
ما يبدو وكأنه انهيار لنفوذ الأكراد في سوريا يمكن فهمه بصورة أدق على أنه المرحلة الأخيرة من مسار تدريجي لخفض الدعم الأمريكي.
وقال مسؤول كردي مقرّب من «معهد واشنطن الكردي» لجو الخولِي من شبكة MBN إن هذا التحول لم يبدأ في يناير/كانون الثاني. وأضاف: «لم يكن هذا تخلياً، بل سحباً بطيئاً للضمانات. ظل الأكراد شركاء، لكنهم لم يعودوا محميين».
وأوضح المسؤول أن الولايات المتحدة كانت، منذ أشهر، ترسل إشارات تفيد بأن محاربة تنظيم داعش لم تعد المبدأ المنظِّم الأساسي لسياستها في سوريا. فقد تقدّم على أولوية الحكم الذاتي الكردي كلٌّ من إدارة المخاطر مع تركيا، والحد من النفوذ الإيراني، وتجنّب التصعيد بين القوى الكبرى. وأضاف: «عندما تغيّرت هذه الأولويات، أصبح موقعنا أضعف بنيوياً».
وأصبح هذا التحول حاسماً في منتصف يناير/كانون الثاني، حين تحرّكت قوات الحكومة السورية ضد «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد)، الائتلاف الذي يقوده الأكراد وشكّل شريكاً للولايات المتحدة في الحرب على داعش. وانضم مقاتلون من عشائر عربية إلى الهجوم، ما سرّع خسارة الأراضي التي كانت «قسد» تسيطر عليها منذ سنوات.
ومن منظور واشنطن، لم يكن القرار تعبيراً عن موافقة بقدر ما كان قبولاً بالأمر الواقع.
وقال أحد المساعدين في الكونغرس الأمريكيين والمطّلع على المداولات الداخلية، لشبكة MBN إن الإدارة لم تعتبر الهجوم تجاوزاً للخطوط الحمراء الأمريكية. وأضاف: «كانت الحدود محدودة ومحددة: حماية القوات الأمريكية، ومنع انهيار سجون داعش، وتفادي التصعيد بين الدول. وإذا تحققت هذه الشروط، فلن تتدخل الولايات المتحدة».
وقد تحققت تلك الشروط بالفعل. فلم تتعرض القوات الأمريكية لتهديد، وبقيت مراكز الاحتجاز تحت السيطرة، وظل القتال محصوراً جغرافياً. وأوضح المساعد أن هذا الانضباط كان أهم، في نظر واشنطن، من هوية القوى التي فقدت مواقعها على الأرض.
ووصف المسؤول الكردي النتيجة بأنها تجسيد لسيناريو طالما خشيه الأكراد. وقال: «كنا أساسيين حين كانت أولوية داعش هي المهمة. ومع تغيّر المهمة، أصبحنا عبئاً».
وحذّر من أن الخطر على المدى الطويل يتمثل في ارتدادات استراتيجية محتملة. فبينما قد يسهم تآكل الحكم الذاتي الكردي في تبسيط العلاقات مع أنقرة ودمشق على المدى القصير، فإنه يترك أسئلة أساسية بلا إجابة بشأن الحوكمة، وحماية الأقليات، واستدامة ترتيبات مكافحة داعش مع احتمال تقليص الوجود العسكري الأمريكي في نهاية المطاف.
ومن جانب واشنطن، أقرّ المسؤول في الكونغرس بوجود هذه المفاضلة. وقال: «هذا جزء من إدارة الأعباء. الأمر ليس بلا كلفة، لكن التقدير هو أن البدائل أسوأ، ونحن نقيّم الوضع الميداني باستمرار».
وعند سؤاله عن تفسير هذا التغيير، قال مسؤول في وزارة الخارجية الأمريكية: «يتماشى ذلك مع استراتيجيتنا الأوسع للأمن القومي، التي تقوم على تقليص الالتزامات العسكرية المفتوحة، وإدارة مخاطر التصعيد بين القوى الإقليمية والدولية الكبرى، ودفع الفاعلين المحليين إلى تحمّل أعباء الأمن بعد تأمين المصالح الأمريكية الأساسية».








