السوريون بين بهجة النصر وضغط الفقر

ماجد المحمد21 مارس 2026آخر تحديث :
ماجد المحمد

قبل خمسة عشر شهراً عاش أغلب السوريين فرحة غامرة لا أعتقد أنهم جربوا مثلها خلال قرن من الزمن، إلى أن بدأ الواقع يفرض قسوته عليهم، ويرسم ملامح الشدة على وجوههم، وبين هذا وذاك تغير الخط البياني للفرح والتصبر على نحو ملحوظ.
فقد كانت البهجة بسقوط النظام، بعد حالة اليأس التي انتابت معظم الثوريين، لا تقاس بمؤشر السعادة، إذ تجاوزت استيعاب القلب والوجدان ووصلت حد الذهول. لم يكن هذا الحدث عادياً في تاريخ سوريا، بل كان آية من آيات الله عشناها عياناً وواقعاً لم نتخيل أننا سنشهده، وذلك بعد أكثر من خمسة عقود مليئة بالقمع والإجرام والمجازر.

لقد أخبرنا التاريخ عن مآسٍ كابدها أجدادنا على يد المغول مثلاً، كما أنبأنا عن انتصارات كتحرير بيت المقدس من الصليبيين؛ ولا شك أن الأجيال القادمة ستقرأ عن هذه الحقبة التي نعيشها بما مر علينا من فظائع، وبما منّ الله به علينا من انتصار الثورة. وأما الفرق بين ما مضى من التاريخ وبين حاضرنا الذي سيغدو تاريخاً لاحقاً هو أنه نقل إلينا كتابةً، بينما ستشاهد الأجيال القادمة ما نحن فيه موثقاً بالصوت والصورة. ولا شك أن قلوب الشرفاء فاضت بمشاعر الفرح الجياشة، ولم يحرم منها إلا فئة من المجرمين والمنتفعين من التعيش على عذابات الناس التي طالت أنفسهم وأموالهم وأعراضهم.

تحت هذه الغيمة من المشاعر وبعد انحسار تسونامي الفرح، تبدت حال الغالبية العظمى من الشعب السوري فيما يتعلق بالوضع المعيشي؛ حيث تفيد إحصاءات الأمم المتحدة لعام 2025 بأن حوالي 90% من السوريين يعيشون تحت خط الفقر، وأن واحداً من كل أربعة أشخاص عاطل عن العمل. ورغم هذه الأرقام المفجعة في بلد كسوريا عرف عبر التاريخ بفائض الخيرات والإنتاج إلا أن ذلك ليس مستغرباً بعدما مرت البلاد بحالة من الحرب والاضطرابات لمدة عقد ونصف وما جرى من نهب ثرواتها واستنزافها وسرقة أرصدتها، فورثت القيادة الجديدة بعد انتصار الثورة بلداً منهكاً على كافة الأصعدة، مكبلاً بكم هائل من العقبات والعقوبات.
تلك التركة الثقيلة جعلت من أداء الحكومة الجديدة تحدياً عظيماً يغدو معه أي إنجاز مهما كان كبيراً يبدو ضئيلاً لعظم الخراب الحاصل. فيما صارت احتياجات الناس الضرورية تشكل عبئاً يثقل كاهلهم لعدم توفر الإمكانات المادية، كما أنه ليس بمقدور الدولة الوليدة، بلا مقدرات، أن تلبي حاجاتهم بحيث تصير في المتناول في حدود المعقول. فعاش السوريون حالة من القناعة بضرورة الصبر على ضيق هذه الحال معللين أنفسهم باجترار مشاعر النصر واستذكار الإنجاز العظيم لإسكات قرقرة الأمعاء ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا. وقتذاك قامت بعض الدول الشقيقة والصديقة مشكورة بتقديم مساعدات عاجلة لكنها بالطبع لا تكفي لانتشال الملايين من حالة الفقر، في الوقت الذي ظلت فيه معظم ثروات البلد خارج سيطرة الدولة لأكثر من عام من بعد التحرير، وتراجع نشاط المنظمات ومساهماتها، ناهيك عما يثار من شبهات فساد في عملها؛ فيما ساهمت تحويلات المغتربين إلى ذويهم بتخفيف وطأة هذه الحال.

أما مظاهر الاستثمارات والوفود الاقتصادية، ورفع العقوبات، فقد كانت تبث الأمل في النفوس مرة تلو مرة، وتشنف الأسماع والأبصار لالتماس إنجاز هنا وهناك على أرض الواقع، وتترقب انخفاض الأسعار والدولار وتوفير فرص عمل جديدة، إذ يتوق المواطن لرؤية ذلك عياناً. وفي الوقت الذي لا تلام فيه الدولة على عدم رفع مستوى معيشة المواطن لضعف إمكاناتها، ولا يمكن إشباع الناس بالوعود والمكملات الإعلامية، علينا أن نعترف أننا نمر بمرحلة برزخية تتطلب من جانب الناس صبراً جميلاً، وتحتم على الدولة إيجاد حلول استثنائية لتقليص مدة الصبر هذه، فليس دائماً يكون الصبر جميلاً! ومع ما نسمعه من نشاط الحكومة في العمل على خطط استراتيجية لتحقيق نهضة مستدامة في مختلف القطاعات، وهذا يتطلب إمكانات كبيرة ووقتاً طويلاً نسبياً يتعذر معه ضمان احتمال الناس لعضة الفقر، فقد تتعالى أصواتهم بالصراخ يوماً ما.

ثمة أفكار تكتيكية سريعة وغير مكلفة كثيراً من شأنها أن تؤمن حلولاً معقولة لفئات كثيرة لسد الرمق، وتؤتي ثمارها على عجل. وذلك يحتاج لمختصين في مختلف المجالات يمكنهم ابتكار ضروب من الأنشطة كإصلاح قناة ري يمكن أن تحيي مساحات واسعة من الأراضي الزراعية، أو إنشاء ورشات خياطة ونسيج وغيرها توفر فرص عمل تشكل دعماً لكثير من الأسر، وهلم جرا. وفي مقابل ذلك، يجدر بنا كمواطنين أن نساهم بجهود ولو بسيطة وغير مكلفة في ترميم كم الخراب الهائل، كل على قدر استطاعته، كعمل تطوعي في مجالات مختلفة من التشجير والدهان والإنارة والنظافة…

كما ينبغي اتخاذ قرارات عاجلة من طرف الحكومة لضبط أسعار الحاجات الأساسية للسكان والتي تنتج أحياناً عن إجراءات من بعض الجهات الحكومية والتي لا ندري هل تنم عن قلة خبرة أم هناك ضرورات تفرضها ولا نعلمها، كتحصيل رسوم جمركية على البضائع بين المحافظات وأحياناً ضمن المحافظة ذاتها! الشيء الذي يدفع المواطن ليسأل: هل هذه الحواجز الجمركية قانونية أم اجتهادات فردية؟ (حاجز القرميد شرق الرقة، مثالا).

في هذه الأيام المباركة، ندعو الله أن يرفع عنا الغلاء، وأن يعيذنا من الفقر.

اترك رد

عاجل