
خاص – حرية برس:
في ظل التحولات السياسية التي تشهدها سوريا بعد وصول حكومة الشرع إلى السلطة، وما يرافق ذلك من نقاشات واسعة حول مستقبل الحريات العامة والواقع الديني في البلاد، تبرز ظواهر ومبادرات دينية جديدة يعتبرها البعض تعبيراً طبيعياً عن عودة التدين إلى المجال العام بعد عقود من التضييق، فيما ينظر إليها آخرون بحذر خشية الانزلاق نحو أشكال من التشدد الديني أو غياب الرقابة المؤسسية.
ومن بين هذه الظواهر تبرز مؤسسة “جيل الإيمان التربوية”، التي تعرّف نفسها عبر صفحاتها على محركات البحث ووسائل التواصل الاجتماعي بأنها “مؤسسة قرآنية وتربوية وعلمية متخصصة في نشر العلوم الشرعية وتربية الجيل تربية إيمانية صحيحة”، وتهدف، بحسب تعريفها، إلى “إعداد وتخريج جيل مؤمن ومتقن لكتاب الله ومتربٍ على القيم الإسلامية”.
معسكر صيفي في دمشق
تواصل مراسل “حرية برس” مع أحد أولياء أمور طالب شارك في أحد المعسكرات الصيفية التابعة للمؤسسة. وبحسب روايته، فقد تعرّف إلى الدورة من خلال إعلان سمع عنه في مسجد قريب من مكان سكنه في ريف دمشق، قبل أن يتوجه مع ابنه إلى جامع الشيخ الطيب في منطقة المزة بدمشق، وتحديداً في حي الشيخ سعد على الطريق المؤدي إلى قصر الشعب وبمحاذاة المنطقة الأمنية، وهو المسجد المعروف سابقاً باسم “جامع الرئيس”.
ووفقاً لشهادة ولي الأمر، التقى المشرفون بالطلاب وأهاليهم داخل المسجد، وتم قبول ابنه ضمن فوج ضم 71 طفلاً من دمشق وريفها، تتراوح أعمارهم بين 11 و16 عاماً.
وأضاف أن المشرفين الذين عرّفوا أنفسهم بأسماء حركية مثل “أبو جبران” و”أبو عبد الرحمن” طلبوا من كل طالب دفع مبلغ 200 ألف ليرة سورية كتأمين يهدف إلى ضمان الالتزام بإكمال البرنامج. وأوضح أن المبلغ يُسترد في حال أتم الطالب الدورة كاملة، بينما لا يُعاد إذا غادر المعسكر قبل انتهاء مدته المحددة بعشرين يوماً.
كما طُلب من الطلاب إحضار مستلزمات شخصية تشمل فراشاً للنوم وكأساً وملعقة وملابس تكفي لفترة الإقامة، إضافة إلى لباس رياضي للأنشطة المختلفة.
وبحسب المصدر نفسه، تتلقى العائلات بشكل دوري مقاطع مصورة توثق بعض أنشطة الطلاب داخل المعسكر، حيث يظهر المشاركون ضمن مجموعات تحمل أسماء ذات طابع ديني مثل “أسرة أبي بكر” وغيرها. وتتضمن المواد المرسلة حلقات تعليمية ودروساً جماعية وعروضاً لشاشات تعرض برامج دينية، فيما تكون بعض المقاطع المصورة بلا صوت.
وأشار إلى أن المعسكرات تُنظم على شكل أفواج متعاقبة، بحيث تستمر كل دورة عشرين يوماً قبل استقبال فوج جديد من الطلاب.
مجتمع يبحث عن هويته
يرى مراقبون أن الإقبال على مثل هذه الأنشطة لا يمكن فهمه بعيداً عن السياق السوري خلال العقود الماضية، حيث ارتبطت مظاهر التدين في كثير من الأحيان بحساسيات أمنية وسياسية، خصوصاً في ظل الصراع التاريخي بين النظام السابق وجماعة الإخوان المسلمين، وسيطرة حزب البعث على مؤسسات الدولة.
كما شهدت فترات مختلفة قيوداً على بعض أشكال الممارسة الدينية في المؤسسات الرسمية، الأمر الذي دفع شريحة من المجتمع إلى اعتبار المرحلة الحالية فرصة لاستعادة مساحة أوسع من التعبير الديني والتربية العقائدية لأبنائهم.
ويقول عدد من الأهالي إنهم ينظرون إلى هذه المعسكرات باعتبارها وسيلة لتوجيه أبنائهم المراهقين نحو الانضباط الأخلاقي والتربية الدينية، خاصة بعد سنوات الحرب والانفلات الاجتماعي وما خلفته من أزمات تربوية ونفسية عميقة.
بين مخاوف التطرف وحق التدين
في المقابل، تثير هذه الأنشطة تساؤلات لدى بعض الباحثين والمهتمين بالشأن العام حول طبيعة المناهج المقدمة للأطفال وآليات الرقابة عليها، خصوصاً في مجتمع ما زالت ذاكرته مثقلة بتجارب العنف والتطرف التي ارتبطت بتنظيمات متشددة مثل تنظيم داعش خلال سنوات الثورة.
ويرى أصحاب هذا الرأي أن الخشية لا تتعلق بوجود تعليم ديني بحد ذاته، بل بضرورة وجود معايير واضحة وإشراف مؤسساتي يضمن عدم تحول أي نشاط تربوي إلى أداة لإنتاج أفكار متشددة أو إقصائية.
في المقابل، يرفض آخرون الربط التلقائي بين التربية الدينية والتطرف، معتبرين أن من حق العائلات اختيار أساليب التنشئة التي تراها مناسبة لأبنائها، تماماً كما تمارس مؤسسات دينية مسيحية أو كشفية أو شبابية حول العالم أنشطة تربوية وتخييمية خارج المنزل ضمن أطر دينية أو قيمية خاصة بها.
أسئلة المرحلة المقبلة
وتأتي هذه النقاشات بالتزامن مع جدل أوسع شهدته سوريا خلال الأشهر الماضية حول عدد من المبادرات والحملات ذات الطابع الديني، بما فيها حملات الدعوة إلى النقاب داخل بعض الجامعات السورية، وغيرها من الأنشطة التي أثارت انقساماً مجتمعياً بين مؤيد يعتبرها جزءاً من الحريات الشخصية والدينية، ومعارض يرى فيها مؤشرات على تصاعد خطاب محافظ قد يؤثر على طبيعة الحياة العامة.
ويبقى السؤال المطروح أمام السلطات السورية والمجتمع على حد سواء: هل تستطيع سوريا الجديدة تحقيق توازن دقيق بين ضمان الحرية الدينية وحق المواطنين في ممارسة شعائرهم وتربية أبنائهم وفق قناعاتهم، وبين حماية المجال العام من أي أشكال محتملة للتشدد أو الاستقطاب الديني؟
سؤال يبدو أنه سيبقى حاضراً بقوة في المرحلة المقبلة، مع اتساع حضور المبادرات الدينية في الفضاء العام، واستمرار الجدل حول حدود الحرية وآليات الرقابة ودور الدولة في إدارة التنوع الفكري والديني داخل المجتمع السوري.








