التعايش الإسلامي المسيحي بين إرث التاريخ وتحديات ما بعد الحرب

شهادات شبابية تؤكد دور التعليم والحوار في إعادة بناء الثقة وتعزيز ثقافة التعدد الديني

بدر الدين المنلا10 أبريل 2026آخر تحديث :

يشكل السلم الأهلي أحد أهم الركائز الأساسية لاستقرار المجتمعات الخارجة من النزاعات، وتبرز في الحالة السورية أهمية التعايش بين المسلمين والمسيحيين بوصفه جزءاً أصيلاً من التاريخ الاجتماعي للبلاد.
عاش أبناء الديانتين في أحياء مشتركة، وتقاسموا تفاصيل الحياة اليومية من دراسة وعمل ومناسبات اجتماعية، ما أسهم في ترسيخ ثقافة الاحترام المتبادل والتعدد الديني.
إلا أن سنوات الحرب تركت آثاراً اجتماعية عميقة، وخلقت تحديات جديدة تتعلق بالثقة والخطاب الطائفي، ما دفع العديد من الشباب والناشطين إلى التأكيد على ضرورة إطلاق مبادرات تعزز الحوار لتعيد ترميم العلاقات المجتمعية.
في هذا التقرير، نستعرض آراء عدد من الشباب السوري حول واقع السلم الأهلي بين المسلمين والمسيحيين، وأبرز العوامل المؤثرة في استمراره أو تراجعه.

التعايش التاريخي… جذور راسخة في المجتمع السوري

يرى “موريس سلامة” (24 عاماً) أن التعايش بين المسلمين والمسيحيين في سوريا يمتد إلى عصور تاريخية مبكرة، حيث انخرط المسيحيون في مؤسسات الدولة منذ العصر الأموي، وكان لهم دور فاعل في الحياة الثقافية والإدارية. ويؤكد أن الثورة السورية في بداياتها انطلقت من مطالب مجتمعية عامة، ولم تكن قائمة على أساس طائفي.

بدوره، يشير “عبد الحسب دعدوش” (28 عاماً) إلى أن العلاقات الاجتماعية قبل الحرب كانت طبيعية إلى حد كبير، حيث ضمت الأحياء السكنية أفراداً من مختلف الطوائف دون وجود حساسيات تذكر، مؤكداً أن الروابط الاجتماعية والعادات المشتركة ساهمت في تقوية العلاقات بين الجميع.
أما “نور العتر” (29 عاماً) فتوضح أن الحياة اليومية قبل الحرب كانت تقوم على الاحترام المتبادل والتفاعل الطبيعي في مجالات العمل والدراسة والجيرة، الأمر الذي جعل العلاقات إنسانية بالدرجة الأولى، بعيداً عن التصنيفات الدينية.

دور المدارس والجامعات في تعزيز ثقافة التعدد

يشير “موريس سلامة” إلى أن المدارس والجامعات، خاصة في المناطق ذات التنوع الديني، أسهمت في تعزيز احترام الآخر والتعرف على خصوصياته الثقافية والدينية.
وتؤكد “لجين مسوح” (23 عاماً) أن الجامعات تحديداً تتيح فرصة أكبر للتفاعل بسبب تنوع الطلاب القادمين من مناطق متعددة، ما يعزز مفهوم التعددية والانفتاح.

العادات الاجتماعية المشتركة… روابط إنسانية تتجاوز الانتماءات

تلعب العادات الاجتماعية دوراً مهماً في تقوية العلاقات بين أبناء المجتمع، حيث يشارك المسلمون والمسيحيون في العديد من المناسبات والأعياد، إضافة إلى الروابط اليومية في الأحياء المشتركة.

وتوضح “لجين مسوح” أن الحياة في الحارات المختلطة ساهمت في بناء علاقات قائمة على الجيرة والتعاون، فيما يشير “عبد الحسب دعدوش” إلى أن نشأته في حي يضم مسلمين ومسيحيين جعلت العادات متقاربة إلى حد كبير، دون شعور بوجود اختلافات جوهرية.

تأثير الحرب والخطاب الطائفي على المجتمع

تؤكد “لجين مسوح” أن الخطاب الطائفي أثّر بشكل ملحوظ على الفئات العمرية الصغيرة، مشيرة إلى أن هذا النوع من الخطاب لم يكن منتشراً قبل الحرب.
كما ترى “نور العتر” أن الحرب خلقت حالة من الخوف وعدم الثقة في بعض المناطق، إلا أن مظاهر التضامن بين الناس استمرت رغم الظروف الصعبة.

دور القيادات الدينية… بين التأثير المحدود والمسؤولية المجتمعية

تباينت الآراء حول دور القيادات الدينية في تعزيز السلم الأهلي.
فبينما يرى “موريس سلامة” أن دورها ما يزال محدوداً على مستوى التأثير المجتمعي، يشير “عبد الحسب دعدوش” إلى أن للقيادات الدينية تأثيراً مهماً نظراً لمكانتها في المجتمع، وقدرتها على توجيه الخطاب نحو التهدئة أو التصعيد.
وتؤكد “نور العتر” أن الخطاب الديني المعتدل يمكن أن يساهم في إعادة بناء الثقة وتعزيز التفاهم بين مختلف مكونات المجتمع.

مخاوف من استغلال الدين في السياسة

ويرى “موريس سلامة” أن توزيع المناصب على أساس ديني قد يؤدي إلى تكريس الانقسام، مشدداً على أهمية اعتماد معايير الكفاءة والخبرة بدلاً من الانتماء الطائفي.
كما تشير “نور العتر” إلى أن توظيف الدين في السياسة يشكل خطراً على استقرار المجتمع ويعمّق الفجوات بين مكوناته.

إعادة بناء الثقة… الحوار والمبادرات المجتمعية

وتؤكد “لجين مسوح” أهمية تنظيم لقاءات تجمع الشباب والأطفال من مختلف الخلفيات للتعرف على عادات بعضهم البعض، فيما يرى “عبد الحسب دعدوش” أن الفعاليات المشتركة تسهم في كسر الحواجز النفسية وتعزيز التفاهم.

ويستحضر “موريس سلامة” مواقف تاريخية تؤكد وحدة المجتمع السوري، مشيراً إلى مقولة فارس الخوري خلال فترة الانتداب الفرنسي، التي عكست رفض الانقسام على أساس ديني.

دور الشباب… المحرك الأساسي للتغيير

اشار “موريس سلامة” إلى أن جيل الشباب، وخاصة مواليد (2000)، نشأ في ظروف الحرب ما يجعله أكثر إدراكاً لأهمية الاستقرار والتعايش.
كما تؤكد “نور العتر” أن الشباب قادرون على نشر أفكار قائمة على الاحترام المتبادل والعمل المشترك بعيداً عن الانقسامات.

يبقى السلم الأهلي في سوريا مسؤولية مشتركة تتطلب تضافر جهود المجتمع بمختلف مكوناته، بدءاً من المؤسسات التعليمية والقيادات الدينية، وصولاً إلى المبادرات الشبابية والمجتمعية.
ورغم التحديات التي فرضتها سنوات الحرب، فإن تاريخ التعايش الطويل يشكل أرضية يمكن البناء عليها لإعادة ترميم الثقة وتعزيز ثقافة الحوار، بما يسهم في بناء مجتمع أكثر استقراراً وتماسكاً في المستقبل.

اترك رد

عاجل