الاختراق الكبير

أحمد عزام21 يناير 2026آخر تحديث :
الاختراق الكبير

قبل أيام ظهر فيلم وثائقي على قناة الجزيرة بعنوان الاختراق الكبير، سبقته تسريبات قصيرة فاضحة لرجالات النظام السوري البائد. ثم يأتي الفيلم كاملاً بوصفه أرشيفاً ضخماً من المكالمات والرسائل والوثائق.

البطل هنا شاب سوري استخدم اسماً مستعاراً، عاكف. تقمص دور ضابط في الموساد، وبنى العلاقة خطوة بخطوة مع قيادات لم تستيقظ بعد من كابوس السقوط المفاجئ، حتى صار اسمه في الدردشات أشبه بـ باب نجاة يُنتظر خلفه المال والسلاح والغطاء. المفارقة أن العملية لم تكن تقنية فقط، بل كانت مسرحاً نفسياً، واختباراً لكيف يتكلم المجرمون المهزومون عندما يظنون أن القوة المطلقة تسمعهم.
الخط الأول الذي يظهر بسرعة هو خط الاستجداء. أغلب الذين ظهروا في المشاهد، بصرف النظر عن رتبهم، يبدأون من النقطة نفسها، نحن جاهزون للعمالة، فقط أعطونا ما يلزم من مال وسلاح ولوجستيات. ثم شيء أكثر أهمية من كل ذلك، يطلبون اعترافا، اعتراف بأنهم ما زالوا لاعبين. هنا يصبح معنى الوطن، عند بعضهم، ليس أرضاً ولا مجتمعاً، بل فرصة ثانية للعودة إلى منصة السيطرة. ثم يتحول الاستجداء إلى شيء أشد فظاعة، وهو تقديم الذات بوصفها مكوّناً لا يريد دولة، بل يريد مظلة. ليس لأن المظلّة حلّ سياسي، بل لأنها مخرج نفسي من الهزيمة.
هنا نصل إلى النقطة التي لا تُقرأ سياسياً فقط، بل نفسياً واجتماعياً. في الأنظمة الشمولية لا يتعلّم الفرد علاقة طبيعية بالدولة، بل علاقة بالعُلوّ: التسلسل، الولاء، الغلبة. وحين تسقط السلطة لا يسقط معها الحكم فقط، يسقط معها المعنى أيضاً. يكتشف بعض الذين صنعهم النظام أنه لا يملك في داخله فكرة وطن، بل فكرة راعٍ. فإذا اختفى الراعي القديم، يبدأ البحث المحموم عن راعٍ جديد. من يدفع؟ من يحمي؟ من يعيدني إلى الواجهة؟ وعند هذه الأسئلة، يصبح كل شيء قابلاً للبيع، لأن البضاعة الأصلية كانت السلطة لا الوطن.
الفيلم يعرض أيضاً شيئاً يكاد يكون مكشوفاً جداً: الفلول لا يتعاملون مع إسرائيل (كما اعتقدوا) كعدو، بل كمرجعية. وبينما تتصادم شعاراتهم القديمة مع واقعهم الجديد، يبدأون بتنظيف سيرتهم أمام ضابط الموساد المزعوم، التنصل من إيران، التنصل من حلفاء سابقين، تقديم أنفسهم بصورة منضبطة ومتقاربة حضارياً مع العدو “المصاب بآفة الهمج الشرقيين”. ليس المهم هنا صدق الادعاء. المهم هو الحاجة النفسية إلى أن يكونوا مقبولين في عين القوة الجديدة.
ومن أكثر المشاهد دلالة، حين يبدأ “المجلس العسكري لتحرير الساحل” وغيره بالتشكل، بدا وكأنه يستمد جرأته بالاعلان عن نفسه من مجرد وهم أن الموساد يتحدث معهم. هذا يشرح شيئاً بسيطاً ومخيفاً، وهو أن بعض البنى كانت تنتظر كلمة سر معنوية كي تظهر. ليست كلمة مرور تقنية، بل كلمة مرور نفسية، نحن محميون، إذاً يمكننا أن نعلن عن مشروعنا بلا خوف. هنا يصبح “عاكف” ليس مخترقاً فقط، بل مرآة. هو لم يصنع أفكارهم، فقط منحها الضوء الذي تحتاجه كي تتبجح.
ولأن الفيلم مبني على آلاف الدقائق، فهو يكشف أيضاً مرضاً قديماً مترسباً منذ عهد النظام البائد، ألا وهو الفساد والتهويل والكذب الداخلي. الأرقام تتضارب في لوائح المقاتلين، القيادات تتنافس من الأحق بالتمويل، وكل طرف يلمّح أنه الأقدر والأكثر شعبيةً والأقل هروباً في المواقف الحرجة. أي أنهم حتى وهم يتحدثون عن انقلاب، يتحدثون كوسطاء سوق، من يُدفع له أكثر؟ من يحصل على الدعم أولاً؟ من يأخذ “الفرصة العظيمة” وحده؟
إذاً ما الذي اختُرِق هنا بالمعنى المجازي؟ ثلاثة أشياء:
أولاً: اختُرِقت صورة الصلابة. ظهر أن كثيراً من هذه الشبكات لا يحكمها مشروع سياسي بقدر ما يحكمها حنين للسلطة، واستعداد لتبديل الراعي متى تبدّل ميزان القوة.
ثانياً: اختُرِقت فكرة الممانعة – هذه المرة علناً – التي رُفعت طويلاً. فحين يكون الضامن الخارجي هو نفسه العدو، لا تعود الشعارات سوى قشرة، والقشرة تسقط بسرعة حين يلوّح أحدهم بالمال وبالخلاص.
ثالثاً: اختُرِق الضمير في لحظة صريحة جداً. يقول سهيل الحسن – لـ “عاكف” ضابط الموساد المزعوم – وهو يصفق لإبادة غزة: “نريد المزيد، اقضوا عليهم وأبعدوهم ولا تقبلوا بأقل من هذا، هؤلاء أبناء النجس والقذر ولا يؤتمنون”، ثم يطلب حماية لمكونه باسم الحضارة والانضباط. هنا لا نتعامل مع تحليل سياسي فقط بل نتعامل مع نفس مكسورة أعادت تعريف الأخلاق على مقاس خوفها.
الفيلم يفضح أفراداً، نعم، لكنه يفضح قبل ذلك شروطاً جعلت هذا النوع من الأفراد ممكناً. وحين نقول شروطاً، لا نقصد تبرئة. نقصد أن الخيانة لا تولد من فراغ، بل من مجتمع أنهكته السياسة حتى غابت، ومن دولة لم تتشكل بوصفها وعداً مشتركاً، بل كسلطة تُحكِم قبضتها ولا تُناقَش. ومن هذا التاريخ الطويل يخرج بشر لا يفهمون الحرية، بل يبحثون دائماً عمّن يمنحهم قبضة أقوى.
ولذلك، إذا أردنا أن نستفيد من هذه المادة الوثائقية حقاً، فالمطلوب ليس فقط أن نتلذذ بالفضيحة. المطلوب أن نفهم ما الذي يمنع تكرار هذه البنية. كيف لا نترك المعنى يسقط مع سقوط الحكم؟ كيف نكسر السلسلة التي تنقل الناس من سلطة ساقطة إلى ارتهان جديد ؟ وكيف نبني سياسة تجعل الانتماء أقوى من الضامن وأقل حاجة إلى الراعي؟
فالسؤال الأكبر ليس كيف اخترق “عاكف” شبكات الفلول؟ بل لماذا كان الاختراق ممكناً إلى هذا الحد؟ ولماذا كانت الاستجابة سريعة إلى هذا الحد؟ لأن الرغبة في العودة إلى السلطة تعمل في كثير من الأحيان مثل إدمان، تُعمي صاحبها عن الحسابات، وتجعله يرى في أي يد تمتد إليه خلاصاً، حتى لو كانت اليد تحمل سكيناً.
في النهاية، قد يكون الفيلم اسمه الاختراق الكبير، لكن الاختراق الحقيقي ليس اختراق حسابات. الاختراق الحقيقي هو اختراق فكرة الوطن حين تصبح قابلة للمساومة في غرفة دردشة، واختراق معنى الدولة حين يختصره البعض إلى مظلة خارجية، واختراق الضمير حين يستطيع أن يصفق لإبادة شعب ثم يطلُب في اللحظة نفسها الاحتماء بدولة أبارتهايد تحتل أرضه، ويعرض نفسه تابعاً لها باسم الحضارة والانضباط. هذا هو الاختراق الذي يستحق أن نخاف منه، لأن القضاء على شبكة تآمر أسهل كثيراً من القضاء على عقلية. والعقلية لا تُهزم بالأمن وحده، بل بالسياسة حين تعود إلى مكانها الطبيعي، شراكة وتمثيل وقانون، لا إدارة أمنية ولا ضمانات فوق الدولة.

اترك رد

عاجل