
باشرت السلطات السورية الإفراج عن بقية المعتقلين لديها من المنتسبين سابقاً إلى «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد)، وعددهم 397 موقوفاً، في خطوة قالت مديرية إعلام الحسكة إنها تندرج ضمن تنفيذ اتفاق 29 كانون الثاني/يناير. ونقلت المديرية عن أحمد الهلالي، الناطق باسم الفريق الرئاسي المكلّف بمتابعة اتفاق اندماج «قسد» في مؤسسات الدولة، أن العملية تجري بإشراف الفريق الرئاسي وبالتنسيق مع جهاز الاستخبارات العامة وقيادة الأمن الداخلي وإدارة السجون، مشيراً إلى أنه لم يكن هناك في الأيام الماضية أي جدول زمني معلن لعمليات الإفراج، خلافاً لما روّجت له صفحات غير رسمية.
من المتوقع أن تفرج «قسد» عن نحو مئة معتقل من سجونها، بينهم سجناء سياسيون ومحسوبون على الثورة، بعضهم عُرف بنشاطه المدني والسياسي المعارض لـ«قسد»
وأضاف أن «قسد» ستفرج، بالمقابل، عن الدفعة الأخيرة من المعتقلين لديها على خلفيات مرتبطة بالثورة السورية، على أن تبدأ لاحقاً تسليم مراكز الاحتجاز والسجون التابعة لها، والتي تضم مئات الموقوفين في ملفات مختلفة إلى الجهات الحكومية المختصة وفق الآليات المتفق عليها. وفي السياق نفسه، قال الهلالي إن عدداً من الجثامين التي عُثر عليها في منطقة دير حافر جرى توثيقها وتسليمها إلى ذويها عبر وزارة الطوارئ والكوارث، فيما تتابع الجهات الحكومية المختصة ملف المعتقلين السوريين المرحّلين إلى العراق بالتنسيق مع قوات التحالف الدولي والجانب العراقي، بما يضمن معالجة أوضاعهم ضمن الأطر القانونية والإنسانية.
وعلمت «القدس العربي» أنه من المتوقع أن تفرج «قسد» عن نحو مئة معتقل من سجونها، بينهم سجناء سياسيون ومحسوبون على الثورة، بعضهم عُرف بنشاطه المدني والسياسي المعارض لـ«قسد»، أو بسبب انتماء أفراد من عائلاتهم سابقاً إلى صفوف الجيش الوطني أو فصائل المعارضة في إدلب.
وقال نوار الرهاوي، مدير مديرية الإعلام في الحسكة، إن الحكومة لم تتسلم بعد قائمة نهائية بأسماء المتوقع الإفراج عنهم، مؤكداً، في اتصال مع «القدس العربي»، أن وزارة الداخلية ستتسلم بقية السجون التي ما تزال «قسد» تسيطر عليها خلال الأيام المقبلة.
وفي موازاة ذلك، كانت «قسد» تسيطر في وقت سابق على نحو 20 سجناً ومركز احتجاز في الحسكة والقامشلي ومناطق أخرى في ريف المحافظة، بينها سجون المدينة الرياضية، والأمن القومي في الكلاسة، ومشيرفة، والأمن العام عند دوار سينالكو، واليعربية، والمالكية، والدرباسية، وعامودا، وجركين القديم والجديد، وعلايا، ومحكمة نافكر، و«السجن الأسود» في القامشلي وديريك، فضلاً عن سجن غويران، وسجن استخبارات مشيرفة، وسجن الأحداث في قرية سبع سكور، وسجن الصناعة في غويران. لكن هذا العدد تقلص بصورة كبيرة بعدما انحسر نفوذها عقب الهجوم العسكري الذي شنته القوات الحكومية ضدها في الرقة ودير الزور والحسكة خلال كانون الأول/ديسمبر الماضي. وحسب المعطيات المتوافرة، لم يتبقَّ اليوم تحت سيطرة «قسد» سوى أربعة سجون هي: علايا، وغويران، والمالكية، وجركين.
اتفاق لا يطوي قضية المعتقلين والمختفين
وفي سياق موازٍ، أثار الاقتراب من الإفراج عن آخر دفعة من المعتقلين لدى «قسد» غضباً متزايداً بين مئات الأسر من أهالي المعتقلين في سجون خاصة بعناصر تنظيم «الدولة الإسلامية»، والذين نقلتهم قوات التحالف الدولي مطلع العام إلى العراق من دون التدقيق في ملفاتهم أو إعادة التحقيق معهم من قبل السلطات السورية. وإضافة إلى هؤلاء، هناك مئات المغيبين والمختفين الذين تتكشف جثث بعضهم في مقابر جماعية خلال الأيام الماضية في مناطق متفرقة، بعضها قريب من حواجز عسكرية وأمنية سابقة، ويتهم الأهالي «قسد» بالمسؤولية عن مقتلهم.
من جهته، قال الباحث سامر الأحمد، المتخصص بديناميات الصراع في المنطقة الشرقية، إن ملف المعتقلين لا يزال مفتوحاً على احتمالات كثيرة، رغم عمليتي التبادل اللتين جرتا سابقاً، والعملية التي تجري حالياً. وأضاف أن الحديث الحكومي عن أن هذه هي «الدفعة الأخيرة» لا ينسجم، برأيه، مع وجود آلاف المعتقلين الذين ما تزال ملفاتهم عالقة، ما يستدعي مزيداً من الضغط الشعبي والحقوقي لدفع الحكومة إلى استلام ما تبقى من السجون ومراكز الاحتجاز، وتدقيق أسماء المعتقلين والتهم الموجهة إليهم. وأشار إلى أن كثيراً من السجناء الذين نُقلوا إلى العراق هم في الأصل مدنيون، ولا صلة لهم بتنظيم «الدولة»، الأمر الذي يضيف تعقيدات قانونية وإنسانية إلى هذا الملف.
وأضاف الأحمد، في حديث لـ«القدس العربي»، أن ملفاً لا يقل حساسية يتمثل في ملف المهجرين، الذي بدأ يتحرك تدريجياً من خلال عودة مهجري عفرين، كما جرت إعادة مهجري قرية الشيوخ في ريف حلب الشرقي. لكنه لفت إلى أن آلاف المهجرين من الحسكة والقامشلي ما يزالون ينتظرون آلية واضحة تضمن عودتهم، وسط تساؤلات عن الضمانات الأمنية والإدارية المطلوبة، ولا سيما في ظل استمرار سيطرة «قسد» على مواقع رئيسية.
وتابع أن الدمج الأمني ما يزال يواجه عقبات واضحة، في ظل وجود عدد كبير من الحواجز التي لا تشارك فيها الحكومة، مقابل استمرار نفوذ «الشبيبة الثورية» المرتبطة بحزب العمال الكردستاني.
وفي هذا السياق، كانت «الشبيبة الثورية» (جوانن شورشكر) قد أقدمت على إنزال العلم السوري الرسمي من فوق بعض المقار والنقاط في منطقة كوباني/عين العرب، ما تسبب بتوتر كبير في مناطق شمال شرقي سوريا وعفرين، ودفع السلطات إلى فرض حظر تجوال جزئي في بعض أحياء القامشلي والحسكة لتفادي اصطدامات بين القوى الأمنية التابعة للإدارة الذاتية والقوات الحكومية السورية. ويعكس هذا الواقع فجوة بين التفاهمات المعلنة والتنفيذ الفعلي على الأرض.
ويبرز التعثر أيضاً في ملف دمج المؤسسات، إذ ما يزال هذا المسار متأخراً نسبياً، بعدما اتُّخذت الشدادي مركزاً مؤقتاً للمحافظة من قبل الحكومة، في حين لا تزال الإدارة الذاتية تحتفظ بسيطرتها على مركز مدينة الحسكة، بما يعكس استمرار الازدواجية الإدارية والخدمية.
وفي سياق متصل، بدأت عملية تقديم طلبات الحصول على الجنسية من مكتومي القيد من الأكراد السوريين، في خطوة تفتح واحداً من أكثر الملفات حساسية في شمال شرقي سوريا، والمرتبط بالهوية والحقوق المدنية.
وفي موازاة ذلك، يسير الدمج العسكري بوتيرة متسارعة، غير أن وزارة الدفاع السورية رفضت ضم عناصر وحدات حماية المرأة إلى صفوفها، في حين أُحيل الملف إلى البحث في إمكانية نقل هؤلاء إلى ملاك وزارة الداخلية، من دون تسجيل أي تقدم فعلي حتى الآن.
ترميم حقول النفط والغاز
وفي موازاة التطورات الأمنية والإدارية، شهد قطاع النفط والغاز في المناطق الشرقية خلال الأسبوع سلسلة خطوات ميدانية وتنفيذية، في سياق الجهود الحكومية لإعادة تشغيل القطاع بعد استلام كامل حقول النفط والغاز، شملت أعمال تأهيل للبنى التحتية ورفعاً للإنتاج وتوسيعاً لمجالات التعاون مع شركات أجنبية، حسب رصد «القدس العربي». ففي دير الزور، باشرت كوادر الشركة السورية للبترول، بالتعاون مع فرق التطهير الهندسي، إزالة الألغام ومخلّفات الحرب من محيط خط «كونوكو»، تمهيداً لإعادة تركيبه واستكمال الجزء المفقود منه بطول خمسة كيلومترات، في خطوة تستهدف إعادة الخط إلى الخدمة وتعزيز جاهزية منظومة النقل والإنتاج.
وفي موازاة ذلك، سجلت حقول شركة دجلة تحسناً ملحوظاً في الإنتاج بعد نجاح الكوادر الفنية في الحد من الهدر ومعالجة مشكلات تشغيلية، ما أدى إلى زيادة تقارب 30 في المئة، مع توقعات بارتفاعها إلى نحو 50 في المئة خلال المرحلة المقبلة. وتزامن ذلك مع إبداء شركة «غلف ساندز بتروليوم» البريطانية رغبتها في استئناف أعمالها في سوريا، عقب زيارة ميدانية أجراها وفد منها إلى الحقول للاطلاع على المواقع التشغيلية وبحث فرص التعاون مع الشركة السورية للبترول.
وفي تطور آخر، أعلنت الشركة تحويل مذكرة التفاهم الموقعة سابقاً مع شركة «أديس» السعودية إلى عقد تنفيذي لتطوير عدد من حقول الغاز في سوريا. ويتضمن العقد صيانة الآبار الحالية وحفر آبار استكشافية جديدة، مع توقعات بزيادة تدريجية في إنتاج الغاز تصل إلى 25 في المئة خلال الأشهر الستة الأولى، على أن ترتفع إلى نحو 50 في المئة بنهاية العام الأول.
كما تواصل الشركة أعمال إعادة تأهيل أحد آبار حقل العزبة في دير الزور لاستخدامه في مشروع حقن المياه المرافقة للنفط القادمة من حقل التيم، بهدف الحد من التلوث البيئي والحفاظ على الضغط الطبقي للمكمن وتحسين كفاءة الإنتاج. كذلك أنجزت كوادر الشركة أعمال إصلاح خط الغاز بين مركدة ومعمل غاز الجبسة، وأعادته إلى الخدمة بعد استبدال وصلات متآكلة بقطر 10 إنش في منطقة وادي الفدغمي، في خطوة قالت إنها تدعم استقرار منظومة الغاز واستمرارية التدفق.
أزمة انسانية بسبب الأمطار والسيول
وعلى الصعيد الإنساني، قال مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، في بيان له، الخميس، إن الفيضانات الموسمية الشديدة التي ضربت الحسكة والرقة ودير الزور خلال آذار/مارس تسببت في نزوح نحو 6 آلاف شخص، ووقوع ما لا يقل عن خمس وفيات، وإلحاق الضرر أو التدمير بنحو 2400 منزل، فضلاً عن غمر ما يقدَّر بنحو 1500 هكتار من الأراضي الزراعية. كما أدت مياه الفيضانات إلى نقل الذخائر غير المنفجرة إلى المناطق الزراعية والسكنية، ما زاد من تعقيد الوصول إلى الأراضي الزراعية والمراعي مع بداية الموسم الزراعي.
وفي السياق نفسه، قال الهلال الأحمر العربي السوري إنه وزع مواد إغاثية على 170 عائلة في منطقة المالكية، أقصى شمال شرقي سوريا، ضمن الاستجابة الطارئة لاحتياجات الأسر المتضررة جراء السيول والأحوال الجوية القاسية المستمرة منذ 17 آذار/مارس. وأوضح أن المساعدات شملت سللاً غذائية وصحية، إضافة إلى فرش وبطانيات وحصر وسجاد ومصابيح، وذلك بدعم من الاتحاد الدولي لجمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر، واللجنة الدولية للصليب الأحمر، والصليب الأحمر البريطاني، وبرنامج الأغذية العالمي، وبالتنسيق مع محافظة الحسكة.
وتسببت فيضانات نهر الخابور وارتفاع منسوب سد الحسكة الجنوبي بأضرار واسعة في الأراضي الزراعية بمنطقة قانا جنوب الحسكة. وقال رئيس قسم العمليات الميدانية في وزارة الطوارئ وإدارة الكوارث، يوسف عزو، في تصريحات لمديرية إعلام الحسكة، إن الفرق تعمل على رفع السواتر الترابية وفتح ممرات مائية لتصريف المياه، إلى جانب إجلاء المدنيين من القرى الأكثر تضرراً. وأضاف أن غياب مراكز الإيواء في المنطقة شكّل تحدياً إضافياً أمام جهود الإغاثة، مشيراً إلى أن فرق الدفاع المدني تعمل على تأمين المستلزمات الأساسية من فرش وأغطية ومياه وأغذية وأدوية للمتضررين.
وشهدت محافظة الحسكة خلال الأسبوعين الماضيين فيضانات وسيولاً غير مسبوقة جرفت مياهها أكثر من 400 منزل في منطقة تل حميس والمناطق المجاورة.








