

تحمل التصريحات المتزامنة الأخيرة لكل من الرئيس السوري أحمد الشرع والأمين العام لحزب الله نعيم قاسم حول نفي التدخل السوري في لبنان دلالات عميقة تتجاوز ظاهرها الدبلوماسي، فحين يشكر قاسم دمشق لرفضها الانخراط في “كماشة” عسكرية مع إسرائيل ضد الحزب، وتترافق مع ذلك تأكيدات سورية متكررة تنفي شائعات التدخل في لبنان، يتضح أن التوافق العلني لا يترجم تحالفاً ناشئاً، بل يستر خلفه شبكة معقدة من التوازنات الحرجة والعداء التاريخي المؤجل.
علينا أن نعلم أن نفي التدخل ليس علامة على التناغم أو نسياناً تاماً للماضي بقدر ما هو اعتراف ضمني بتبدل القواعد الحاكمة للمنطقة بعد سقوط النظام السوري السابق وطرد إيران من سوريا، فكلا الطرفين يحاولان إدارة مرحلة انتقالية شديدة الحساسية بأقل الخسائر الممكنة، مما يفتح الباب واسعاً أمام قراءة الدوافع والاستراتيجيات الحالية التي تحرك دمشق والضاحية الجنوبية.
يقوم المشهد الراهن على مفارقة حادة تتأرجح ما بين ماضٍ مثقل بالدماء وواقع تفرضه الجغرافيا السياسية المستجدة، إذ شكل الحزب لسنوات طويلة ركيزة أساسية في حماية نظام الأسد، مما ترك جرحاً غائراً في الوجدان السوري العام. بيد أن سوريا ما بعد الأسد تجد نفسها أمام أولويات موضوعية مختلفة تماماً، حيث تتركز جهود القيادة الجديدة على إعادة بناء مؤسسات الدولة، ورفع العقوبات الدولية، والاندماج في المنظومة العربية والدولية.
لذلك، فرضت الظروف الراهنة على دمشق كبح أي انزلاق نحو مغامرة عسكرية مباشرة في لبنان، ليس رغبةً في حماية الحزب أو سعياً للحفاظ على كفة راجحة ومتوازنة لها مع إسرائيل بالضرورة، بل خشية من إشعال جبهة إقليمية كفيلة بتقويض مكتسبات الاستقرار الداخلي الناشئ، وجر البلاد إلى مواجهة غير محسوبة العواقب.
بناءً على ذلك، تبنت استراتيجية احتواء باردة وحذرة تجاه حزب الله، إذ تدعم سياسياً ودبلوماسياً توجه الدولة اللبنانية نحو بسط سيادتها ونزع سلاح الحزب انطلاقاً من قناعتها بأن إنهاء السلاح غير الشرعي يخدم استقرار الجوار، في حين تنأى بنفسها ميدانياً عن الصدام المسلح المباشر في العمق اللبناني. وتركز الاستراتيجية السورية بدلاً من ذلك على إجراءات دفاعية صارمة داخل حدودها تشمل ضبط الحدود المشتركة وتفكيك شبكات التهريب وملاحقة الخلايا الأمنية.
الأمر الأكثر خطورة من وجهة نظر دمشق، أن سوريا تقبع بين جغرافيتين أمنيتين رخوتين في لبنان والعراق، ومع مآلات المواجهة الإيرانية دون حسم واضح، قد تعود الأراضي السورية لتتحول إلى ساحة محتملة لإدارة التناقضات الإقليمية، ما يجعل أمنها القومي واستقرارها الاقتصادي رهينةً دائمة لصراعات ونفوذ المليشيات التي تحركها إيران في تلك الدول.
وفي ظل محدودية موارد الجيش السوري الجديد، تفضل سوريا الضغط الأمني المتدرج والتنسيق الدبلوماسي لتفادي تفجير الأوضاع، مع تأجيل ملفات الحدود الحساسة مثل مزارع شبعا لصالح تثبيت استقرار الدولة أولاً.
في المقابل، يعيش حزب الله واحدة من أعقد مراحل تاريخه بعد أن فقد عمقه الاستراتيجي وسقط جسر الإمداد البري الحيوي القادم من إيران عبر سوريا، إذ فرض الواقع الجديد على الحزب براغماتية اضطرارية تتأرجح بين لغة التهديد المبطن ومحاولات استرضاء القيادة السورية الجديدة.
وتجلى التغير في الخطاب السياسي لبعض مسؤولي الحزب حين لجأ النائب السابق نواف الموسوي صراحةً إلى استخدام مصطلحات ودية، واصفاً الرئيس أحمد الشرع بـ”الأخ”. وجاء ذلك رغبةً في تقليل منسوب العداء وفتح قنوات تواصل غير رسمية تضمن للحزب الحفاظ على حد أدنى من خطوط الإمداد، وتفادي تحول الجبهة السورية إلى مصدر تهديد إضافي في ظل صراعه مع إسرائيل وضغوط الداخل اللبناني.
وما يزيد الطين بلة أن الحسابات الاستراتيجية لحزب الله منذ صعوده غاب عنها احتمال تحول ظهره السوري إلى جبهة تهديد محتملة، ولأجل ذلك أهمل تحصين تلك الحدود عسكرياً، واستعاض عن القواعد الدفاعية بإنشاء شبكة ممرات وأنفاق سرية صُممت أساساً لغايات الإمداد والتهريب لا للصد الميداني.
وإذ تنقلب تلك المنظومة اللوجستية اليوم لتصبح ثغرة تكتيكية تسهل التسلل عوضاً عن كبحه، فإنها تمنح أي عمليات خاطفة ومحدودة قد يقرر الجيش السوري شنها فرصة لاختراق الخاصرة الرخوة، والوصول مباشرة إلى عمق الحزب الحيوي في البقاع والهرمل سريعاً ودون مقاومة تُذكر.
رغم ذلك، لم تمنع البراغماتية السياسية والمديح الدبلوماسي حزب الله من سلوك مسارات أمنية هجومية داخل الأراضي السورية لتهديد الاستقرار الجديد، حيث تصاعدت وتيرة التحركات الاستخباراتية والتخريبية بشكل متسلسل منذ سقوط النظام السابق، وبدأت العمليات بمحاولات مستميتة لاستعادة السيطرة على مخازن الأسلحة والذخيرة في ريف حمص والزبداني، قبل أن تتطور إلى استخدام أنفاق حدودية لتهريب الصواريخ والمخدرات.
وجاء التطور الأمني الأخطر والنوعي متمثلاً في نجاح الأجهزة الأمنية السورية في إحباط مخطط تخريبي واسع النطاق وتفكيك خلية نائمة تتبع للحزب مباشرة، إذ كانت الخلية قد أنهت استعداداتها اللوجستية لتنفيذ سلسلة اغتيالات متزامنة تستهدف شخصية دينية بارزة في العاصمة دمشق إلى جانب قيادات وشخصيات حكومية رفيعة في خمس محافظات سورية مختلفة.
ورمى هذا المخطط المدروس بعناية إلى ضرب رمزية السلطة الجديدة، وإحداث فراغ سياسي واجتماعي يربك مؤسسات الدولة الناشئة ويدفع بالبلاد نحو فوضى جديدة، مما شكل إنذاراً مبكراً لدمشق حول طبيعة التهديد الوجودي والنوعي الكامن على حدودها الغربية.
خلاصة القول: إن التوافق الظاهري في نفي التدخل العسكري ليس سوى قشرة خارجية لمعادلة احتواء متبادل تتسم بالهشاشة الشديدة، إذ لا تندرج العلاقة الحالية بين دمشق وحزب الله تحت مفهوم التحالفات التقليدية ولا العداء الصريح المفتوح، إنما تمثل إدارة أمنية وسياسية لتقاطع مصالح مؤقت، حيث تسعى سوريا لإثبات أهليتها الدولية وحماية سيادتها دون الانجرار لحروب استنزاف، بينما يكافح الحزب للتكيف مع عزلته الإقليمية المتزايدة وتآكل نفوذ طهران في بيئة شديدة الضغط.
بناء على ذلك، يتوقف مستقبل العلاقة على مدى نجاح دمشق في ضبط حدودها وتفكيك شبكات الظل، بموازاة التسويات السياسية في لبنان، ليظل الاستقرار الراهن رهناً بشرارة أمنية قد تدفع الطرفين إلى مواجهة حتمية تتجاوز حدود النفي الدبلوماسي.





