حاجة السوريين إلى ثالوث الوضوح والمصداقية والالتزام

عبد الباسط سيدا7 يناير 2026آخر تحديث :
حاجة السوريين إلى ثالوث الوضوح والمصداقية والالتزام

ليس الوضع الداخلي السوري على ما يُرام، ومؤشّرات قوية يُستشفّ منها أن هذا الوضع سيزداد سوءاً ما لم نُقرّ بهذه الحقيقة الماثلة أمام أعيننا جميعاً، وظللنا نكابر ونتباهى بانفتاح القوى الدولية على الإدارة السورية الجديدة؛ وهو انفتاح لم يترجم واقعاً ملموساً يخفّف من معاناة السوريين المعيشية، رغم إلغاء قانون قيصر، والحديث المستمرّ عن مشاريع استثمارية لا يعلم معظم السوريين طبيعتها وشروطها والجهات المعنية بها أو المستفيدة منها. فالأوضاع المتوتّرة المتفاقمة في منطقة الساحل، منذ الأحداث المؤسفة في مارس/ آذار الماضي (2025)، تنذر بمزيد من الاحتمالات السوداوية التي لن تكون، على الأرجح، في مصلحة وحدة السوريين شعباً وأرضاً، ما لم تكن هناك معالجة أكيدة توجِب حواراً وطنياً حقيقياً، وتفهّماً مسؤولاً للحاجات والهواجس، وتجاوزاً لعقلية تسويق سرديات تبريرية تُركّز في التفاصيل الهامشية، وتتجاهل الأسباب المحورية الأساسية الواضحة لكلّ مَن يمتلك قدرةً متواضعةً على الاستقراء والتحليل والاستنتاج.

السوريون في حالة انتظار، يترقّبون مآلات الوعود، ويتطلّعون نحو الأمن والاستقرار وتحرّك العجلة الاقتصادية

والعلاقة غير السوية بين السويداء وإدارة الرئيس أحمد الشرع، نتيجة احتقانات وشكوك وتوجّسات متراكمة، منذ الأحداث المؤلمة في يوليو/ تموز الماضي، هي الأخرى تضع السوريين وبلادهم أمام مخاطر حقيقية، سيّما بعد الدخول الإسرائيلي القوي على الخطّ. وهي مخاطر لن تُحلّ بالمجاملات الخاوية، أو التجاهل، أو الاستعلاء، أو التظاهر بعدم المسؤولية، ولا حتى بعقد اتفاق أمني مع إسرائيل. فالقضية في السويداء وطنيةٌ سوريةٌ تستوجب حلّاً يتوصّل إليه السوريون في ما بينهم.
ورغم أن الأمور لم تبلغ حدّ القطيعة بين إدارة الشرع وقوات سوريا الديمقراطية (قسد)، واللقاءات والاتصالات المباشرة وغير المباشرة بين الطرفَين مستمرّة، وتُعطي تصريحات متبادلة انطباعاً بوجود رغبة مشتركة في الوصول إلى توافقات بخصوص منطقة شمال شرقي سورية، إلا أن الوضع العام غير مطمئن، ويُخشى أن تخرج الأمور عن السيطرة، خصوصاً في أجواء تضارب المشاريع الإقليمية، وهيمنة الخطاب القدحي الاستفزازي، واعتماد تعابير ومصطلحات لا تُسهم في تبديد الهواجس، وتعزيز الثقة، وتحسين قواعد العيش المشترك.
ولا توحي الأوضاع في المناطق السورية الداخلية، خصوصاً في مراكز المحافظات: دمشق وحلب وحمص وحماة ودرعا، بالتماسك والاستقرار المطلوبَين في مرحلة انتقالية بالغة التعقيد تعيشها سورية راهناً. فهناك قلق وحذر، وشعور بالإهمال، وتساؤلات حول بواعث ضبابية الرؤية والحكمة منها. لا توجد أحزاب سياسية فاعلة ومؤثّرة، ولا نقابات بالمعنى المتعارف عليه في الدول التي تُقرّ بحق أصحاب كل مهنة في التنظيم والدفاع القانوني عن مصالحهم؛ رغم وجود هامش غير رسمي يسمح بعقد الاجتماعات وتنظيم الندوات، ولكن من دون تغطية إعلامية تفسح المجال أمام المعارضين للتعبير عن آرائهم النقدية بوضوح وشفافية وحرية، وتساعدهم في الوصول إلى الناس. وجدير بالإشارة إليه في هذا المجال أن غياب قوانين تضمن حرية التعبير والتنظيم والاجتماع يبقي الفسحات المتوافرة حالياً مجرّد “مكرمة” يمكن أن تختفي في أيّ لحظة.
السوريون في حالة انتظار، يتابعون ما يحدث، ويترقّبون مآلات الوعود، ويتطلّعون نحو الأمن والاستقرار وتحرّك العجلة الاقتصادية، علّهم يتمكنون من تأمين شروط الحياة المستقرّة الكريمة. ولكن الخطوات التي اتخذتها إدارة الشرع لم تمنحهم بعد الثقة الكاملة بأنهم يسيرون في الطريق الصحيح. والسؤال المسكوت عنه الذي يشغلهم ويؤرّقهم: هل تعدّ السلطة الحالية نفسها انقلابيةً وصلت إلى الحكم بموجب تقاطع طموحاتها مع مشاريع (وحسابات) القوى الدولية والإقليمية المعنية بإعادة ترتيب المعادلات في إقليمنا المضطرب؟ أم أنها ترى نفسها سلطةً تُجسّد إرادة السوريين الأحرار الذين ثاروا على استبداد سلطة آل الأسد وفسادها وإفسادها؛ وتمكّنت من استغلال التحوّلات والمتغيّرات الإقليمية المتلاحقة منذ 7 أكتوبر (2023) لتصل إلى الحكم بفضل الظروف المواتية، وبفعل ما راكمته من قوة وخبرة وقدرة على التنظيم 14عاماً؛ وهي تعمل راهناً لطمأنة سائر السوريين من دون أيّ استثناء، من خلال بناء صرح دولة عادلة تكون على مسافة إيجابية واحدة من جميع مواطنيها من دون أيّ تمييز؟ هذا هو السؤال المزدوج الذي يهيمن على ذهنية السوريين، ويوزّعهم بين مؤيّد متحمّس، ومؤيّد حذر، ومعارض شرس، ومعارض معتدل حريص وحذر، وأغلبية صامتة.
اكتسب السوريون على مدى أعوام الثورة الطويلة، نتيجة المتابعة الدقيقة للأحداث والتفاعل معها، خبرات واسعة وعقلية نقدية قادرة على الاستقراء والاستنتاج والنقد. كما مكّنتهم وسائل التواصل الاجتماعي من الاطّلاع على المعلومات والتحليلات الخاصّة بالمواقف الإقليمية والدولية، ومنحتهم الوسائل ذاتها (رغم جوانبها السالبة) فرص التواصل مع الناس، والتعبير عن آرائهم، والتأثير في الرأي العام السوري الذي يزداد نضجاً مع الأيام.

لا بدّ من حياة سياسية فاعلة تشارك فيها الأحزاب والنقابات والجمعيات، لتتحاور وتتوافق على شكل الدولة وطبيعة نظامها السياسي

وفي الضفة الأخرى، تمكّن الشباب السوريون الذين هاجروا إلى خارج البلاد نتيجة الظروف التي ألمّت بالبلد، من إتقان اللغات واستخدام التقنيات، والاستفادة من تجارب الدول والمجتمعات، وحتى الوصول إلى مراكز القرار. ولم يعد في الإمكان إقناعهم بخطاب جامد متكلّس يكرّر تخريجات وتسويغات لا تنسجم مع الواقع، تُذكّر المخضرمين من السوريين الذين عاصروا حكم الأسد (الأب والابن) ببهلواناتٍ كانوا يدافعون بشراسة عن استبداد سلطة آل الأسد وفسادها. والأسماء كثيرة ومعروفة، ويمكن الحصول عليها بسهولة لمن أراد من الجيل الجديد.
مخاوف السوريين من المستقبل واقعية ومشروعة، بناءً على التجارب السابقة في عهد الأنظمة الانقلابية، خصوصاً خلال المرحلة البعثية الطويلة، واستناداً إلى ما حصل منذ وصول الإدارة الجديدة إلى الحكم على إثر هروب بشّار الأسد وتلاشي سلطته. وهناك اليوم حاجة ملحّة جداً تفرض نفسها بقوة لطمأنة سائر السوريين، في جميع المناطق ومن مختلف الانتماءات، بأن ما حصل في الساحل والسويداء ودمشق ومناطق أخرى لن يتكرّر. ولن تصبح مثل هذه الطمأنة حقيقةً قائمةً من دون توافقات وطنية تُترجم واقعاً. وهذا الأمر يستوجب وجود خريطة طريق واضحة وشفافة تُبيّن طبيعة الخطوات التي ستُتخذ وسقفها الزمني، منذ هذه اللحظة وصولاً إلى نهاية المرحلة الانتقالية الطويلة جداً، وإجراء الانتخابات لإضفاء الشرعية السياسية الشعبية على السلطة السياسية التي ستدير الدولة السورية.
ولبلوغ ذلك، لا بدّ من حياة سياسية فاعلة تشارك فيها الأحزاب والنقابات والجمعيات، لتتحاور وتتوافق على شكل الدولة وطبيعة نظامها السياسي، وتوزيع السلطات بين المؤسّسات، وتحديد مسؤوليات هذه المؤسّسات وصلاحياتها وماهية العلاقات بينها وفق أحكام الدستور. ويتطلّب ذلك كله توجّهاً ملموساً ذا مصداقية نحو تطبيق العدالة الانتقالية وتحقيق المصالحة الوطنية، والتوافق على عقد وطني اجتماعي مكتوب يكون أساساً لدستور يحدّد خطوطه الأساسية السياسيون، وتُكلّف لجنة من أصحاب الخبرات من المهنيين والسياسيين من مؤتمر وطني عام بصياغته؛ دستور يكتسب صفة الشرعية بعد أن يوافق عليه معظم الشعب السوري بمكوّناته وتوجّهاته كلّها، وفي جميع المناطق، عبر استفتاء شعبي عامٍّ حرٍّ ونزيه وشفاف. هذا كلّه مطلوب وضروري ومُلحّ إذا كنا نفكّر في التأسيس لجمهورية جديدة تكون بكل السوريين ولكل السوريين.
أما أن تستمرّ الأساليب نفسها التي اعتمدتها الإدارة خلال العام المنصرم، والتي اكتفت بأشباه الحلول وركّزت في الترويج الإعلامي، من دون أن تُجري مراجعةً نقديةً جدّيةً لما كان من أخطاء وإجراءات لم تكن موضع ارتياح لدى قسم كبير من السوريين من مختلف الانتماءات (على سبيل المثال، مؤتمر الحوار الوطني، والإعلان الدستوري، وطريقة تشكيل الحكومة، ومراسيم وقرارات تعيين المسؤولين وموظفي الدرجتين الممتازة والأولى) فلن تستقيم معه الأمور في سورية.

لن تستقيم الأمور في سورية ما لم يُعترف بحقيقة أن السوريين جميعاً شركاء في الوطن والثروات والإدارة

لن تستقيم الأمور في سورية ما لم يُعترف بحقيقة أن السوريين جميعاً شركاء في الوطن والثروات والإدارة، وما لم تُتخذ الخطوات التي تُطبّق هذا الاعتراف. فمن حق الجميع، بغض النظر عن الانتماء المجتمعي أو التوجه السياسي الوطني، أن تتوفر لهم الفرص للمشاركة في الحياة العامة بناء على المؤهلات لا الولاءات. أما أن يشعر بعض السوريين هنا أو هناك بأنهم من مواطني الدرجة الثانية أو الثالثة وفق مقاييس الدين أو المذهب أو القومية أو غير ذلك من المقاييس، فهذا مؤدّاه عدم الارتياح والتوجّس، وبالتالي الإخفاق في عملية تعزيز الثقة المتبادلة بين مختلف مكوّنات الشعب السوري. وحصيلة ذلك، في الأجواء المضطربة التي تعيشها المنطقة (اضطرابات إيران، الأوضاع في اليمن والسودان وفلسطين ولبنان…) والعالم (العلاقات القلقة بين أوروبا والولايات المتحدة، الأوضاع في فنزويلا وتبعاتها المحتملة…)، فتح المجال أمام تدخّلات الجهات الإقليمية والدولية ومحاولاتها ترتيب الأوضاع في سورية وفق مصالحها، لا وفق ما يحتاجه السوريون ويتطلّعون إليه بعد تضحياتهم كلّها التي تستعصي على الوصف.
ومن دون وجود مثل هذه الخريطة المفروض أن تُبيّن آلية خطوات المرحلة الانتقالية، والجهة أو الجهات المسؤولة عن تنفيذها، والجداول الزمنية الخاصّة بمواعيد تنفيذها، ستظلّ الأمور متداخلةً وغير واضحة، ولا توحي بأيّ توجّه جادٍّ لتذليل العقبات ومدّ جسور التواصل بين السوريين، ليتمكنوا معاً من ترميم النسيج المجتمعي وبناء الدولة العادلة؛ دولة من أولى مهامها توفير الأمن، وتوفير شروط العيش الكريم، وبناء الإنسان والعمران.

المصدر العربي الجديد

اترك رد

عاجل