

لم تكن المأساة التي لحقت بالطائفة العلوية خلال عقود حكم حافظ الأسد ثم بشار الأسد نتاج الصراع وحده، بل نتاج هندسة سياسية واجتماعية مقصودة، هدفت إلى تجفيف أي إمكانية لتمثيل مجتمعي مستقل، وتحويل الطائفة من جماعة اجتماعية حيّة إلى “كتلة وظيفية” تُستدعى عند الحاجة، وتُستخدم درعاً وسردية تبريرية لبقاء السلطة. وبهذا المعنى، فإن الفراغ في التمثيل العلوي لم يكن صدفة تاريخية، بل نتيجة سياسة طويلة الأمد قامت على كسر النخب، وإلغاء الوسطاء الطبيعيين بين المجتمع والدولة، واحتكار الحديث باسم الطائفة عبر أجهزة الأمن ورموز الفساد.
هذا الفراغ هو ما سمح لشخصيات مثل غزّال غزّال، ورامي مخلوف، وبقايا الفلول، بالظهور كأنهم “قيادات” أو “ممثلون” للطائفة العلوية، لا بحكم الشرعية الاجتماعية، بل بحكم قربهم من السلطة، وقدرتهم على استثمار الخوف الجمعي. ومع كل اهتزاز سياسي، كان هؤلاء يُقدَّمون – أو يقدّمون أنفسهم – كخيار وحيد: إمّا نحن، أو الفوضى والانتقام. هكذا جرى ربط مصير الطائفة بمصير النظام، وربط بقائها ببقاء منظومة أثبتت أنها لا تحمي أحداً سوى نفسها.
في المقابل، تبرز التجربة الإسماعيلية في سوريا كنموذج مغاير، لا من حيث المثالية أو العصمة من الأخطاء، بل من حيث العقلانية في إدارة الشأن المجتمعي، والقدرة على تجنيب الطائفة الانزلاق إلى مصير مجهول ،فقد نجحت القيادات الاجتماعية الإسماعيلية، في لحظات شديدة الحساسية، في الحفاظ على مسافة واضحة بين المجتمع والسلطة، وفي إنتاج خطاب وطني لا يصادم الدولة ككيان، لكنه لا يذوب في النظام كسلطة قمعية. هذا التوازن، وإن كان هشّاً أحياناً، إلا أنه حال دون تحويل الطائفة إلى أداة صراع أو ورقة ابتزاز.
الفرق الجوهري هنا لا يكمن في “الطائفة” بحد ذاتها، بل في طبيعة القيادة المجتمعية. ففي الحالة الإسماعيلية، ظلّت هناك بنية اجتماعية قادرة على إنتاج وسطاء عقلانيين: شيوخ، مثقفون، ووجهاء مجتمع، يملكون شرعية داخلية، ويستطيعون اتخاذ قرارات تراعي مصلحة الجماعة ضمن إطار وطني أوسع. هذه القيادة لم تبنِ مشروعها على الخوف، بل على تقليل الخسائر، والانحياز إلى منطق الدولة المستقبلية لا الدولة الأمنية.
أما في الحالة العلوية، فقد حُطّمت هذه البنية عمداً. أُقصي الوجهاء الحقيقيون، جرى تدجين المثقفين، وحُوّلت القيادات المحتملة إلى موظفين في أجهزة السلطة أو ضحايا لها. والنتيجة: طائفة بلا صوت مستقل، وبلا قيادة قادرة على القول: “هنا نقف، وهنا نختلف”. وحين غابت هذه القيادة، ملأ الفراغ أمراء الحرب، ورجال المال الفاسد، ومن تلطخت أيديهم بالدم.
من هنا، فإن مساعدة العلويين على سدّ هذا الفراغ ليست مسألة تضامن أخلاقي فحسب، بل ضرورة سياسية وأمنية لمستقبل سوريا. فإعادة إنتاج قيادة مجتمعية علوية جديدة، نابعة من داخل الطائفة، وحريصة على مصلحتها الحقيقية، هي الخطوة الأولى لفك الارتباط البنيوي بين المجتمع العلوي وبين منظومة الفلول.
هذه القيادة لا يُفترض أن تكون “ثورية” بالمعنى الشعاراتي، ولا “تصالحية” بالمعنى التمييعي، بل عقلانية، وطنية، تدرك أن النجاة الفردية مستحيلة دون اندماج وطني جامع.
وهنا تبرز أهمية المقارنة مع الإسماعيليين مرة أخرى. فنجاحهم النسبي لم يأتِ من رفع شعارات كبرى، بل من إدارة ذكية للخوف، وتحويله من دافع للارتماء في أحضان السلطة، إلى حافز لتجنيب المجتمع خيارات مدمّرة. هذا الدرس بالغ الأهمية للعلويين اليوم: لا حماية للطائفة عبر الاحتماء بالفلول، ولا مستقبل لها عبر إنكار الجرائم أو تبريرها، بل عبر تفكيك هذا الإرث، وعزل رموزه اجتماعياً.
العزل الاجتماعي للفلول هو شرط تمهيدي لا غنى عنه للعدالة الانتقالية، فقبل المحاكم والقوانين، يجب كسر القدرة الرمزية لهؤلاء على الادعاء بأنهم “يمثلون” جماعة كاملة. حين تُنتج الطائفة قيادة تقول بوضوح: هؤلاء لا يمثلوننا، ولا يتحدثون باسمنا، يصبح من الممكن الانتقال من منطق الاتهام الجماعي إلى منطق المسؤولية الفردية. عندها فقط، يمكن للعدالة الانتقالية أن تتحرر من فخ “استهداف الطائفة”، وأن تتحول إلى مسار قانوني وأخلاقي يطال الأفراد لا الهويات.
العدالة الانتقالية، في هذا السياق، ليست تهديداً للعلويين، بل فرصة تاريخية لهم للخروج من موقع المتهم الضمني، إلى موقع الشريك في بناء الحقيقة. كما أن وجود قيادة مجتمعية علوية مسؤولة يفتح الباب أمام اعتراف متبادل بالضحايا، ويؤسس لمصالحة وطنية لا تقوم على النسيان القسري، بل على المحاسبة والإنصاف.
في المحصلة، إن سدّ فراغ التمثيل العلوي هو ركيزة أساسية في بناء الوطنية السورية الجديدة؛ وطنية لا تُدار بمنطق الطوائف الخائفة، بل بمنطق المجتمعات المسؤولة.
والتجربة الإسماعيلية، بما لها وما عليها، تقدّم مثالاً على أن العقلانية، والقيادة المجتمعية المستقلة، والانحياز لمصلحة الدولة المستقبلية، يمكن أن تنقذ جماعة كاملة من أن تكون وقوداً لصراع لا ناقة لها فيه ولا جمل. هذا هو التحدي اليوم أمام العلويين، وهو في الوقت ذاته مسؤولية وطنية جامعة، لا يجوز التهرب منها إن كنا جادين في الحديث عن سوريا ما بعد الاستبداد.





