

لا نعلم من هو السبّاق في صياغة عبارة: «قوة لبنان في ضعفه»؟ وهي العبارة التي تحوّلت بفعل الظروف والصراعات الإقليمية التي أحاطت بلبنان، والأزمات والانفجارات الداخلية التي استغرقت القسم الأكبر من تاريخه المعاصر، إلى مسلّمة من المسلّمات التي كرّرها السياسيون اللبنانيون كثيراً أثناء مختلف الأزمات، وذلك في محاولة الابتعاد عن الاصطفافات والاستقطابات الإقليمية.
بعضهم ينسب العبارة إلى مؤسس حزب الكتائب اللبناني بيار جميّل الجدّ؛ بينما ينسبها آخرون إلى رئيس وزراء لبنان السابق حسين العويني أو حتى بشارة الخوري، وربما غيرهم.
هذا في حين أنه كان، وما زال، من المفروض أن تكون قوة لبنان الفعلية في سيادته، وهي الغائبة منذ بدايات مرحلة التأسيس. فالتركيبة المجتمعية الداخلية اللبنانية، وغياب التوافق الداخلي، والأهمية الجيوسياسية لموقع لبنان، والصراع الإقليمي عليه، والاهتمام الدولي به؛ كل هذه العوامل وغيرها أدّت إلى تحوّل لبنان ساحة لتصفية الحسابات بين القوى الإقليمية المتنافسة، وميداناً لنشاطات أجهزة الاستخبارات الدولية؛ وحتى قاعدة لحركات ثوروية إشكالية كسبت قلوب الكثيرين، ولكنها أدّت إلى خلافات داخلية كبرى بين مختلف الأطراف اللبنانية التي لم تتمكن، في غياب الدولة القوية القادرة العادلة على طمأنة الجميع، من تجاوز حدود الإمارات الطائفية وتشعباتها.
فقد كان النهج المعهود للزعماء اللبنانيين هو الاستقواء بالقوى الإقليمية أو الدولية، وذلك في سبيل تعزيز التخندق، وتحصين الجبهات في مواجهة القوى اللبنانية الأخرى، التي من المفروض أنها شريكة في الوطن والمصير والسيادة المفقودة.
ومع التوقيع على اتفاق الطائف عام 1989 من قبل مختلف الأطراف اللبنانية التي كانت جزءا من الحرب الأهلية اللبنانية 1975-1990؛ كان الاعتقاد العام هو أن لبنان سيستعيد عافيته، ويمتلك سيادته. ولكن ذلك لم يتم، بل أصبح لبنان في أجواء حرب تحرير الكويت إلى جائزة ترضية لحافظ الأسد الذي أرسل وحدات سورية للمشاركة في الحرب المعنية بقيادة أمريكية مقابل إطلاق يده في لبنان. وكان ذلك بعد أدّى الأسد دوره في لبنان بالتوفق مع الأمريكان والإسرائيليين؛ واستفاد من عملية إخراج قوات منظمة التحرير الفلسطينية بقيادة ياسر عرفات من لبنان عام 1982 على إثر الاحتلال الإسرائيلي لبيروت.
ومنذ ذلك التاريخ بدأ اسم «حزب االله» يظهر على الساحة؛ وهو الحزب الذي تشكّل بفعل التنسيق والتعاون بين نظام حافظ الأسد ونظام الخميني الإيراني. وأصبح الحزب المعني مع الوقت جزءاً عضوياً أساسياً من المنظومة الأمنية التي شكّلها «الحرس الثوري» الإيراني في دول المنطقة، وبات لبنان ورقة تفاوضية بيد النظام الإيراني لانتزاع موافقات دولية تقرّ بدوره الإقليمي؛ وبات لبنان ساحة صراع وتبادل الرسائل بين إيران وإسرائيل، وهو الأمر الذي دفع اللبنانيون ضرائب باهظة مقابله، تمثّلت في الدمار والخراب والاغتيالات والتهجير، وهشاشة الدولة والمجتمع، وانهيار الاقتصاد.
واليوم، وفي أجواء التفاهمات الضبابية الأمريكية الإيرانية غير الشفّافة، هناك إصرار من الجانب الإيراني على عدم التخلّي عن ورقة «حزب الله»، وهذا ما تجلى من خلال الربط بين وقف إطلاق النار في منطقة الخليج ولبنان. وهو الأمر الذي يزعج إسرائيل كثيراً التي تراقب بقلق كبير ما يجري بناء على حسابات سياسية تخص نتنياهو وشركائه في الحكومة اليمينية المتطرفة التي تحكم إسرائيل حالياً، وبموجب حسابات وجودية تؤرق الإسرائيليين في الموالاة والمعارضة.
يعيش اللبنانيون والسوريون قلقاً مشروعاً بشأن ما ينتظرهم، خاصة بالتزامن مع التصريحات المتكررة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب الخاصة بشأن امكانية تكليف الرئيس السوري أحمد الشرع بملف «حزب الله»؛ لأنه سيتمكّن، بموجب ما يذهب إليه ترامب، من التعامل مع هذا الملف بصورة أفضل مما فعلته، وتفعله، إسرائيل في لبنان من قتل وتدمير وتهجير بحق المدنيين بحجة مكافحة «حزب الله».
وقد فُسّرت تصريحات ترامب من قبل معظم المحللين السياسيين، والمراقبين المتابعين لأوضاع المنطقة بأنها ربما كانت تلمح إلى تدخل عسكري سوري ضد «حزب الله» في لبنان؛ أو تمهّد له. بينما وجد آخرون في تلك التصريحات محاولة لممارسة صيغة من الضغط على المفاوضين الإيرانيين الذين يحاولون من جهتهم التمسّك بورقة «حزب الله»، بغية استخدامها ورقة تفاوضية لرفع السقف، وزيادة نسبة مكاسبهم من الصفقة بينهم وبين إدارة ترامب.
وكان الجميع في انتظار الموقف السوري الرسمي، وهو الموقف الذي أفصح عنه أحمد الشرع رئيس الإدارة السورية المؤقتة الانتقالية. فقد ذهب الرجل إلى حدّ إمكانية الجلوس مع «حزب الله» إذا كان ذلك يخدم مسألة الاستقرار والأمن في سوريا ولبنان. وهذا توجه مطلوب في المدى البعيد، وستكون نتائجه الواقعية، إذا ما تجاوزت طابعه التفاؤلي الرغبوي وطبقت على أرض الواقع، في مصلحة الشعبين السوري واللبناني.
ولكن السؤال المفصلي هنا هو: هل في مقدور «حزب الله» أن يتحرّر من التبعية العضوية للنظام الإيراني، ويتلبنن، إذا صح التعبير؟
أي هل سنشهد فكاً للارتباط العضوي الشمولي بين «حزب الله» والنظام الإيراني، لتصبح الأولويات اللبنانية هي المعيار والموجه في رسم سياسات هذا الحزب وتحديد مواقفه من مختلف المسائل، خاصة ما يتصل منها بشأن العلاقات بين الشعبين السوري واللبناني، وأهمية العمل من أجل أن تكون مصلحة الشعبين فوق جميع الاعتبارات الأخرى؟ وهذا يستوجب اقرار الحزب المعني بأخطائه في سوريا، ويعتذر عن الجرائم التي ارتكبها بحق السوريين لمصلحة سلطة آل الأسد وبناء على تعليمات وتوجيهات الراعي الإيراني الذي كان وما زال يتصرف مع «حزب الله» بوصفة امتداداً تنظيمياً يتبع بصورة مباشرة «الحرس الثوري» الإيراني؟
أما الاكتفاء بالتعبير عن الارتياح تجاه تصريحات الرئيس الشرع، فهو أمر لن يحل عقدة اللبنانيين الذي يعانون من هيمنة الحزب المقصود هنا، وتحوّله بوضعه القائم حالياً إلى عقبة كأداء أمام مشروع بناء الدولة اللبنانية الوطنية القوية صاحبة السيادة.
الظروف التي تمر بها المنطقة حالياً ربما تعد مثالية بالنسبة لـ«حزب الله»، إذا كانت لدى قياداته نية جدية لإجراء المراجعات الوطنية المطلوبة، واتخاذ خطوة الانفكاك العضوي عن النظام الإيراني. وهي خطوة ستكون في مصلحة استقرار لبنان وسوريا معاً؛ وستتفتح الآفاق أمام إمكانية ترميم النسيج المجتمعي الوطني اللبناني، وتعزيز تماسكه؛ وسيساهم ذلك في تعزيز قوة الدولة اللبنانية، وترسيخ سيادتها، لتتمكّن من مخاطبة القوى الإقليمية والدولية بوصفها الجهة الشرعية الرسمية المسؤولة عن مصير اللبنانيين، كل اللبنانيين من دون أي استثناء، ولمصلحة وطنهم بكامل ترابه.
الحوار السوري اللبناني المطلوب هو الذي يكون بين الدولتين السورية واللبنانية، على أن يكون «حزب الله» جزءاً سياسياً طبيعياً من الدولة اللبنانية يلتزم بما تقرره؛ لا قوة فوقها، تتحكّم بقراراتها السيادية، وتتحرّك بناء على الأوامر وضمن الاستراتيجيات الإيرانية.
ولكن إذا أصرّ «حزب الله» أن يظل في مساراته الحالية، وأراد استخدام الحوارات أو المفاوضات مع الحكومة السورية ورقة لإسباغ قسط يسير، ولو محدود جداً، من شرعية الأمر الواقع على دوره الحالي اللاشرعي لبنانياً؛ فهذا لن يكون في مصلحة اللبنانيين والسوريين على المستويين الشعبي والرسمي.
إذا استمر «حزب الله» في نهجه الحالي، والتزاماته الصارمة الدائمة تجاه النظام الإيراني، فمن الأفضل، إذا كانت هناك ضرورات وأولويات سورية لبنانية، أن يتم تفاوض مشترك لبناني سوري رسمي مع النظام الإيراني، وبحضور شهود وضامنين عرب وإقليميين ودوليين، وذلك ضمن إطار جهود الإعداد لمؤتمر إقليمي هدفه تحقيق الأمن والاستقرار في إقليمنا المضطرب.
أما مسألة سلاح «حزب الله» فهي تخص الدولة اللبنانية في المقام الأول باعتبارها المتضرر الأول من الاعتداءات الإسرائيلية. وهي الاعتداءات التي تستغلّ وجود ذلك السلاح للتدخل في شؤون لبنان الداخلية، واحتلال أراضيه، وتهجير شعبه. وتستطيع الدولة اللبنانية من موقعها الرسمي أن تطالب المجتمع الدولي والجامعة العربية بمساعدتها في موضوع تنظيم وضبط هذا السلاح، وذلك وفق ما يضمن سيادة الدولة اللبنانية ومصلحة الشعب اللبناني، ويساهم في إرساء أسس الأمن والاستقرار في المنطقة، وفي سوريا على وجد التحديد. والأمن السوري واللبناني صنوان بموجب وقائع التاريخ، والجغرافيا، والديموغرافيا، والمصالح الاقتصادية المشتركة.





