، تحكمه الشرعية وضمانات المحاكمة العادلة. وعلى هذا التحويل، لا على جسامة لائحة الاتهام، ستقوم القضية أو تسقط.
المسألة الأولى هي المسؤولية الجنائية الفردية. إذ لا يقاس نجاح العدالة الانتقالية بالثقل الرمزي للمتهم أو باتساع لائحة الاتهام وحده. إنَّما يقاس بقدرة المحكمة على إثبات الدور، والعلم، والقصد، والصلة بين الإسهام والنتيجة، بالنسبة إلى كل فعل على حدة. والدفاع الأولي استنادًا إلى الجلسة الأولى يشير إلى أنَّ المتهم قد أنكر تشكيل المجموعات، وذكر أنَّ دوره اقتصر على أنه حلقة وصل بين غياث دلة وأشخاص تولوا تشكيل مجموعات مسلحة. فإذا لم تستطع النيابة الانتقال إلى ما يتجاوز صورة إثباتية تقوم على المعرفة أو الوساطة، فستجد القضية صعوبة في إسناد مسؤولية واسعة. أما إذا استطاعت إثبات التمويل، أو التسليح، أو التنسيق، أو التيسير مع العلم لغرض إجرامي، فإنَّ نظرية قانونية معقولة للمسؤولية تصبح متاحة، سواء بموجب أنماط المساهمة المطبقة في القانون الداخلي، أو، حيثما أمكن تأسيس ذلك على نحو سليم، بالإحالة إلى مفاهيم القانون الجنائي الدولي مثل المساعدة والتحريض.
الخطاب العام في سياقات العنف المنظم قد يرقى إلى سلوك جنائي حين يعبّئ الجناة، أو يجرّد جماعة مدنية من حمايتها، أو يفضي مباشرة إلى إلحاق الضرر.
المسألة الثانية هي الأساس القانوني للتهم. فالقانون الجنائي السوري لا يقنّن بعد، جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية والإبادة الجماعية بوصفها جرائم مستقلة ذات أركان وأنماط مسؤولية محددة. ومن شأن الإدانة المباشرة تحت هذه العناوين، من دون تحديد مصدر التجريم، وأركان الجريمة، والعنصر المعنوي، أن تعرّض الحكم للطعن استنادًا إلى مبدأ الشرعية. والمسار القانوني الأسلم هو الإدانة بالجرائم الوطنية المحددة التي يثبتها الدليل، مع استخدام القانون الجنائي الدولي إطارًا سياقيًا وتفسيريًا، ما لم تحدد المحكمة أساسًا داخليًا أو عرفيًا صالحًا للإدانة المباشرة.
ويمثل الاستخدام السليم للصكوك الدولية شاغلًا ذا صلة. فقد وقّعت سوريا على نظام روما الأساسي، لكنَّها لم تصدّق عليه. ويمكن للنظام الأساسي أن يكون مرجعًا مهمًا في تعريف أركان الجرائم الدولية وتفسيرها، لكنَّه لا يعمل كأداة جنائية داخلية مباشرة. أما مبدأ التكامل، الذي كثيرًا ما يُستحضر في الخطاب الانتقالي، فينظم العلاقة بين المحكمة الجنائية الدولية والمحاكم الوطنية؛ ولا يمنح، بذاته، اختصاصًا لمحكمة وطنية لا تملكه أصلًا بموجب القانون الداخلي. وإذا كانت الأفعال المزعومة مرتبطة بنزاع مسلح غير دولي في الغوطة الشرقية والمليحة، فإنَّ المرتكز الفقهي الأدق يكمن في المادة 3 المشتركة من اتفاقيات جنيف، المتعلقة بالأشخاص الذين لا يشتركون
مباشرة في الأعمال العدائية، إلى جانب القانون الدولي الإنساني العرفي، بما في ذلك مبدأ التمييز بين المدنيين والمقاتلين. فالإحالات العامة إلى اتفاقيات جنيف، من دون تحديد طبيعة النزاع والقاعدة الواجبة التطبيق، تضعف البناء القانوني بدلًا من أن تقويه.
ويتطلب التحريض انضباطًا مماثلًا. فالخطاب العام في سياقات العنف المنظم قد يرقى إلى سلوك جنائي حين يعبّئ الجناة، أو يجرّد جماعة مدنية من حمايتها، أو يفضي مباشرة إلى إلحاق الضرر. لكنَّه لا يصبح جنائيًا لمجرد كونه عدائيًا أو منحازًا أو منفّرًا. وينبغي لفحص منظّم أن يتناول سلطة المتحدث، ومضمون الخطاب وشكله، ونطاق نشره، وقابلية جمهوره للتأثر به، وقربه الزمني والسببي من العنف. ومن دون هذا الفحص، تخاطر تهمة التحريض بأن تصبح وصفًا متبقيًا يُلصق بالموقع السياسي للمتهم لا بمساهمة جنائية محددة.
ولا ينبغي التعامل مع تهم الاتجار بالمخدرات والسطو والابتزاز بوصفها إضافات ثانوية إلى قضية تتعلق بالنزاع المسلح. فإذا ثبتت، فقد تكشف البنية المالية التي عملت من خلالها الميليشيات المرتبطة بالنظام السابق، وحافظت على استمرارها، وحوّلت الإكراه إلى ثروة. وإذا عوملت هذه الأدلة بوصفها جزءًا لا يتجزأ من نظرية المسؤولية، فإنَّ أدلة التمويل وتدفقات الأصول واقتصاد الحماية يمكن أن تعزز القضية فيما يتعلق بالسيطرة، وأن تفتح في الوقت نفسه مسارًا قانونيًا للمصادرة وجبر الضرر. أما إذا عوملت كبنود منفصلة أضيفت لزيادة الجسامة، فإنَّها قد تفتت القضية وتخاطر بإظهار لائحة اتهام محكومة بالانطباع من دون نظرية موحدة للمسؤولية.
المعيار هو الضرورة والتناسب: يجب أن تقتصر إجراءات الإغلاق على ما تقتضيه سلامة الشهود، وألا تمس حق الدفاع في المواجهة واستجواب الشهود، وألا تحرم الجمهور من حد أدنى من المعلومات الرسمية عن سير الإجراءات.
كما يثير سير الجلسة الأولى سؤالًا إجرائيًا تتوقف عليه المصداقية الانتقالية. فوقف البث المباشر لأسباب معلنة تتعلق بحماية الشهود ليس، في ذاته، غير مشروع أو غير مألوف في قضايا تنطوي على ميليشيات وابتزاز ونفوذ محلي. فالشفافية هي المبدأ، لكنَّها ليست مطلقة. والمعيار هو الضرورة والتناسب: يجب أن تقتصر إجراءات الإغلاق على ما تقتضيه سلامة الشهود، وألا تمس حق الدفاع في المواجهة واستجواب الشهود، وألا تحرم الجمهور من حد أدنى من المعلومات الرسمية عن سير الإجراءات.
لا يمكن استخلاص القيمة الانتقالية للقضية من بروز المتهم. فهي ستتوقف على ما إذا كانت المحكمة ستقاوم الطريق الأسهل المتمثل في مقاضاة اسم، وأن تنجز العمل الأصعب المتمثل في مقاضاة فعل، ودور، وقصد، ومساهمة، بموجب مصادر قانونية محددة بوضوح وضمن ضمانات المحاكمة العادلة. فالحكم الذي تستند قوته أساسًا إلى الخطابة سيكون أكثر عرضة للطعن والاستئناف. أما الحكم الذي تستند قوته إلى الربط الدقيق بين الوقائع والقانون، وإلى الفصل المنضبط بين الجرائم الوطنية والجرائم الدولية، فقد يساعد على كشف البنى غير الرسمية للعنف التي عمل حولها الجهاز الأمني السابق.





