

ليس من الممكن أن يكون الواحد منا صلباً طوال الوقت فطبيعة حياة الإنسان تتأرجح بين قوة وضعف، لكن هذا لم يكن متاحاً للسوريين في خلال السنوات الماضية، إذ لم يكن المطلوب منهم النجاة فقط، بل اشترط العالم أن تكون نجاتهم مقرونة بالصمت، لم يكن كافياً أن يخرج السوري من التجربة حيّاً، بل كان عليه أن يكون متماسكاً أيضاً، قادراً على الاستمرار، بل وشاكراً للعالم أجمع لأنه منحه فرصة حياة أخرى على الرغم من الموت الذي تُرك في مواجهته، ومع مرور الوقت لم يعد هذا التوقع غير المعلن مجرد ضغط اجتماعي عابر، بل تحوّل إلى خطاب كامل يدعو إلى التجاوز والمضي قدماً، والتسامح من أجل المستقبل.
يبدو هذا الخطاب في ظاهره عقلانياً وضرورياً، فالمجتمعات لا تستطيع البقاء في حالة حداد دائم، والأفراد بحاجة إلى استعادة توازنهم كي يستمروا، لكن الإشكالية لا تكمن في فكرة التعافي بحد ذاتها، بل في الطريقة التي يُطرح بها، والتوقيت والشروط الضمنية التي تحكمه، إذ يتحول التعافي في هذا السياق من عملية إنسانية معقدة إلى واجب أخلاقي، ومن خيار شخصي إلى معيار يُقاس عليه سلوك الآخرين.
إن إنكار الألم أكثر تعقيداً من تجاهله، إنه عملية نشطة لإعادة صياغة التجربة، بحيث تصبح أقل إزعاجاً للآخرين، وأكثر قابلية للاندماج في خطاب عام يفضّل الاستقرار على المواجهة، وفي الحالة السورية، يتضاعف هذا التعقيد بسبب الانقسام السياسي والانقسام في السرديات
في التجربة السورية، لا يمكن فصل هذا الخطاب عن طبيعة الألم نفسه، فالألم هنا ليس حادثة فردية معزولة، بل تجربة جماعية ممتدة ومركّبة ومتعددة الطبقات، وعلى الرغم من كل ذلك، يُطلب من الإنسان أن يبدأ من جديد. وبقدر ما تبدو هذه العبارة إيجابية في ظاهرها، إلا أنها تحمل افتراضاً أن البداية قرار يتخذ فحسب، لكن الواقع أكثر تعقيداً فالبداية في سياق كهذا ليست مجرد خطوة إلى الأمام، بل عملية إعادة بناء بطيئة تتطلب أولًا الاعتراف بما تهدّم.
ما يحدث فعلياً في كثير من الأحيان أنه يتم القفز مباشرة إلى مرحلة التجاوز بدل أن يُفتح المجال للاعتراف بالخسارة، وهذا يعكس إعادة توزيع للمسؤولية، فحين يُطرح الأمر بهذه الطريقة، يصبح الألم مشكلة شخصية، لا نتيجة لواقع عنيف، ويُعاد تعريفه كضعف، أو كتعلق غير مبرر في الماضي، بدل أن يُفهم كاستجابة طبيعية لتجربة غير طبيعية، ويجبر الفرد أن يُظهر أنه بخير، حتى لو لم يكن كذلك فيتعلم الإنسان أن بعض المشاعر غير مرحّب بها، وأن الإفصاح عنها قد يضعه في موقع دفاعي، فيختار الصمت لأنه لم يعد يجد مساحة آمنة للحديث.
في مجتمعات ما بعد الصدمة تلك التي خاضت نزاعاً طويلاً، تظهر نزعة واضحة لتسريع العودة إلى الوضع الطبيعي، فيكون هناك استعجال غير معلن لإغلاق الملفات، وتجاوز المراحل وإعادة ترتيب الحياة، ما يعكس رغبة في الاستقرار، لكنه في الوقت نفسه، قد يؤدي إلى تجاهل مراحل أساسية من المعالجة النفسية والاجتماعية.
إن إنكار الألم أكثر تعقيداً من تجاهله، إنه عملية نشطة لإعادة صياغة التجربة، بحيث تصبح أقل إزعاجاً للآخرين، وأكثر قابلية للاندماج في خطاب عام يفضّل الاستقرار على المواجهة، وفي الحالة السورية، يتضاعف هذا التعقيد بسبب الانقسام السياسي والانقسام في السرديات، وفي مثل هذا السياق، يصبح التعبير عن الألم محفوفاً بالمخاطر، ومع مرور الوقت يتحول إلى فجوة غير مرئية في النسيج الاجتماعي، تظهر آثارها في العلاقات وفي القدرة على بناء سردية مشتركة للمستقبل.
يبدو أن هناك إشكالية واضحة في طرح فكرة التسامح في هذا التوقيت فهو في جوهره عملية معقدة تتطلب شروطاً عديدة: اعتراف، مساءلة، فهم، وربما عدالة، لكنه في الخطاب العام يُطرح أحياناً كخطوة أولى، وكمدخل ضروري لأي مستقبل ممكن، فيعكس قلباً للتسلسل الطبيعي للأشياء، ويُطلب من الضحية أن تصل إلى نتيجة قبل أن تمر بالمراحل التي تؤدي إليها، فيُطلب منها أن تسامح، قبل أن يُعترف بما تعرّضت له، وقبل أن تُمنح المساحة الكافية لفهم تجربتها، ويستخدم التسامح هنا كأداة ضغط تُستخدم لدفن الحقيقة وتجاوز الألم، لا لتحقيق المصالحة، ويتناسى المحيط أن التسامح قرار شخصي قد لا يكون في متناول الجميع وأن الإنسان يحتاج مدة زمنية للوصل إلى تلك المرحلة.
في التجربة السورية، لا يزال الاعتراف بما عاشه السوريون جزئياً ومجزأً، ربما هناك محاولات فردية ومبادرات محدودة، لكن لا يوجد حتى الآن إطار جامع يسمح بطرح التجربة بكل تعقيدها، من دون خوف من التبسيط أو الاتهام، وهذا الغياب لا يؤثر فقط على الأفراد، بل على المجتمع كله، لأن المجتمعات التي لا تعترف بآلامها، لا تبني استقراراً حقيقياً بل تؤسس لهشاشة مؤجلة.
ينقسم الناجون في سوريا إلى نموذجين واضحين الأول يتمثل في مجموعة تعيش إحساساً بالذنب بسبب النجاة والقدرة على التأقلم، إذ يشعر البعض بأن مجرد عودتهم إلى حياة طبيعية هو نوع من الخيانة لتجربتهم أو لتجارب الآخرين، وفي غياب مساحة مفتوحة للحديث عن هذا الشعور، يتحول إلى عبء داخلي صامت.
لا يمكن فصل هذا الخطاب عن السياق السياسي الذي يتحرك ضمنه، ففي حالات ما بعد النزاع لا يُستخدم مفهوم التجاوز فقط كحاجة اجتماعية، بل قد يتحول إلى أداة لإدارة المرحلة والدعوة إلى طيّ الصفحة، وهو ما قد يمنع الوصول إلى مصالحة حقيقية، بقدر ما يعكس رغبة في تثبيت واقع قائم، أو تجنّب فتح ملفات معقّدة تتعلق بالمسؤوليات والمحاسبة.
إن هذا لا يعني بالضرورة وجود توجّه موحّد أو مخطط واضح، بل يكفي أن تتقاطع مصالح مختلفة سياسية، واقتصادية، وحتى اجتماعية بهدف تقليل تكلفة الماضي. فكلما استطعنا اختزال الألم وتسريعه نحو التجاوز، أصبح من الأسهل إعادة إنتاج سردية مستقرة ظاهرياً، حتى لو كانت غير مكتملة، ولكن ذلك يصطدم بأنه لا يمكن فصل التعافي عن العدالة، حتى لو لم تكن هذه العدالة ممكنة بالكامل، لأن تجاهل هذا الترابط لا يلغي الحاجة إليه، بل يترك فراغاً مفتوحاً، يظهر لاحقاً بأشكال مختلفة، فردية وجماعية.
ينقسم الناجون في سوريا إلى نموذجين واضحين الأول يتمثل في مجموعة تعيش إحساساً بالذنب بسبب النجاة والقدرة على التأقلم، إذ يشعر البعض بأن مجرد عودتهم إلى حياة طبيعية هو نوع من الخيانة لتجربتهم أو لتجارب الآخرين، وفي غياب مساحة مفتوحة للحديث عن هذا الشعور، يتحول إلى عبء داخلي صامت. وفي المقابل هناك من يختار الانفصال الكامل عن التجربة كوسيلة للحماية، فيُغلق هذا الفصل من حياته ويتجنب أي تذكير به، وعلى أن هذا الخيار قد يبدو فعالاً على المدى القصير، لكنه غالباً ما يترك أثراً غير مرئي، يظهر في لحظات غير متوقعة.
بين هذين النموذجين، تتوزع تجارب كثيرة، لا يمكن اختزالها في مسار واحد، وهذا بحد ذاته يطرح ضرورة الابتعاد عن التعميم، وعن فرض نموذج موحّد للتعافي، فما يحتاجه الأفراد في مثل هذه السياقات ليس وصفة جاهزة، بل مساحة للاعتراف والتعبير وهي تتطلب جهداً اجتماعياً وثقافياً واعياً، وربما يكون من الأدق في تجربة كهذه الحديث عن التعايش بدل التجاوز، كما يجب أن يُصار إلى التعامل مع التجربة بشكل يعكس تغيّراً في طريقة تناولها.
لا يمكن بناء مستقبل مستقر على أساس إنكار الألم، ليس لأن الألم يجب أن يُعاد إنتاجه، بل لأنه جزء من الحقيقة التي لا يمكن تجاوزها من دون الاعتراف بها.
لا يزال هذا المسار في سوريا في بدايته، وقد يكون طويلاً، ومعقداً ومليئاً بالتناقضات، لكن البديل—أي الإنكار—لا يقدّم حلاً، بل يؤجل المواجهة، لأنه من غير الممكن أن نطلب من الضحية أن تسامح من دون أن يُسمح لها أن تتكلم وأن يُعترف بألمها، لا أن يُعاد تعريفه أو تقليصه أو تجاوزه بالنيابة عنها، ذلك أن ما لا يُعترف به لا يختفي بل يبقى بأشكال مختلفة إلى أن يجد طريقه للظهور، وبين النجاة والتعافي، تبقى مساحة واسعة من الألم غير المعترف به في قصص لم تروَ بعد ولكن لا يمكن القفز فوقها، مهما بدا ذلك مغرياً.





