

بعد نجاح عملية الحسم العسكري في شرق سوريا، سواء لجهة التطبيق، نظرا لاحترافية العمل وضبط خسائره إلى أبعد حد، أو بالنظر لصدى المواقف الإقليمية والدولية الداعمة لاستعادة سيطرة السلطة المركزية على المناطق الخارجة عن سلطتها وإنهاء ظاهرة السلطات الموازية، تتجه الأنظار جنوبا إلى السويداء التي يشهد ملفها استعصاء؛ جراء سيطرة الفصائل الداعمة لشيخ العقل حكمت الهجري على الوضع الأمني ورفضها التفاعل مع خارطة الطريق التي تم إقرارها في عمان برعاية الولايات المتحدة الأمريكية في سبتمبر/أيلول الماضي، وتم التأكيد عليها في مفاوضات باريس الأخيرة في 5 و6 يناير/كانون الثاني الماضي بين الوفدين: السوري والإسرائيلي، التي أقرت آلية تنسيق مشتركة للتفاوض بشأن الجنوب السوري، بما فيه ملف السويداء.
أسهم سقوط مشروع الإدارة الذاتية الكردية بإعادة رسم معادلات القوى في سوريا، وسيكون لهذا التغير، المرفق بتغير مواقف الفاعلين الخارجيين، أثر كبير على ملف السويداء، إذ لم يعد سرا حجم التنسيق والدعم الذي تلقته قوى السويداء، المالي والعسكري، من “قسد”.
كما أن زوال مشروع الإدارة الذاتية في شرق سوريا سيضعف كثيرا من أوراق الفاعلين في الجنوب، ويظهرهم وحيدين في سوريا يطالبون بالانفصال مع انضواء بقية المكونات الأخرى ضمن هياكل وأطر الدولة.
يبدو أن إسرائيل مصرة على عدم التنازل عن ورقة السويداء، الورقة التي لم تكلفها كثيرا، حيث وجدت طرفا محليا يدعوها للتدخل؛ بذريعة إنقاذه من “حرب إبادة” يتعرض لها
إرادة دولية تدعم الدولة
يتمثل العنصر المهم في المعادلة الجديدة، بموقف إقليمي ودولي حاضن لحكومة دمشق، انطلاقا من توجه يؤيد الدولة المركزية على حساب السلطات الموازية وظاهرة قوى الأمر الواقع التي انتشرت في الشرق الأوسط، في ظل ظروف الفوضى التي ضربت المنطقة في العقد الماضي، وما نتج عنها من تنافس القوى الخارجية ولجوئها إلى الوكلاء المحليين لتأمين مصالحها في سياق تنافس جيوسياسي صفري شهدته المنطقة.
غير أن هذه التجربة انتهت بفشل كبير وضع الإقليم بكامله في قلب فوضى عارمة، ومعه أصبحت المصالح الدولية مهددة إلى حد بعيد، بعد أن طالت المخاطر عناصر تلك المصالح بشكل مباشر، ولا سيما مكامن الثروات وطرق النقل ومعابر المياه وسلاسل إمداد الطاقة والتجارة في المنطقة.
ولعبت الدول الفاعلة في المنطقة؛ دول الخليج وتركيا، عبر دبلوماسية مثابرة وحثيثة، دورا مهما في تغيير المواقف الدولية، ولا سيما الموقف الأمريكي، الذي شكل غطاء لمواقف بعض الفاعلين في سوريا، ولا سيما “قسد”.
وكان نتيجة ذلك رفع الغطاء ونهاية مرحلة خطر التقسيم الذي دعمته أطراف إقليمية على رأسها إسرائيل، لتبدأ خطوة تفكيك العملية التي استثمرت بها تلك الأطراف، وكانت “قسد” البداية.
لكن ذلك لا يعني أن حل أزمة السويداء بات بمتناول حكومة دمشق، إذ ما زالت إسرائيل عقبة أمام الحل عبر دعمها للأطراف التي تطالب بالانفصال، كما أنها تحاول إدراج أزمة السويداء ضمن أولويات أمنها القومي، وهي بذلك تعمل على إحراج الطرف الأمريكي الذي يضغط من أجل اتفاق أمني بين سوريا وإسرائيل، تنسحب في إطاره من المناطق التي احتلتها في الجنوب، وتكف عن تدخلها في الشؤون السورية.
ويبدو أن إسرائيل مصرة على عدم التنازل عن ورقة السويداء، الورقة التي لم تكلفها كثيرا، حيث وجدت طرفا محليا يدعوها للتدخل؛ بذريعة إنقاذه من “حرب إبادة” يتعرض لها، وتعمل على تعزيز موقعها في الملف السوري من خلال إجراءات من نوع، تشكيل وحدة عسكرية خاصة للتواصل مع الدروز في سوريا والشرق الأوسط، أو تقديم بعض المنح الجامعية لطلاب من السويداء، والإصرار في أي اتفاق أمني على فتح ممر آمن من الجولان إلى السويداء؛ بذريعة تقديم المساعدات المناسبة.
خيارات دمشق
أمام هذا المشهد المعقد، تبدو خيارات دمشق في التعاطي مع ملف السويداء صعبة بالنظر لضعف موقفها التفاوضي، وحسب المؤشرات المتوافرة يبدو أن دمشق تعتمد إستراتيجية تقوم على ثلاث ركائز.
- أولا: الاحتواء، عبر استمالة المكون الدرزي من خلال تقديم تسهيلات معينة، مثل القرار الصادر عن جامعة دمشق بشأن تسوية أوضاع الطلاب الذين لم يستطيعوا الالتحاق بالجامعة طيلة العام الماضي؛ نتيجة الظروف الأمنية، بالإضافة إلى الاستمرار بتقديم الخدمات كالكهرباء والماء، وإبداء الاستعداد لدفع المرتبات للموظفين شرط أن يستلموا مرتباتهم خارج السويداء.
وفي هذا السياق، أصدر محافظ السويداء مبادرة تحت عنوان: “نحو مستقبل آمن للسويداء”، تتضمن مخرجا للاستعصاء الحاصل حاليا من خلال تسوية ملف الأزمة عبر الطرق القانونية وفي إطار المؤسسات.
ورغم أن سلطات الأمر الواقع في السويداء ترفض التعاطي مع دمشق تحت أي ظرف، فإن الإدارة السورية، من خلال مثل هذه المبادرات والإجراءات تحاول استقطاب الجزء الأكبر من الدروز إلى صف الدولة، ونزع ذرائع التيار الانفصالي الذي ذهب بعيدا عبر إنتاج سردية تقول إن إسرائيل أقرب من السوريين للدروز، وأن أي تراجع عن هذه الفكرة يعني وضع الدروز على سكة الإبادة.
- ثانيا: التفكيك، عبر تفكيك الكتلة الصلبة التي تحيط بالهجري، وتشكل أهم عناصر قوته في مشروعه الانفصالي، والتي تتشكل من مجموعة الفصائل العسكرية تحت مسمى: “الحرس الوطني”، والتي بدأ انسجامها يتراجع نتيجة سياسات القبضة الحديدية التي تمارسها النواة الصلبة في هذه القوى والتي تتبع مباشرة لدائرة الهجري، والواضح أن دمشق عملت على فتح قنوات أمنية مع بعض هذه القوى، الأمر الذي يثير مخاوف الهجري وأنصاره من حصول انقلاب عليهم في السويداء.
وتراهن إدارة الشرع على ضعف فاعلية “الإدارة الذاتية” المتشكلة في السويداء، وفشلها في تأمين الخدمات الضرورية وتوفير الحماية الأمنية وانتشار الفساد، وهو ما بدأ يشكو منه الشارع الدرزي، حيث تشهد السويداء حراكا، وإن كان غير معلن، يقوده بعض وجهاء العائلات العريقة مثل آل الأطرش، وبعض رجال الدين الذين همشهم الهجري، مثل يوسف جربوع، وللدلالة على انطلاق هذا الحراك، أعلنت مجموعة من المثقفين في السويداء عن إطلاق مبادرة تحت مسمى:”التيار الثالث” دعت إلى حل أزمة السويداء في الإطار الوطني وتحت سقف سوريا الموحدة.
- ثالثا: التركيز على المسار الذي أقرته الولايات المتحدة الأمريكية في عمان والذي يؤكد على أن الحل يجب أن يكون سوريًا.
ومع أن الأمريكيين أبدوا بعض المرونة تجاه مطلب إسرائيل الداعي إلى إنشاء ممر آمن إلى السويداء واعتبار هذا الأمر في صلب المصالح الأمنية الإسرائيلية، إلا أن للأمريكيين تفسيرا خاصا، حسبما تسرب من كواليس اجتماعات باريس الأخيرة بين الوفدين: السوري والإسرائيلي، بأن لا يجري تفعيل هذا الممر إلا إذا تعرض الدروز لهجمات مباشرة من الجيش السوري.
وهو ما يفسر على أنه محاولة أمريكية لمسك العصا من الوسط، بحيث تتم طمأنة إسرائيل، وإنهاء مشروع فصل الجنوب عن سوريا.
لا شك أن نهاية “قسد” شكلت ضربة لمشروع الانفصال في السويداء، حيث سقط وهم إمكانية تقسيم سوريا بعد أن تكشف عدم وجود روافع دولية له.
لكن ذلك لا يعني أن طريق السويداء- دمشق أصبحت سالكة، إذ لا تزال الكثير من المطبات تعرقل السير في الاتجاهين، أخطرها المطب الإسرائيلي، إذ إن إسرائيل المنزعجة من إنهاء دمشق ملف “قسد” وإغلاق باب التقسيم، ستحاول تعطيل أي مسار لعودة السويداء إلى الحضن السوري.
كما أن قوى الأمر الواقع المسيطرة في السويداء، ستستشرس في مواجهة أي مشروع قد يؤدي إلى خسارتها مكاسبها السلطوية وامتيازاتها في السيطرة على الوضع في السويداء.
ورغم أداء إدارة الشرع المثالي في إنهاء ملف “قسد”، فإن المخاوف تبقى مشروعة من إمكانية الوقوع في فخ آخر في السويداء يزيد من تعقيدات هذا الملف.





