سوريون يخاطرون بالهرب من جحيم الانتهاكات في لبنان إلى شمال سوريا

رشى وطرق وعرة ومخاطرة بالمرور عبر مناطق سيطرة نظام الأسد

فريق التحرير13 يونيو 2024آخر تحديث :
عناصر من الأمن العام اللبناني تتولى عمليّة ترحيل اللاجئين السوريين – المصدر: النهار

مع تصاعد في المشاعر المعادية للاجئين السوريين في لبنان خلال الشهرين الماضيين، انطلق المئات منهم بالاتجاه المعاكس، إلى الشمال السوري، بحسب تقرير «أسوشيتد برس».

اليوم، يسلك هؤلاء السوريون طريقاً خاصة بالمهربين نحو منازلهم، عبر مناطق جبلية نائية، على دراجات نارية أو سيراً على الأقدام. وبعد ذلك، يجتازون بالسيارة، في رحلة محفوفة بالمخاطر، الأراضي الخاضعة لسيطرة نظام الأسد، إلى شمال غربي سوريا، الواقعة تحت سيطرة فصائل المعارضة السورية أو «هيئة تحرير الشام»، مع الحرص على تجنب نقاط التفتيش أو اضطرارهم لدفع رشوة للمضي بطريقهم.

حتى هذا العام، كانت أعداد العائدين من لبنان ضئيلة للغاية، لدرجة أن الحكومة المحلية في إدلب، التي يديرها فصيل «هيئة تحرير الشام» (جبهة النصرة سابقا)، لم تهتم بتعقبهم رسمياً. ومع ذلك، سجلت وصول 1041 شخصاً من لبنان في مايو، مقارنة بـ446 الشهر السابق.

وأعلنت إدارة محلية تابعة لفصائل المعارضة السورية، وتشرف على مناطق أخرى من شمال غربي سوريا، أن الوافدين من لبنان زادوا في المناطق التي تسيطر عليها.

ويوجد نحو 780.000 لاجئ سوري مسجلين لدى وكالة اللاجئين التابعة للأمم المتحدة في لبنان، علاوة على مئات الآلاف غير المسجلين.

وعلى مدار سنوات، خاصة منذ أن غرقت البلاد في أزمة اقتصادية غير مسبوقة عام 2019، دعا مسؤولون لبنانيون إلى إعادة اللاجئين إلى سوريا، أو إعادة توطينهم في مناطق أخرى.

وفي أبريل (نيسان) الماضي، اشتعلت موجة من التوترات بلبنان، عندما لقي المسؤول بحزب «القوات اللبنانية» القومي المسيحي، باسكال سليمان، مصرعه. وعزا مسؤولون عسكريون مقتل سليمان إلى عملية سطو فاشلة على يد عصابة مسلحة من مجرمين سوريين، ما أسفر عن اندلاع أعمال عنف مناهضة للاجئين السوريين، وانتهاكات ضدهم من قبل مجموعات أهلية.

واتخذت الأجهزة الأمنية اللبنانية إجراءات صارمة ضد اللاجئين، وداهمت وأغلقت عدداً من الشركات التي تستعين بعمالة سورية غير شرعية. في مئات الحالات، أقدمت السلطات على ترحيل اللاجئين. كما نظمت الحكومة اللبنانية رحلات «عودة طوعية» للراغبين في العودة إلى المناطق السورية التي يسيطر عليها نظام الأسد، لكن القليل سجل بهذه الرحلات، خشية التعرض لانتقام قوات أمن نظام الأسد.

غير أنه ومع تفاقم خطورة الوضع في لبنان، تفضل الغالبية في صفوف اللاجئين شق طريقها إلى شمال غربي سوريا، الخاضع لسيطرة خليط من فصائل المعارضة السورية المسلحة، ويتعرض لقصف منتظم من جانب قوات نظام الأسد والمليشيات المتحالفة معه التابعة لإيران، كما تعاني هذه المنطقة من تراجع حجم المساعدات الموجهة إليها من قبل المنظمات الدولية، التي تقول إن الموارد ستذهب إلى مناطق أزمات جديدة بالعالم.

من جهته، يرى وليد محمد عبد الباقي، الذي عاد إلى إدلب في أبريل، فإن مشكلات البقاء في لبنان فاقت، نهاية الأمر، مخاطر العودة. وقال: «كانت الحياة في لبنان جحيماً لا يطاق، وفي النهاية فقدت ابني هناك».

وليد عبد الباقي يعرض على هاتفه المحمول في إدلب صورة ابنه علي الذي توفي في لبنان في ظرف غامض (أ.ب)
اختفى نجل عبد الباقي، علي (30 عاماً)، الذي قال والده إنه يعاني من الفصام، لعدة أيام أوائل أبريل، بعد توجهه من وادي البقاع إلى بيروت، لزيارة أخته، والبحث عن عمل.

في النهاية، عثرت عليه أسرته في مركز للشرطة في بلدة بعبدا. وقال عبد الباقي إن نجله كان على قيد الحياة، لكن «جسده بأكمله كان مغطى باللونين الأسود والأزرق». وذكرت بعض التقارير الصادرة عن الجماعات الحقوقية، أنه تعرض للضرب على يد عصابة عنصرية، بينما أكد عبد الباقي أن ابنه اعتقل من قبل استخبارات الجيش اللبناني، لأسباب غير واضحة. وقال إن علي وصف تعرضه للضرب والتعذيب بالصدمات الكهربائية، وتوفي بعد أيام.

ولم يرد المتحدث باسم استخبارات الجيش على طلب «أسوشيتد برس» للحصول على تعليق.

أما الطبيب الشرعي الذي فحص جثمان علي، ويدعى فيصل دلول، فقال إنه كان مصاباً بعدة جروح «سطحية»، «لكن فحوصات رأسه وصدره لم تكشف أي شيء غير طبيعي، وخلص إلى أن وفاته جاءت طبيعية».

وأصيب عبد الباقي بكرب شديد، لدرجة أنه اقترض 1200 دولار، ليدفع للمهربين لنقله هو وابنه البالغ 11 عاماً إلى شمال غربي سوريا. وفي سبيل ذلك، خاض رحلة شاقة عبر الجبال، سيراً على الأقدام.

وقال: «أمضينا أسبوعاً على الطريق، وتملكنا الخوف طوال الوقت».

والآن، يقيم عبد الباقي ونجله مع أقارب لهم في إدلب. أما منزلهم، فقد تضرر في غارة جوية ثم نهبه اللصوص.

من ناحيته، قال محمد حسن، مدير مركز وصول لحقوق الإنسان (منظمة غير حكومية تتابع أوضاع اللاجئين السوريين بلبنان)، إن «موجة منسقة من خطاب الكراهية وأعمال العنف ضد اللاجئين، تجري بتبرير من قيادات سياسية»، فتدفع البعض إلى مغادرة لبنان وإلا سيجري ترحيلهم قسراً. وفي الوقت الذي حذر مسؤولون لبنانيون من هجمات أهلية ضد اللاجئين، فإنهم يلقون باللوم على السوريين، بانتظام، باعتبارهم السبب وراء ارتفاع معدلات الجريمة، ويدعون إلى فرض المزيد من القيود عليهم.

وأوضح حسن أن الطريق من لبنان إلى إدلب «تخضع لسيطرة عصابات التهريب اللبنانية والسورية المرتبطة بميليشيات محلية وأخرى عابرة للحدود»، وهي طريق غير آمنة.

والطريق محفوفة بالمخاطر بشكل خاص لأولئك المطلوبين للاعتقال في المناطق الخاضعة لنظام الأسد، بسبب التهرب من الخدمة العسكرية أو الانتماء الحقيقي أو المشتبه به للمعارضة.

من جهته، انتقل رمزي يوسف، المنتمي أصلاً إلى جنوب محافظة إدلب، إلى لبنان قبل اشتعال الصراع المسلح في سوريا من أجل العمل. وبقي هناك لاجئاً بعد اندلاع النزاع.

العام الماضي، عاد يوسف إلى إدلب، برفقة زوجته وأطفاله، بعد أن دفع 2000 دولار للمهربين، بسبب «العنصرية، والضغوط من جانب الدولة، والانهيار الاقتصادي في لبنان وانعدام الأمن».

في حلب، جرى إيقاف العائلة عند نقطة تفتيش واحتجازها، بعد أن أدرك عناصر أمن نظام الأسد أنهم قدموا من لبنان. وقال يوسف إنه جرى نقله بين عدة أفرع عسكرية، واستجوابه.

أضاف: «تعرضت للتعذيب كثيراً، رغم أنني كنت خارج البلاد منذ عام 2009 ولا علاقة لي بأي شيء (يخص الحرب). لقد حملوني مسؤولية آخرين من أقاربي».

في النهاية، جرى إطلاق سراح يوسف، وإرساله إلى الخدمة العسكرية الإجبارية، غير أنه هرب بعد أسابيع، وتوجه مع أسرته إلى إدلب مصمماً أنه لن ينظر إلى الوراء.

المصدر أسوشيتد برس
التعليقات

عذراً التعليقات مغلقة

    عاجل