

مع اقتراب مشكلة قسد من نهايتها بفعل التطورات السريعة على الأرض، عاد الحديث عن ضرورة فرض سيادة الدولة على محافظة السويداء. لكن غالبية من يطرحون هذه الفكرة يغفلون أن الشروط على الأرض مختلفة تمامًا. وقبل هذا لا ينتبهون إلى أن هذه المحافظة العزيزة على قلوب السوريين، يعيش فيها مواطنون يجب ألا يُغفل صوتهم في أي نقاش أو حديث حولها. وأن الوضع الراهن معقد، وهو نتيجة تراكمات منذ سقوط النظام البائد، ويحتاج إلى آليات مختلفة كليًا عما طُبّق في محافظات الرقة ودير الزور والحسكة.
ما يجري اليوم في جبل العرب لا يمكن اختزاله في توصيف أمني، ولا في صراع نفوذ عابر، ولا حتى في تمرّد محلي على المركز. إنّه، في جوهره، أزمة ثقة عميقة ومركّبة، انفجرت على خلفية جرائم وانفلات وتواطؤ وصمت، وانتهت إلى وضع باتت فيه العلاقة بين المجتمع والدولة مشوبة بالخوف والارتياب.
المحافظة، بوصفها حالة سورية خاصة، تقف اليوم عند مفترق خطير: فهي من جهة تعيش تحت سلطة مجموعات مسلحة محلية فرضت نفسها بقوة الواقع، ومن جهة أخرى تقف على مسافة نفسية وسياسية متزايدة من دمشق. هذا ليس بسبب نزعة انفصالية راسخة، بل بسبب جرح لم يُعالَج، وما زال متروكاً على حاله.
المعضلة الأساسية في السويداء ليست مسألة “فرض سيادة” بالمعنى التقليدي، بل انهيار فكرة الدولة بوصفها ضامنًا للأمن والعدالة. فالمجازر والجرائم التي شهدتها المحافظة في شهر تموز العام الماضي، وتوجيه الاتهام لأجهزة الدولة الأمنية بتسهيل عمل المجرمين، أدّت إلى تدمير الأساس الأخلاقي والسياسي لأي علاقة طبيعية بين الناس والمؤسسات الرسمية القائمة.
لم تعد الدولة تُرى في وعي شريحة واسعة من المجتمع بوصفها حماية، بل باتت تُستدعى في الذاكرة بوصفها خطرًا محتملًا أو مسهّلًا له. لا بل إن البعض يرى أن الواقع تجاوز فكرة العلاقة مع “هذه الدولة” باتجاه طلب الاستقلال.
هذه القطيعة النفسية لا يمكن إنكارها أو تجاوزها بالشعارات، لأنها ليست موقفًا أيديولوجيًا، بل نتيجة تجربة ملموسة. وهي لم تتشكّل فقط بفعل ما فعلته الدولة أو امتنعت عن فعله، بل تعمّقت بفعل شعور واسع داخل السويداء بأنّها تُركت وحيدة في لحظة غدر. حين تعرّض المدنيون لجرائم وانتهاكات ارتكبتها فئات محسوبة على وزارتي الداخلية والدفاع، لم يشعر كثيرون أن بقية المجتمع السوري وقف إلى جانبهم بالقدر الكافي؛ لا في الشارع، ولا في الخطاب العام، ولا في الضغط الفعلي من أجل المساءلة.
هذا الإحساس بالعزلة، حتى وإن لم يكن دقيقًا بالكامل، تحوّل إلى عنصر بنيوي في الوعي الجمعي. وأسهم في تكريس شعور بأن السويداء تُترَك لمصيرها عند وقوع الانتهاكات، ثم يُنتظر منها لاحقًا أن تضبط نفسها وتتحمّل وحدها تبعات ما جرى، من دون أن تُقابَل تلك المطالبة بمساءلة حقيقية للفاعلين.
ويزداد هذا الشك عمقًا مع الغموض الذي يحيط بعمل لجنة التحقيق التي شكّلتها الحكومة على خلفية ما جرى. إذ لم تُعلَن حتى الآن نتائج واضحة لتحقيقاتها، ولا ما اتُّخذ من إجراءات فعلية بحق المتورطين. هذا الصمت الرسمي، بدل أن يساهم في تهدئة النفوس، عزّز الانطباع بأن العدالة مؤجّلة أو انتقائية، وأسهم في ترسيخ القناعة بأن الدعوة إلى إعادة بناء العلاقة مع دمشق لا تستند إلى مسار محاسبة حقيقي، بل إلى تجاوز جديد لما حدث.
ويجب التوقف هنا عند نقطة أساسية كثيرًا ما تُغفَل في النقاش العام، وهي أن الجرائم والانتهاكات التي وقعت في السويداء لم تستهدف الدروز وحدهم. فالمجتمع البدوي، الذي يعيش منذ وقائع العام الفائت حالة تهجير وتهميش مشابهة لما يعيشه الدروز المهجّرون من قراهم، يقدّم بدوره مطالبات واضحة بالاقتصاص من مجرمين الطرف الآخر، الذين اعتدوا عليه وارتكبوا جرائم مباشرة بحق أبنائه. إن تجاهل هذه المطالب، أو التعامل معها بوصفها هامشية، لا يكرّس الظلم فحسب، بل يعمّق الانقسام المجتمعي، ويحوّل الجريمة من واقعة جنائية يجب محاسبة مرتكبيها إلى مادة إضافية لتفكيك النسيج الاجتماعي في المحافظة.
صحيح أن قطاعات واسعة من النخب السورية، السياسية والثقافية، أعلنت مواقف واضحة معارضة لما جرى، ورفضت الجرائم والانتهاكات. لكن هذا الموقف النخبوي ظل، في نظر كثيرين، معزولًا عن المزاج الشعبي العام، وغير قادر على تحويل الإدانة الأخلاقية إلى ضغط فعلي يبدّد الإحساس بالخذلان.
وقبل هذا كله، لا يمكن قراءة المشهد في السويداء من دون التوقف عند الدور الذي لعبته القيادة الروحية المتمثلة بالشيخ حكمت الهجري. فقد وضعت منذ وقت مبكر حاجزًا سياسيًا ونفسيًا واضحًا بينها وبين الحكومة في دمشق. هذا الحاجز، الذي لم يكن مبرّرًا في نظر غالبية السوريين الذين رحّبوا بالسلطة الجديدة، تحوّل مع الوقت من أداة حماية مشروطة إلى عامل إغلاق كامل، ساهم في تجميد أي مسار تفاوضي أو تنظيمي يمكن أن يحدّ من الفوضى.
الأخطر من ذلك أن هذا الموقع المؤثر، وفّر مشروعية ضمنية لتصرّفات فصائل مسلحة غير منضبطة. وكرّس مظلة حماية لبعض الضباط والشخصيات الأمنية من فلول النظام السابق، من دون مساءلة أو محاسبة. وبهذا المعنى، لم يعد السلاح “أداة دفاع”، بل تحوّل إلى سلطة قائمة بذاتها، تعمل خارج أي أفق سياسي أو قانوني.
هذا المسار المركّب أدّى إلى نتيجتين بالغتي الخطورة: الأولى، تكريس سلطة محلية مسلّحة تُنهك المجتمع اقتصاديًا وأمنيًا، وتنتهك حقوق مواطنيه عبر الاعتقالات والاعتداء على مثقفيه وناشطيه. والثانية، نشوء فئة متطرّفة داخل صفوف بعض مؤيدي الدولة، تنظر إلى السويداء بوصفها منطقة “خارجة” أو “غير وطنية”، لا بوصفها مجتمعًا جريحًا يطالب بالأمان والعدالة. وهكذا، وُضعت السويداء بين تطرفين: تطرف السلاح في الداخل، وتطرف الخطاب الإقصائي في الخارج.
ويزداد المشهد تعقيدًا مع بروز مواقف صادرة عن جهات درزية خارج سوريا، ولا سيما في لبنان، باتت تؤكد أن إعادة بناء العلاقة مع دمشق ضرورة لا مفرّ منها لدروز سوريا. قوبلت داخل السويداء برفض شعبي واضح، لا رفضًا لمبدأ العلاقة مع المركز، بل اعتراضًا على دور وساطي يُنظر إليه بوصفه منحازًا. ويتجلّى هذا الرفض بشكل خاص تجاه وليد جنبلاط، الذي ترى فيه قطاعات واسعة من أبناء السويداء شخصية سياسية متواطئة مع السلطة في دمشق، أو على الأقل مساهمة في تغطية سياساتها، ومحاولة إعادة تعويم العلاقة معها من دون أي شروط تتعلق بالمحاسبة أو العدالة. من هذا المنطلق، لا يُنظر إلى هذا الدور كوساطة حريصة على المجتمع المحلي، بل كجزء من ترتيب سياسي يُراد له أن يمرّ فوق الجراح، لا أن يعالجها.
في هذا الفراغ السياسي والنفسي، برز خطاب تروّجه المجموعات المسلحة المسيطرة حاليًا، يقوم على فكرتين متلازمتين: التلويح بـ”الاستقلال” أو الكيان الخاص، والإيحاء بوجود دعم إقليمي، وتحديدًا إسرائيلي، لهذا المسار. هذا الخطاب لا يهدف إلى بناء مشروع سياسي قابل للحياة، بل إلى تثبيت سلطة السلاح ومنع مساءلتها.
فكرة الاستقلال، في السياق الجغرافي والسياسي والاقتصادي للسويداء، غير متفق عليها من قبل الجميع، وهي ليست أكثر من وعد كاذب. محافظة بلا منفذ، بلا موارد سيادية، وبلا اعتراف دولي، لا يمكن أن تشكّل كيانًا مستقلًا فعليًا. أمّا الحديث عن دعم إسرائيلي، فهو أكثر أشكال التضليل خطورة. إذ إن إسرائيل، وفق منطق مصالحها الثابت، لا تدعم كيانات مستقلة هشّة، بل تفضّل مناطق رخوة ومفككة، قابلة للاختراق، من دون تحمّل كلفة سياسية أو أمنية مباشرة.
بهذا المعنى، يُستخدم خطاب الاستقلال كأداة تعبئة داخلية، لا كمشروع واقعي، ويُستثمر لتخوين أي صوت يعارض سطوة السلاح أو يطالب بإعادة ربط المجتمع بالدولة ضمن شروط جديدة.
السويداء اليوم عالقة بين خوفين متناقضين: الخوف من سلطة السلاح المحلي، التي باتت عبئًا اقتصاديًا واجتماعيًا وأمنيًا متزايدًا، والخوف من عودة الدولة بالشروط القديمة، أي من دون محاسبة، ولا اعتراف، ولا تغيير في طبيعة العلاقة.
هذا التناقض يفسّر حالة التململ المتصاعدة داخل المجتمع، ورفض قطاعات واسعة الاستمرار في عزلة خانقة عن المركز، في وقت بات فيه الانفصال الاقتصادي عن دمشق سببًا مباشرًا في تدهور المعيشة وانسداد الأفق.
من الضروري القول بوضوح إن الحلول السطحية لن تنجح. التدخل الأمني الصرف سيُقرأ بوصفه عقابًا جماعيًا، لا استعادة للنظام. والوعود العامة غير المقرونة بخطوات ملموسة لن تعيد الثقة. كما أن التعامل مع زعماء المجموعات المسلحة بوصفهم “ممثلي المجتمع” لن يؤدي إلا إلى تكريس منطق الميليشيا وإضعاف أي تمثيل مدني حقيقي.
إذا كانت فكرة الاستقلال غير قابلة للحياة، كما لا يمكن العودة بالشروط السابقة، فإن الحل الوحيد الواقعي يمر عبر إعادة تعريف دور الدولة في السويداء، لا بوصفها قوة سيطرة، بل بوصفها ضامنًا للعدالة والأمن والعيش.
الخطوة الأولى يجب أن تكون قانونية قبل أن تكون أمنية: فتح ملفات الجرائم السابقة بآليات شفافة، والإعلان الصريح أن لا حصانة لأحد، أيًا كان موقعه أو ذريعته. العدالة هنا ليست ترفًا أخلاقيًا، بل شرطًا سياسيًا لاستعادة الثقة.
في الوقت نفسه، لا بد من فك الارتباط بين المجتمع والسلاح، عبر مسار تدريجي ومدروس، يشمل نزع السلاح مقابل ضمانات قانونية ومعيشية، وعفوًا مشروطًا، ودمجًا محدودًا ومنضبطًا، لا انتقاميًا ولا فوضويًا.
لا يمكن لأي حل أن ينجح من دون إعادة وصل السويداء اقتصاديًا بالمركز. تسهيل حركة البضائع، إعادة الخدمات، دعم الزراعة والتجارة، خطوات قادرة على تحويل الدولة من فكرة مجرّدة إلى حضور ملموس في حياة الناس. فحين يشعر المواطن أن الدولة تخفف عنه، لا تعاقبه، تبدأ الثقة بالتحرّك.
السويداء ليست مشكلة أمنية تبحث عن قوة إضافية، بل جرح ثقة يحتاج شجاعة سياسية. وأخطر ما تواجهه اليوم ليس احتمال الانفصال، بل الوعد الكاذب بالاستقلال، ولا القطيعة مع دمشق بحد ذاتها، بل الإصرار على عودة بلا ذاكرة ولا عدالة. بين تطرف السلاح في الداخل، وتطرف الخطاب الإقصائي في الخارج، يبقى الخيار الوحيد الممكن هو بناء علاقة جديدة، تقوم على الاعتراف، والمساءلة، والشراكة، لا على القوة ولا على النسيان.





