مخلفات الحرب في سوريا.. لماذا ما تزال الألغام تهدد حياة المدنيين؟

فايز الأسمر9 أبريل 2026آخر تحديث :
فايز الأسمر

الألغام هي القاتل المفاجئ الذي لا يرحم أحداً، وعليه بالتعريف، فالألغام هي أجهزة متفجرة خطرة توضع تحت الأرض أو فوقها، أو في الماء، وصُممت لتنفجر عند العبث والملامسة، أو اقتراب الأشخاص منها، وهي ما نطلق عليها الألغام المضادة للأفراد، أو عند مرور المركبات، وهي ما تُسمى بالألغام المضادة للدبابات والدروع.

وتُستخدم الألغام عادة في الحروب لإعاقة تقدم العدو في العمليات الهجومية، ووضعه تحت نار المدافع، وإحداث خسائر فادحة في صفوفه، كما تُستخدم أيضاً لحماية الحدود ومنع التسللات المعادية، ولا شك أن معاناة البشرية من الألغام تتلخص بأنها تبقى خطراً كامناً طويل الأمد بعد انتهاء الحروب، يفاجئ ويهدد ويحصد أرواح الكثيرين من الأبرياء، أو على أقل تقدير يسبب لهم إعاقات جسدية ونفسية دائمة يصعب أن تندمل بسهولة.

سوريا مسرح موت مؤجل

في الواقع، تُعد الأراضي السورية من أكثر دول العالم انتشاراً وتلوثاً بالألغام الأرضية والذخائر غير المنفجرة ومخلفات الحروب التي تراكمت في ظل سنوات الحرب الطويلة، وللأسف فقد أسهمت سهولة تصنيع الألغام وكلفتها المنخفضة في جعلها أداة تُستخدم بشكل مكثف من قبل أطراف الصراع والنفوذ المختلفة، دون الالتفات إلى أية حسابات أو موانع ردعية أخرى، أو حتى مجرد الاكتراث بالإعلان الواضح عن مواقعها وخرائط زراعتها، والتفكير والعمل لاحقاً على إزالة آثارها. ويبرز ذلك جلياً وبوضوح في المحافظات التي شهدت جغرافياتها اشتباكات مكثفة، وتغييرات متكررة في مواقع السيطرة أكثر من غيرها خلال سنوات الصراع الدامية الماضية.

الملايين من الشعب السوري باتوا يعيشون مجبرين في مناطق موبوءة بالألغام والذخائر غير المنفجرة، وذلك نتيجة للسنوات الطويلة من القصف الذي قام به نظام “الأسد” البائد و”روسيا”، والذي استمر لـ”14″ عاماً.

مسؤوليات الأطراف والأهداف المتضاربة

عملياً، فقد أسهمت جميع أطراف النزاع والقوى المسيطرة في “سوريا” على زراعة الألغام خلال مدة الحرب. ووفقاً لذلك، فإن مسؤولية الجهات التي قامت بزراعتها كانت على النحو الآتي:

• نظام الأسد: بدأ بزراعة الألغام بشكل مكثف منذ نهاية عام “2011” على طول الحدود مع “لبنان” و”تركيا”، كما استخدم جيش “الأسد” الألغام الأرضية والذخائر العنقودية في مختلف المحافظات السورية لتعزيز مواقعه الدفاعية وتطويق المناطق المدنية الخارجة عن سيطرته المباشرة.

• القوات الروسية: استخدمت أيضاً الذخائر العنقودية الممنوعة دولياً إلى جانب قوات النظام، ونشرتها على مساحات شاسعة نتيجة للقصف الجوي.

• تنظيم “داعش”: زرع التنظيم كميات كبيرة من الألغام والعبوات الناسفة في المدن والمناطق التي سيطر عليها (مثل الرقة ودير الزور وغيرها) قبل انسحابه منها دون إزالتها، وذلك بهدف إعاقة تقدم خصومه وترهيب المدنيين.

• فصائل المعارضة المسلحة: استخدمت فصائل الجيش الحر وفصائل أخرى الألغام في بعض المناطق، مثل إدلب وشمالي حلب ومناطق أخرى، لصد هجمات قوات النظام وحماية المناطق التي تقع تحت سيطرتها.

• القوى المسيطرة الأخرى مثل ميليشيات “إيران” و”حزب الله” وميليشيات “قسد”، وخاصة في “إدلب” وشرقي “حلب” و”الرقة” و”دير الزور” وضفاف الفرات.

الألغام عداد الموت الموقوت

لا شك أن الألغام ومخلفات الحرب تمثل أحد أخطر التحديات التي تواجه “سوريا” وحكومتها، إذ إنها تحصد وبشكل شبه يومي أرواحاً بريئة من المدنيين والعاملين المختصين في مجال فرق إزالة الألغام والتعامل الفني معها. ففي وقت سابق، أصدرت “الشبكة السورية لحقوق الإنسان” تقريراً بمناسبة اليوم الدولي للتوعية بمخاطر الألغام، حيث وثقت الشبكة فيه مقتل ما لا يقل عن “3,799” مدنياً، بينهم “1,000” طفل و”377″ سيدة، من جراء انفجار ألغام أرضية ومخلفات ذخائر عنقودية في سوريا خلال الفترة الممتدة من آذار “2011” حتى نيسان “2026”. وبيّن التقرير أن “329” مدنياً، بينهم “65” طفلاً و”29″ سيدة، قُتلوا منذ سقوط نظام بشار الأسد في “8” كانون الأول “2024”.

واستناداً إلى هذه الأرقام المخيفة، نستطيع القول إن الملايين من الشعب السوري باتوا يعيشون مجبرين في مناطق موبوءة بالألغام والذخائر غير المنفجرة، وذلك نتيجة للسنوات الطويلة من القصف الذي قام به نظام “الأسد” البائد و”روسيا”، والذي استمر لـ”14″ عاماً. وتشكل مخلفات الحرب من الألغام والذخائر غير المنفجرة تهديداً كبيراً على حياة السكان واستقرارهم، وموتاً موقوتاً طويل الأمد، بل وتؤثر بشكل مباشر ومخيف على معيشة المدنيين وتنقلاتهم ونشاطاتهم اليومية والحياتية المختلفة، وخاصة تأثيرها على عمليات التعليم والزراعة والصناعة وإعادة الإعمار، ناهيك عن تهديدها المباشر لحياة الجميع، وخاصة الأطفال والنساء منهم، وذلك لجهلهم الفطري بماهية هذه الذخائر وأشكالها المختلفة وأخطارها الكبيرة على استمرارية حياتهم الطبيعية وسلامتهم الجسدية والنفسية.

من غير الممكن تخليص سوريا من مخلفات الحرب بسهولة وبين ليلة وضحاها، وهذا أمر معروف ومفهوم وواقعي، فالعملية ليست بسيطة في كل تفاصيلها، بل هي مهمة وعمل مضنٍ معقد يتطلب جهداً وتعاوناً جماعياً طويل الأمد..

تحديات وصعوبات ومسؤوليات إزالة الألغام

بشكل عام، لا شك أن العمل الهندسي داخل المناطق المأهولة بالسكان، أو تلك التي شهدت دماراً وصراعاً طويلاً مثل “سوريا”، سيفرض على الدولة السورية والجهات المختصة تحديات خاصة لا تواجهها عادة أنظمة البحث والتنقيب عن الألغام وإزالتها في البيئات والجبهات المفتوحة أو المهدمة وغير المأهولة بالسكان.

وعليه، ومن هذا المنطلق، فهناك اكثير من المسؤوليات التي تقع على عاتق الدولة السورية والجهات المختصة من الدفاع المدني وفرق الهندسة العسكرية، التي توجب وتفرض عليهم ضرورة اتخاذ إجراءات استثنائية مضاعفة للبحث والتنقيب عن الألغام، وإيجاد التمويل الخاص بها، والعمل الجاد والهادف على طرق إزالتها والتخفيف من أخطارها، بالتعاون مع الجهات والمنظمات الدولية والمحلية، مثل منظمة هالو ترست (HALO Trust) ودائرة الأمم المتحدة (UNMAS) في “سوريا” والعالم، لتطهير الأراضي من الذخائر غير المنفجرة (ERW) والألغام الأرضية. وذلك عن طريق القيام بمسح المناطق الملوثة بالأساليب والأجهزة المتقدمة المخصصة لمثل هذه الغايات، والذي عملياً يجب أن يسير جنباً إلى جنب مع حملات إعلامية هادفة لتوعية السكان بالمخاطر الكارثية للألغام ومخلفات الحروب، والذي يشمل التحذيرات الصارمة بعدم الاقتراب منها أو لمسها والعبث غير المسؤول بها، والتعاون الوثيق والواعي مع الجهات الأمنية والجيش، وذلك عن طريق الإبلاغ عن كل الأجسام الحربية والألغام الموجودة في مناطقهم، ناهيك عن ضرورة قيام الدولة بالعمل على تدريب الكوادر المحلية اختصاصياً، وزيادة خبراتهم الميدانية بالتعامل والعمل وفق معايير السلامة الصارمة جداً مع الألغام، وتوفير الأجهزة والأدوات واللوجستيات اللازمة للتعامل الآمن مع ذلك، لضمان سلامة وأمن السكان المدنيين في كافة المناطق المتضررة.

ختاماً، في الواقع، فمن غير الممكن تخليص سوريا من مخلفات الحرب بسهولة وبين ليلة وضحاها، وهذا أمر معروف ومفهوم وواقعي، فالعملية ليست بسيطة في كل تفاصيلها، بل هي مهمة وعمل مضنٍ معقد يتطلب جهداً وتعاوناً جماعياً طويل الأمد، يشارك فيه الجميع، من المواطن العادي الذي يجب أن يتمتع بالسلوكيات الآمنة وينشر الوعي بين أفراد عائلته ومجتمعه، إلى المنظمات المحلية والدولية التي تعمل في مجال الإزالة والتوعية وتوفير الموارد، وصولاً إلى الجهات الحكومية والأمنية الرسمية التي يقع على عاتقها تنسيق هذه الجهود وتوجيهها، وصولاً إلى سوريا آمنة مستقرة خالية من الألغام ومخاطرها الكارثية.

المصدر تلفزيون سوريا

اترك رد

عاجل