

تميل أدبيات التحول السياسي وإعادة بناء الدول تاريخياً إلى تركيز الجهود الانتقالية حول العواصم بصفتها مراكز الثقل السيادي والإداري، يستند هذا التوجه إلى فرضية منطقية تقول إن الدول الهشة تحتاج في مراحل الانتقال الأولى إلى مركز قرار موحد وقوي يمنع الفراغ السلطوي ويقلل فرص تفكك البلاد، ويُقلل إدارياً من تكاليف التنسيق بين أجهزة الحكم الناشئة.
وهي وجهة نظر تمتلك وجاهة واضحة في الحالة السورية، لكن الاستغراق الكامل في “مركزية العاصمة” يحمل مخاطر الغرق في هاجس تقوية المركز على حساب الحواضر الكبرى، مخلفاً فجوات تنموية قد تساعد على ظهور احتجاجات شعبية يغذيها الشعور بالغبن والتهميش وأطراف سياسية تستثمر فيها، بما يمكن أن يفضي إلى تعثر في مسار الانتقال نفسه.
سوريا تقليدياً تستند سياسياً واقتصادياً بين مركزين حضريين كبيرين: دمشق وحلب؛ لأن السياسات التي اتبعت في الأنظمة المتعاقبة حتى ما قبل الدولة الوطنية بمئات السنين جعلت جميع الحواضر أطرافاً مقارنة بهاتين الحاضرتين، بالإضافة إلى موقعهما الجغرافي وتركيبتهما السكانية التي فرضت نفسها كعوامل أساسية من بين عوامل أخرى.
الغرض من النقاش هنا هو التنويه إلى أن الاهتمام المنخفض بمدينة مثل حلب بما تعنيه لسوريا، لن يكون مجرد خيار تنموي خاطئ في مرحلة انتقالية، وإنما هو مخاطرة سياسية ذات تكلفة عالية قد تطال المسار الانتقالي برمته.
عانت حلب من إهمال شديد خلال العقود الماضية؛ في عهد حافظ الأسد واجهت المدينة سياسات عقابية مبطنة إثر تحولها في أواخر السبعينيات إلى أحد أهم مراكز المعارضة السياسية المدنية، ومعقلاً للصراع المسلح مع الإخوان المسلمين. استهدفت تلك السياسات تحجيم الطبقة البرجوازية الحلبية التي حافظت على استقلالية نسبية عن السلطة، بخلاف برجوازية دمشق التي دعمت السلطة في دمشق ثم انخرطت في تحالفات وشراكات مباشرة مع النخب الحاكمة لتأمين مكاسبها.
وخلال سياسات التأميم التي استهدفت الطبقة البرجوازية عموماً وحلب خصوصاً في مرحلة الوحدة وخلال العقد الأول من حكم البعثيين، هربت رؤوس الأموال بالتدريج، وتراجعت المدينة صناعياً وتجارياً، ومع ذلك حافظت على وزنها كمركز الثقل الاقتصادي في البلاد من خلال إسهامها الكبير في الناتج المحلي.
بحلول عام 2000، كانت الفجوة التنموية قد اتسعت للغاية؛ ورغم التحسن الطفيف الموضعي في حلب خلال العقد الأول من حكم بشار الأسد، إلا أن السياسات الاقتصادية عمّقت شعور الأطراف السورية جميعها بالتهميش. هذا التهميش، كان واحداً من البواعث البنيوية لانتفاضة عام 2011، وهو ما يجب أن يؤخذ كدرس تحذيري للمرحلة الراهنة، لأن إعادة إنتاج النمط ذاته عبر تركيز الاستثمارات والقرارات الإدارية في دمشق لن يجدد الأزمة التنموية فحسب، وإنما سيعيد أيضًا إنتاج الاعتراض السياسي المصاحب لها مع الوقت.
ظهرت القوة السياسية لحلب في الحقبة الديمقراطية الليبرالية التي تلت الاستقلال، فقد هيمن “حزب الشعب” الحلبي على الحياة السياسية حتى تقويضها بالوحدة الاندماجية مع مصر عام 1958، ثم انقلاب آذار 1963 وتأسيس النظام الأسدي عام 1970.
وفي الحراك المعاصر، مثلت حلب الوزن الاستراتيجي السياسي المعادل للعاصمة؛ كانت بمثابة عاصمة للمعارضة في مواجهة عاصمة النظام، وقد كان لسقوطها نهاية عام 2016 وقع الصدمة الكبرى، ثم أثبت التحول الجذري الذي فرضه تحريرها في عملية ردع العدوان أنها المحرك الرئيس لديناميكيات السقوط والنهوض في الجغرافيا السورية.
ديمغرافياً، تمثل حلب وريفها الكثافة السكانية الأعلى في البلاد، وهي الكتلة الرئيسية الأكثر تجانساً التي تضم القاعدة الاجتماعية الأكبر والأقوى المؤيدة للحكم الانتقالي ولشرعية التغيير الراهن، وهذا الخزان البشري الهائل يمنح مؤسسات الحكم وزنها الشعبي الكبير، ولا يمكن مستقبلًا لأي صندوق اقتراع أن يكتسب قيمة حقيقية دون انخراط الشمال، ورغم غياب الأحزاب المنظمة في المدينة حالياً.
إلا أن المدينة في طور الانتظام السياسي، حيث بدون شك ستولد في السنوات الانتقالية تنظيمات سياسية، وأي تكتل سياسي ناشئ سيستند إلى رصيد حلب الوطني وامتدادها الرمزي في الشمال والشرق والوسط، وأي قوة سياسية وازنة في المدينة ستكون مؤثرة على قيادة المشهد السياسي السوري مستقبلاً.
الاستقرار الأمني يظل هشاً ما لم يرتكز على أرضية اقتصادية صلبة، وخلافاً لاقتصاد دمشق الذي يرتكز تاريخياً وبشكل رئيسي على الخدمات والتجارة الداخلية وبعض الصناعات التحويلية، اتسم اقتصاد حلب ببنية إنتاجية حقيقية (نسيج، كيمياء، غذاء، ومعادن) وشبكة تجارية عابرة للحدود نحو تركيا والعراق، حيث كانت المدينة تسهم بنحو 30 إلى 35% من الناتج الصناعي السوري عام 2010 مثلاً.
غير أن هذه الحقيقة التاريخية لا تعني “النهوض الذاتي السريع”؛ فالدمار الهائل الذي لحق بالبنية التحتية، ولا سيما نهب وتدمير مدينة الشيخ نجار الصناعية، يستوجب تدفق استثمارات ضخمة مخصصة لإعادة التأهيل، وإعادة النظر في سياسة الصدمة الاقتصادية لدفع عجلة الإنتاج في حلب للأمام، التي تعاني اليوم من انفتاح اقتصادي بدون مساندة حكومية للمنتجين.
يتطلب تفعيل دور حلب تراجعاً عن المركزية المفرطة والتحول نحو نموذج حوكمة أكثر تشاركية. بالتأكيد تطبيق اللامركزية مرة واحدة قد يؤدي إلى نتائج عكسية في ظل الهشاشة الأمنية والسياسية في البلاد، ولكن يمكن اختيار نمط تدريجي غير معمم مستلهماً من التجربة الإندونيسية بعد عام 1998، حين واجهت الدولة تنوعاً جغرافياً وحالة تفكك خطيرة، فاختارت مسار “اللامركزية المتدرجة والمتفاوتة”.
أعطت المناطق الحيوية هامشاً واسعاً من الاستقلال المالي والإداري مع الحفاظ على الروابط السيادية السياسية مع المركز. وهو نموذج مرن يبدو أكثر فائدة وقابلية للتطبيق في حالة حلب مقارنة بأي حاضرة سورية أخرى.
ليس الهدف من هذا الطرح مجرد التحيز لحلب على حساب دمشق، أو الخوض في منافسة لطالما كانت قائمة بين عاصمتين تاريخيتين للبلاد، وإنما الدفع لتأسيس علاقة تكاملية بينهما مبنية على رؤية استراتيجية للبلاد تحدد موقعهما في نهضتها، وهو أمر يتطلب حواراً وإرادة سياسية مركزية مستعدة للتخلي عن احتكار كامل القرار، ونخباً محلية كفوءة تسند إليها المهام.
وفي ظل خلو المرحلة الراهنة من الاستحقاقات الانتخابية، فإن فتح قنوات المشاورة الوثيقة مع الهيئات المدنية، الأهلية، الروابط، والنقابات في حلب، يشكل الضمانة الأكيدة لتعيين الأكفاء وتحقيق مصالح الدولة وقبول المجتمع معاً. أخيراً، قد يكون من الصحيح القول إن الإدارة تبدأ من دمشق لكن السياسة تبدأ غالبًا من حلب.





