ما بعد روج ـ آفا.. عن كرد الجزيرة السورية وعربها

ياسين الحاج صالح22 يناير 2026آخر تحديث :
ما بعد روج ـ آفا.. عن كرد الجزيرة السورية وعربها
الكاتب والمعارض السوري ياسين الحاج صالح

دخلت محافظات منطقة الجزيرة في سوريا، الرقة ودير الزور والحسكة، وأسماء أحياء منها ومناطق تابعة لها، التداول الإعلامي العربي على نطاق واسع في الأيام الأخيرة، بفعل الانهيار السريع لسلطة «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) التي تحكمت بالمنطقة منذ عام 2017. يخطئ المذيعون في لفظ أسماء المناطق والأحياء، ويصحح لهم أحيانا المراسلون المحليون. لكن الأمر لا يقتصر على أن المنطقة غير معروفة عربياً، فالواقع أنها غير معروفة سورياً بقدر كبير. في السنوات الأخيرة راج الكلام على منطقة شرق الفرات امتثالاً للتسميات الأمريكية المنفصلة عن معرفة السكان المحليين وذاكرتهم وتسمياتهم لمناطقهم كأوجه لامتلاكهم لها. والتعبير راج بين سوريين كذلك، عاند بعضهم في اعتماده حتى حين كان يجري تصحيحه لهم.
بعد سقوط الحكم الأسدي تواتر أن شرح سوريون لا يعرفون «الخمسة من الطمسة» عن الجزيرة ما هو التفكير الصحيح والموقف الصحيح مما يجري هناك، وهذا مثلما تواتر خلال سنوات ما بعد الثورة السورية لأوروبيين وأمريكيين، ولأتراك في واقع الأمر، أن يشرحوا لسوريين ما كان يجري حقاً في سوريا. ولا يتبين المرء أساساً لهذا التخويل الذاتي أو السلطة المعرفية الذاتية، لكننا نعلم أن مثل هذا ميز الخبراء الاستعماريين في أزمنة خلت. وهو في الحالين وجه معرفي لتجريد السكان من الملكية ومن الكيان، أو ببساطة لسلبهم أي سلطة على بيئاتهم وحياتهم، تسمية وامتلاكا وإدارة، وهذا مع مراتبة السكان المختلفين بحيث تستحق حياة بعضهم الحداد ولا تستحقه حياة بعضهم الآخر (نحيل ضمناً إلى عمل جوديث باتلر). هناك حديث طويل وذو شجون بخصوص هذه العنصرية المحلية التي يحدث أن تنتحل أقنعة تقدمية وتنويرية، وربما نعود إليه يوماً.
المشروع الذي جسد نزع التسمية ونزع الملكية هو مشروع قسد، وعمودها الفقري تنظيم الاتحاد الديمقراطي، الفرع السوري لحزب العمال الكردستاني. وبينما يسمى هذه المشروع بالإدارة الذاتية في إحالة ضمنية إلى أدبيات مجالسية وأناركية وبيئية، فإنه لم يكن له من اسمه نصيب يذكر. كان في حقيقته إدارة تسلطية، مفرطة المركزية، وغير ذاتية إن كان المقصود بذلك أن يكون السكان المحليون هم الذات السياسية المديرة لشؤونهم. كان أصوب لو وصف بأنه حكم تسلطي خارجي، وهو انهار بسهولة لهذا السبب بالذات: لأنه حكم خارجي، لا نفاذ لعموم السكان إلى آليات التمثيل وصنع القرار فيه.
ولا أدل على الصفة الخارجية من نسف جسري الرقة الذي لم يأت في إطار خطة عسكرية للتحصن والمقاومة في المدينة أو حتى تعويق القوات الحكومية التي لم تكن وصلت إلى الرقة حين أخذت قوات قسد بالانسحاب منها. كان أحمد مولود الطيار، الصحافي الرقاوي المتعاطف مع قسد فيما سبق قد زار الرقة قبل أشهر قادماً من ملجئه في كندا، وقد كتب في تحقيق له عن الزيارة أنه قال لمن قابلهم من أصحاب السلطة في قسد إنه لا أحد من أهل المدينة يحبهم، وشبههم بمستأجر لا يقوم بأي صيانة في العقار الذي يقيم فيه لأنه يعرف أنه مغادر بعد حين.
في التعامل مع الأهالي، كان حكم الإدارة الذاتية استمراراً للحكم الأسدي، يتسلط عليهم ولا يخاطبهم أو يعمل على صنع قضية مشتركة معهم. ماذا كانت الحال في سنوات الحكم الأسدي؟ ذكرت في مقالة سابقة هنا أن الجزيرة كانت مستعمرة داخلية، مستغلة اقتصادياً، محدودة التمثيل السياسي، ومحتقرة ثقافياً. وطوال عقود كان يجري التفكير في المنطقة كموارد نفطية ومائية، ومصدر أساسي للقمح. هذا المنطق التشييئي، الاستعماري بالفعل، مستمر إلى اليوم، وإن كانت ترتفع أصوات غاضبة من «جزراويين» ضده، يُذكِّرون بأن في المنطقة بشراً وليس موارد مادية فقط.

ما قد يكسب بوسائل عسكرية يتعين إعادة كسبه بوسائل سياسية ومعنوية، توفر للطرف الخاسر أن يندمج مصون الكرامة والحقوق في النظام الفائز

من المهم قول ذلك اليوم لأن الاستمرارية قد تمتد إلى المستقبل، وتعامل المنطقة من جديد كموارد يمتلكها المركز، لتبقى أفقر المناطق السورية أفقرها. وما يثير مخاوف في هذا الاتجاه هو إصرار الحكم الجديد على مركزية متصلبة، لا تبدو مقتصرة على النطاق السيادي. كان قد أفسد النقاش حول اللامركزية بعد سقوط الحكم الأسدي شيئان: أولهما أنه قلما كان نزيهاً أو مدفوعاً بدوافع ديمقراطية فعلاً، تحيل على ملكية السكان لمناطقهم وإدارتهم لها، وأولوية تخصيص الموارد المحلية لتنميتها، بخاصة حين تكون هذه المناطق فقيرة ومهملة. وثانيهما الغفلة عن أن اللامركزية لا تعمل بشكل جيد إلا حين يكون المركز قوياً، ما يقتضي الدفاع عن وحدة السيادة في البلد كسند لتعدد السياسة والتمثيل الأوسع للسكان، ليس على المستوى الوطني فقط بل وعلى المستويات المحلية كذلك. لقد استخدمت دعوى اللامركزية ومثلها الفدرالية استخداماً أداتياً، وفي سياقات كانت تبرر أو تدعو صراحة إلى الانفصال.
ومع ذلك فإن فساد النقاش ونقص نزاهته لا يطعن في الحاجة إلى قدر كبير من اللامركزية في سوريا، يجعل منها بلداً متعدد المراكز التنموية والاقتصادية والخدمية. والسياسية كذلك. المركزية في سوريا اقترنت في الزمن البعثي والأسدي بحكم تسلطي، كان قمعياً سياسياً وفاشلا تنموياً وبالغ الفساد. مسألة اللامركزية هي ملكية السكان المحليين تفضيلياً لمناطقهم ومواردها، وليست ذلك الاستخدام الأداتي الكاذب الذي يوزع الجدارة بالحياة وبالحداد وفق أهوائه.
من شأن تطورات الأيام الأخيرة، من بسط السلطة المركزية على مناطق واسعة من الجزيرة، أن يصوب النقاش حول اللامركزية ويدفع إلى نقاش مستقيم حول القضية الكردية في سوريا. بعيداً عن أن يكون انهيار سلطة قسد خسارة للكرد السوريين، يمكن بالعكس أن يحررهم من مشروع هلامي مزايد، وأن يفرض القضية الكردية كقضية لا تقبل الاختزال ولا يمكن القفز فوقها على أجندة النقاش العام في سوريا. هنا يكتسب الكلام على اللامركزية كثافة ووجاهة تجمع بين الاعتبارات الديمقراطية والتنموية العامة وبين حاجة الكرد السوريين إلى وضع خاص، أو «إدارة ذاتية» حقيقية في مناطقهم. المشكلة التي يعرفها جيداً من يهتمون بأن يعرفوا من السوريين وغير السوريين هي أنه ليس هناك إقليم كردي متواصل في سوريا، يشبه من قريب أو بعيد كردستان العراق.
هناك مواطن كثافة كردية غير متواصلة جغرافياً في شمال شرق وشمال غرب سورية. أما روجآفا فكانت اختراعاً أملته عواطف قومية ملتهبة، أظهرت مثل نظائرها في كل مكان نزعات توسعية وقت كانت بالكاد تقف على قدميها، وكانت حتى وقت قريب تماهي بكامل منطقة الجزيرة، وبعض أجزاء حلب، وأحياناً المدينة بكاملها. تصور روجآفا لا يصلح أساساً لمعالجة القضية الكردية في سوريا، نقترب من المعالجة بالتخلي عنه بالأحرى.
هناك مشكلة عربية كردية في الجزيرة لم تكن قسد والإدارة الذاتية علاجاً لها، بل أقرب إلى استمرار للأسدية في هذا الشأن (وهي أثبتت ذلك لمن يحتاج إثباتاً بأن منعت أهالي لمنطقة من الاحتفال بسقوط النظام، وعزلتهم عن المتن السوري، كما رحبت بأسديين مسلحين في صفوفها). وبعد انحصار مشروع حزب الاتحاد الديمقراطي في محافظة الحسكة وفي كوباني ـ عين العرب، المخاطر على أشدها لجولة حربية قد تلحق من الدمار بالمحافظة التي نجت منه ما سبق أن لحق بدير الزور والرقة. هذا أولى ما ينبغي تجنبه.
للسلطات في دمشق يمكن لـ«جزراوي» مثل كاتب هذه السطور أن يقول: النصر سياسي وسياسي حصراً، وما قد يكسب بوسائل عسكرية يتعين إعادة كسبه بوسائل سياسية ومعنوية، توفر للطرف الخاسر أن يندمج مصون الكرامة والحقوق في النظام الفائز. وعنوان التفاوض والتسوية المأمولة مع القوى الكردية المسلحة يمكن أن يكون: لا شيء من السيادة، نعم، لكن 100٪ من السياسة، أي كل الحقوق الفردية والجمعية ومعه «إدارة ذاتية» في مناطق الأكثرية الكردية. ولنخبة قسد ربما يقول إن الهزيمة كذلك سياسية حصراً، وإنهم هزموا أنفسهم سياسياً قبل أن يهزموا عسكرياً في حلب وشرقها والجزيرة لأنهم لم يكونوا مستقيمين، ولم يدافعوا عن برنامج معقول (وقد يعود ذلك جزئيا إلى أنهم غير موحدي الكلمة، وأن الجناح القنديلي قد يكون أقوى كلمة من الجناح السوري). والعنوان هنا هو نفسه: كل السياسة، ولكن دون سيادة إضافية في دولة واحدة. وهم يحسنون إلى أنفسهم وإلى الكرد السوريين، وإلى سوريا ككل، بفك الارتباط التام مع حزب العمال الكردستاني في تركيا. الجماعة في حاجة إلى سياسة بديلة، تدافع عن المساواة الحقوقية والسياسية لنحو مليونين ونصف المليون من الكرد في سوريا مع غيرهم من السوريين.

المصدر القدس العربي

اترك رد

عاجل