قناصون في شارع ضيق

بشير البكر9 فبراير 2026آخر تحديث :
بشير البكر

كتب الروائي جبرا ابراهيم جبرا رواية “صيادون في شارع ضيق”، ليرسم مصائر مختلطة لشخصيات تعيش في مدينة غريبة، لا تجمعها روابط، أو خيوط تشدها سوى أنها تحيا داخل دائرة واحدة. ليس هدفي هنا النسج على منواله، كي أتحدث عن حال جماعات سورية تقيم اليوم، في شروط مشابهة. من المفترض أن آفاق السوريين باتت مفتوحة بعد سقوط نظام بشار الأسد، وصار في وسعهم أن يتحاورا بلا أجندات مسبقة، يتفقون، ويختلفون من دون سكاكين واتهامات بالتخوين. لكن الأمر ليس على هذه الشاكلة لسوء الحظ، ويبدو أننا نحتاج إلى مدونة أخلاقية تحمي الخطاب من الرداءة.

يستيقظ المرء من نومه على هراء وسائل التواصل الاجتماعي، ليجد على مائدة الصباح قدرا من العجائب التي لا تجود بها حتى أكثر الكوابيس قتامة. وبدلا من أن يباشر يومه المعتاد بقراءة الصحف، وسماع الأخبار، صار يتقصى الشائعات، وحفلات النميمة والدس الرخيص. لا بريق أمل في الأفق. تبدو التفاهة مقيمة إلى أجل غير مسمى. ومن المؤسف أن حروب وسائل التواصل لم تعد تدور فقط بين أشخاص من عالم الطفيليات، كنا نتحاشى ألا نقترب منهم، بل باتت وسط عالم الثقافة، بين كتاب رواية وشعر وصحافيين يوجهون الرأي العام.

صار الرأي مجردا من القيمة، والكلمة سهلة جدا، ترمى من دون مسؤولية. لا ضير أن يصدر ذلك عن جهل وخفة، ومن عابرين في كلام عابر، لكن أن يعتاد عليه أكاديميون وكتاب وصحافيون، فلا وصف له سوى أنه فضيحة الأخلاقية، لا تقف عند فساد الرأي وانحراف الموقف، بل تنحدر نحو تحويل الحقل الثقافي والاعلامي الى ميدان قنص.

كان الظن أننا نتقدم نحو تبني قيم جديدة، نتجاوز فيها ما عاش عليه اسلافنا في السياسة والثقافة والإعلام، ونسير إلى سلوكيات تعكس ما وصلنا اليه من حصيلة معرفية، تعبر عما حققناه من إضافة نوعية على ما ورثناه من الذين سبقونا، ولكن يا للخيبة، لقد انحرفنا إلى وضع بلا مرجعيات أو حدود. كان ساسة ومثقفو وإعلاميو الزمن الذي سبقنا بقليل، قبل أن تجتاح حياتنا وسائل التواصل، يتحاورون بصوت مسموع، ويتحدثون مع بعضهم برقي. يختلفون من دون حروب الغاء، واسفاف وركاكة.

زوار الليل على وسائل التواصل، ضحايا تحولوا إلى جلادين، بعضهم كتاب لديهم روايات ودواوين شعر أو رؤساء أحزاب تنادي بالمواطنة المتساوية. رجال سياسة اليوم على قدر من الخفة، يجعل المرء يعتذر من خالد بكداش وميشيل عفلق وأكرم الحوراني وخالد العظم. كان الساسة في ذلك الزمن “خواجات” و”أكابرية”، وكنا نقسو عليهم، ونرميهم بنعوت نابية، بينما بات ساسة آخر الزمن رجال عصابات، وقطاع طرق. حصل هبوط في المستوى من زمن النبلاء إلى مقاولين ونصابين، أنزلوا السياسة والثقافة من موقعها ووظيفتها إلى مستوى خطاب رخيص، ومبتذل.

فئات تعتاش من استباحة الآخرين، وتقتات على نهش سمعة من يخالفها الرأي والموقف. تنادي بتدخل بنيامين نتنياهو ليحمي دولتي “الباشان” و “روج آفا” الكرتونيتين. لديهم مسطرة جاهزة لتصنيف الآخرين، هذا مع السلطة، وذاك جهادي، والآخر طائفي من بني أمية معادي للدروز والعلويين والأكراد. سني طائفي، عميل للنظام السوري، ومن يتامى صدام حسين، جهادي، ومن رجال قطر، فاشل في كتابة قصيدة النثر. يكفي أن يدافع المرء عن وحدة البلد، ويرفض مخططات التقسيم والانفصال والفيدرالية واللامركزية في الجنوب والشرق والغرب، المدعومة من اسرائيل، حتى يتم تصنيفه ضد حلف الأقليات الذي يلفظ أنفاسه الأخيرة في الجزيرة السورية بهزيمة “قسد” أمام أهل المنطقة.

وغير بعيد عن جوقة الشتامين والمصابين بمتلازمة تخوين الآخرين، ثمة رهط من المنظرين المتفرغين لإعطاء الدروس، يأمرون بما يجب فعله، وينهون عن قائمة من المحظورات. وبعض هؤلاء يقيم في دمشق. يمارس المعارضة من وراء خرطوم النرجيلة، يشتم السلطة على صفحات وسائل التواصل، وحتى وسائل الإعلام الرسمية. ويتهجم على من لا يعجبونه سياسيا أو ثقافيا، يسقط تهمة الموالاة على زملاء آخرين، لم يسبق أن استضافتهم وسيلة اعلام رسمية، أو صحيفة صادرة عن الحكومة.

سقط الأسد، ما الذي يمنع لو رميتم الأسلحة، ووقفتم قليلا تحت الشمس، تشربون الشاي الأسود، وتستمعون لأغاني فهد بلان، وصباح فخري، وذياب مشهور، ويسرى البدوية. انتهى الأبد الذي كان يطل فيه بعضنا إلى الآخرين من شرفة عالية. لن يستطيع أحد من الآن وصاعدا سرقة حقول النفط والغاز والقمح والقطن، أو تحويل البلد إلى سجن تعذيب. نحن أبناء اليوم وما هو مشترك بيننا يفوق مساحة وطن واحد، يحتمل سلسلة طويلة من الولادات. لو نظرنا أبعد من شوارعنا الضيقة لرأينا أن شعوبا أخرى استهدت إلى تسويات تاريخية فوق مساحات متحركة من المستنقعات، لا تتجاوز مدينة من مدننا الواسعة التي تضيق علينا بسبب القدر الهائل من الأسلحة المنشورة فوق أسطح العمارات، الموجهة لاصطياد كل الطيور التي تحلم بالتحليق الحر.

من يمثل قضية عادلة، وينطق عن ثقافة ونص ابداعي أصيل ذي عمق إنساني وحضاري، لا ينزل لمستوى مدبري الحملات المسعورة على وسائل التواصل، بل يحاور، ويرد على الفكرة بالفكرة، ويحترم الرأي الآخر، ويتعلم أصول الحوار. ومن المعيب أن يعيش المرء في أوروبا ولا يعتاد أصول الاختلاف. يظل على ما ولد عليه، يتصرف بأخلاق الحارة الضيقة، التي كبر في شوارعها، داخل القطيع.

سوريا بلد أمام حال من الخراب الشامل من جراء حكم آل الأسد. تركوها مثل عجوز مرمية في العراء. أمامنا تركة هائلة، لا حياة سياسية، أو ثقافية، أو اقتصادية. وبدلا من أن يدور النقاش هنا من أجل فتح آفاق جديدة، فإنه بات مكرسا للشيخ حكمت الهجري ومظلوم عبدي وغزال غزال. وما يعدونا به من طائفية، وانعزالية، وشوفينية وعرقية، فائضة عن حدود الشرق كله. غاب الممثلون الحقيقيون عن المسرح، وبات يعج بالممثلين العاجزين.

بلدنا مدمر، يبحث عن لحظة يستريح فيها، يتنفس قبل أن ينهض على قدميه، لكن نفراً من أبنائها لا يريدون أن يتركوها ترتاح قليلا في الضوء، بعد أن خرجت من أقبية المخابرات. يتصارعون من أجل إحياء هويات بالية.

أنقذونا من هذا اللغو العدائي الركيك الذي يطفو فوق اللحظة الراهنة. إن الذين يحلمون بالبلد الجديد يشبهون بعضهم، لهم وطن واحد، مسور بأفراح تتسع للجميع، لا أحد يولد، لا أحد يموت كالآخر. لا أحد يسلم من الانهيار، ولا أحد ينجو وحده. وحيال ذلك لسنا محايدون في هذه الزوبعة، فهي ليست خلافا على وقائع عابرة، بل حول سيادة ووحدة هذه البلاد وحريتها.

المصدر المدن

اترك رد

عاجل