حول تقارب تركيا مع نظام الأسد

فريق التحرير
2022-08-26T01:47:53+03:00
دراسات وأبحاث
فريق التحرير26 أغسطس 2022آخر تحديث : الجمعة 26 أغسطس 2022 - 1:47 صباحًا
سمير سعيفان
I - حرية برس Horrya press

1) مدخل:

تزايدت وتيرة التصريحات التركية، في الأسابيع الأخيرة، بخصوص علاقات تركيا مع نظام الأسد، وبخاصة تصريحات الرئيس أردوغان، يوم الجمعة 19 آب/ أغسطس 2022، ردًا على أسئلة الصحفيين وهو عائد من أوكرانيا، حول “الإقدام على خطوات متقدمة مع سورية[1]“، وأنه “ليس لدينا – لدى تركيا – هدف من قبيل الانتصار على (بشار) الأسد”، وبأنه (الرئيس أردوغان) بحث تطورات الشأن السوري مع نظيره الروسي فلاديمير بوتين، خلال لقائهما الأخير في مدينة سوتشي. وتُظهر تلك العبارات أن ثمة تبدّلًا في السياسة التركية، تجاه الصراع في سورية والعلاقة مع نظام الأسد، وهو استمرار للتبدّل في هذه السياسة، والذي بدأ سنة 2016، بعد محاولة الانقلاب الفاشلة في تركيا في تموز/ يوليو 2016، واستعادة العلاقات الدافئة بين أنقرة وموسكو، بعد قطيعةٍ بدأتها موسكو على إثر إسقاط طائرة مقاتلة روسية من طراز (سوخوي 24)، في 24 تشرين الثاني/ نوفمبر 2015، لاختراقها المجال الجوي التركي -حسب المصادر التركية- وقد كانت تقصف بلدات سورية قريبة من الحدود التركية، فتصدت لها المضادات الجوية التركية وأسقطتها، فأدى ذلك إلى حالة توتر وشبه قطيعة بين تركيا وروسيا، حيث اتخذت روسيا إجراءات عقابية شديدة ضد تركيا، أدت إلى خسائر اقتصادية كبيرة بالنسبة إلى تركيا وخسائر سياسية أيضًا.

بعد عودة دفء العلاقات؛ بدأ تعاون تركي روسي أوثق في ملفات عدَّة، ومنها سورية، وكانت أول ثمار هذا التعاون أنّ تركيا تحوّلت، في الهجوم الذي شنته القوات الروسية والإيرانية مع قوات النظام لاستعادة حلب الشرقية من أيدي الفصائل المعارضة التي كانت تسيطر عليها منذ 2012، تحوّلت من داعم للفصائل المعارضة للأسد، إلى وسيط. ثم تلا ذلك التحول مشاركةُ تركيا مع إيران وروسيا، في إطلاق مسار أستانة في العاصمة الكازاخستانية “أستانة”، في 23 كانون الثاني/ يناير 2017، ثم إبرام اتفاق “خفض التصعيد” الذي وقّعه شركاء أستانة الثلاث، روسيا وإيران وتركيا، في 4 أيار/ مايو 2017، وشمل الاتفاق أربع مناطق هي: محافظتي درعا والقنيطرة،  وغوطة دمشق الشرقية، وريف حمص الشمالي، ومحافظة ادلب وريف حلب الغربي وريف اللاذقية الشمالي وريف حماه الشمالي ، وقد كانت نتيجة هذه الاتفاقات استعادة النظام السيطرة على تلك المناطق، ثم كانت مشاركة تركيا في مؤتمر سوتشي للحوار الوطني، بتاريخ 30 كانون الثاني/ يناير 2018، الذي رعته موسكو، وكان من مخرجاته الاتفاق على تأسيس لجنة لإعادة كتابة الدستور السوري. وعلى الرغم من هذا التقارب والتعاون، فقد بقي موقف تركيا وسياستها تجاه الصراع في سورية لا يتوافق كليًا مع موقف كل من روسيا وإيران والنظام، وبقيت هناك جوانب عدة هي موضع خلاف؛ فقد كان هذا التعاون الثلاثي بين تركيا من جهة، وروسيا وإيران من جهة أخرى، حالة “تعاون تناقضي”، فالطرفان يتعاونان، ويتواجهان في الوقت ذاته؛ فكل طرف يعاون الطرف الآخر، ويواجهه.

2) دوافع انتخابية تركية وراء التصريحات الجديدة حول التقارب مع نظام الأسد:

تشكّل الانتخابات الرئاسية والبرلمانية التركية القادمة، في حزيران/ يونيو 2023، المسألة الرئيسة في اهتمامات حزب العدالة والتنمية والرئيس أردوغان، وتلعب دورًا رئيسًا في تحديد بعض سياسات ونشاطات الحزب والرئيس، بعد أن غدت الحرب السورية ووجود اللاجئين السوريين في تركيا قضية رئيسة في السياسة الداخلية التركية، وموضوعَ صراع داخلي بين الحكومة والمعارضة، وتحوّلت هذه القضية إلى قضية انتخابية رئيسة في الانتخابات الرئاسية والبرلمانية القادمة. وقد سعت المعارضة التركية إلى شيطنة الوجود السوري في تركيا، وتحميل حزب العدالة والتنمية، وأردوغان تحديدًا، المسؤولية، وذلك للنيل من الحزب ومن أردوغان في الانتخابات القادمة، وقد أقلق هذا الموضوع حزب العدالة والتنمية، خاصة أن المعارضة قد حققت مكاسب في الانتخابات البلدية الأخيرة التي جرت في حزيران/ يونيو 2019، لذا تتخذ الحكومة التركية، التي يقودها حزب العدالة والتنمية، إجراءات عديدة، وتُطلق تصريحات كي تُسهم في تجريد المعارضة التركية من “سلاح” اللاجئين السوريين، أو تخفف من تأثيره على الأقل. ويمكن فهم كثير من إجراءات الحكومة التركية وتصريحات مسؤوليها على ضوء ذلك، مثل ترحيل بضعة آلاف من السوريين، والتضييق على إقامة اللاجئين السوريين في غير المدينة التي قيّد فيها اللاجئ بطاقته (الكمليك)، ثم إطلاق مشروع إعادة مليون لاجئ سوري إلى الشمال السوري، وغير ذلك من إجراءات، خلقت حالة قلق عند السوريين المقيمين في تركيا.

يأتي تركيز تركيا على موضوع التقارب مع نظام الأسد، بعد عجز تركيا عن القيام بعملية عسكرية في شمال شرق سورية، تسترجع جزءًا من الأرض التي تسيطر عليها قوات PYD الكردية، وهي فرع من حزب العمال الكردستاني  PKK الكردي التركي المصنّف إرهابيًا، وترى تركيا في سيطرة PYD على كامل منطقة شرق الفرات في سورية خطرًا داهمًا على الأمن القومي التركي، وتُولي إزالة هذا الخطر الأولوية، بكل الوسائل. فلم توافق الولايات المتحدة ولا روسيا على تلك العملية التركية الجديدة، والتي كانت تستهدف منطقة محدودة تقع غرب الفرات، تضم منطقتي منبج وتل رفعت، أما إيران فلم تكتف بمعارضة العملية التركية، بل دفعت بقواتٍ عسكريةٍ إلى المنطقة، لجعل سيطرة تركيا على المنطقة أصعب. وقد شكّل ذاك العجز خيبة أمل للحكومة التركية، إذ كانت تأمل من وراء العملية، فيما لو تمّت، كسب مزيد من الأصوات في الانتخابات القادمة. ولذا يبدو أن ثمة ارتباطًا بين فشل تنفيذ العملية في شمال سورية وبين زيادة التصريحات حول التقارب مع النظام السوري، حيث تعلم الحكومة التركية أنها إذا استطاعت تحقيق اختراق في القضية السورية، والوصول إلى اتفاق ما مع النظام السوري بواسطة الضغوط الروسية، وبدأت عودة بعض السوريين قبل موعد الانتخابات القادمة، فسينعكس ذلك إيجابًا لصالح حزب العدالة والتنمية في تلك الانتخابات.

3) دوافع استراتيجية تركية للتقارب مع نظام الأسد من وجهة النظر الواقعية السياسية التركية:

من جهة أخرى، فإن تحقيق حلٍّ ما للصراع في سورية هو قضية أبعد من مجرد انتخابات 2023؛ إذ يشكل الصراع في سورية عبئًا سياسيًا على تركيا، فسورية بلد جار، ولها حدود طويلة، ولاستقرارها أهمية بالنسبة إلى تركيا، وقد استثمرت تركيا في سورية، سياسيًا وعسكريًا وماديًا، منذ 2011، وسعت لتحقيق تغيير سياسي، ولو جزئيًا، في سورية يمنح الجهات المعارضة دورًا في السلطة السياسية. ولكن تلك الجهود لم تُثمر عن نتيجة، بالرغم من سنوات الصراع الإحدى عشرة. وعدم إحداث تغيير في سورية يُعَدّ فشلًا للسياسة التركية.

ترى السلطة التركية أن ثمة انسدادَ أفق أمام أي تغيير سياسي في سورية، ولن تفتح روسيا الطريق أمام أي حلّ يؤدي إلى تغيير نظام الأسد، كما أن الولايات المتحدة تتحدث عن تغيير في سلوك النظام، وليس عن تغيير النظام، ولم تعد سورية قضية مهمة بالنسبة إلى أوروبا التي باتت مشغولة بأوكرانيا. وقد أصبح المجتمع الدولي متعبًا من صراعٍ امتد لأكثر من عقد حتى الآن، ففي العالم ما يكفي من مشكلات للاهتمام بها. وعلى الرغم من أن المنطق يقول إن مواجهة غزو روسيا لأوكرانيا يجب أن يحرّض على مواجهتها في سورية أيضًا، لأن تجاهل العالم لما فعله بوتين في سورية قد شجّعه على غزو أوكرانيًا، فإن هذا لم يحدث، لأن المصالح، لا المنطق، هي ما يوجه الاهتمام ويدير الأحداث.

ما زال نظام الأسد قائمًا، ويملك الشرعية الدولية، وما زالت سلطته المركزية قائمة ومتماسكة، وما زالت أجهزته العسكرية والأمنية متماسكة على الرغم من الخلل الذي أصابها، وما زالت مؤسساته الإدارية تعمل وتثبت وجودها على الأرض، والنظام غير مستعد لأي تعديل في سياسته إلا إذا أُرغم، ولا وجود لمن يرغمه حتى الآن. ومن جهة أخرى، يعاني النظام تبعات العقوبات وحالة إفلاس، ماليًا واقتصاديًا، كما يعاني أيضًا حالة تململ شعبي واسع، ولكن ذلك التململ مكتوم بفعل القمع، وقد هبطت “هيبة” النظام ورئيسه إلى الحضيض، وما يبقيه قائمًا هو الدعم الروسي والإيراني، وعدم وجود بديل له؛ إذ لا توجد قوى معارضة سياسية فاعلة، بل شتات عريض من شخصيات وتنظيمات صغيرة كثيرة، وكلٌّ يعمل لوحده، فلم يستطع السوريون بمبادراتهم الذاتية تكوين ذاك الجسم الكبير القادر على أن يكون بديلًا، كما أن داعمي الحراك السوري، ومنهم تركيا، لم يساعدوا السوريين في بناء هذا الجسم المعارض العسكري والسياسي الموحد.

بعد الغزو الروسي لأوكرانيا والعقوبات الغربية غير المسبوقة على روسيا؛ بات تمسّك روسيا بسورية وبنظامها القائم وإعادة تأهيله أكبرَ من قبل، وقد تزايدت ضغوط روسيا على تركيا للمصالحة مع النظام، ضمن “صيغة ما” يمكن التوافق عليها، خاصة أن مصالح تركيا الاقتصادية والسياسية مع روسيا قد تزايدت، بعد غزو روسيا لأوكرانيا، إذ لم تلتزم تركيا بالعقوبات الأميركية والأوروبية التي فُرضت على روسيا، بل تسعى تركيا إلى استغلال هذه الحرب، لتحقيق مكاسب أكبر، وتعزز، من جهة أخرى، قوتها التفاوضية في العلاقة مع روسيا.

من وجهة نظر الواقعية السياسية التي تحكم سلوك الدول، تجد الحكومة التركية نفسها أمام خيارين: الأول هو خيار انتظار ظروف أكثر ملائمة، ولكنها انتظرت عقدًا كاملًا حتى الآن؛ والثاني هو خيار استغلال الظروف الحالية، مثل تعب المجتمع الدولي من القضية السورية، وانشغاله بالحرب في أوكرانيا، ووضع روسيا الحالي بعد فرض العقوبات الغربية عليها، وحاجتها الكبيرة إلى تركيا وغيرها، من أجل الوصول إلى حل سياسي في سورية يُحقق القدر الممكن من المكاسب لتركيا وللمعارضة التي تدعمها.

ضمن هذه المناخات، قد ترى الحكومة التركية أن انتظارها قد طال، ولا تتوقع أن يجلب لها الانتظار ظروفًا أكثر ملائمةً، ولذا قد تفضّل الخيار الثاني، وتسعى للتوافق مع روسيا على حلّ سياسي في سورية، يمكّن تركيا من تحقيق بعض المكاسب السياسية، وخاصة قُبيل الانتخابات الرئاسية والبرلمانية القادمة في حزيران/ يونيو 2023، التي تعزز فرص فوز أردوغان وحزب العدالة والتنمية بالانتخابات القادمة.

ترى الحكومة التركية أن التوجّه المعلن عنه، في الآونة الأخيرة، للعمل و”الإقدام على خطوات متقدمة مع سورية، ليس بالتوجه الجديد، بل هو استمرار لمفاوضات جنيف واللجنة الدستورية ومسارات أستانة وسوتشي، فكلها تعني -واقعيًا- التواصل مع النظام السوري، وهي تتضمن اعترافًا عمليًا بأن الأسد هو الطرف الآخر في المفاوضات. ومنذ فتح مسارات أستانة وسوتشي ومناطق خفض التصعيد واللجنة الدستورية، وهي التي تشارك فيها تركيا بفاعلية، أصبحت أنقرة تحتكّ بدمشق في تلك المسارات، وبدأ التنسيق الأمني بينهما.

4) الطريق الوعر للوصول إلى أي اتفاق:

العقبة الأكبر أمام حلّ سياسي في سورية، بتوافق روسي تركي، هي موقف الأميركان من مثل هذا التوافق الذي يجري بعيدًا عن جنيف وعن القرار 2254، وضمن أجواء تصاعد الصدام الأميركي الروسي، بعد الغزو الروسي لأوكرانيا؛ ففي حال رفض الأميركان الانسحاب من شرق الفرات، مدفوعين بعدم منح نصر سياسي لروسيا في سورية في أجواء الحرب الأوكرانية، فهذا سيعني ان تنظيم PYD  سيبقى مسيطرًا على منطقة شرق الفرات، وبالتالي فالمسألة الأهم بالنسبة إلى الأمن القومي التركي ستبقى قائمة، ولكن هذه المسألة لا تشكل عبئًا انتخابيًا لحزب العدالة والتنمية والرئيس أردوغان؛ لأن ثمة قوة عظمى تعوقه، وثمة توجه قومي غالب يرى ضرورة إزالة هذا الخطر. ومن جهة أخرى، ستبقى العقوبات الغربية الأميركية الأوروبية مفروضة على النظام، وهي عقوبات شديدة، ولن يرفع الفيتو الغربي، ما لم يتحقق حل سياسي وفق إعلان جنيف1 وقرار مجلس الأمن 2254، ويقبل به الغرب.

استمرارًا لنهجه، يتوقع أن يضع الأسد، مدعومًا بموقف إيراني صلب، العراقيلَ أمام أي اتفاق روسي تركي على حل سياسي يمنح المعارضة أي دور، وسيؤدي هذا إلى تعقيد المشهد أمام تركيا وروسيا، وحتى في حال موافقة النظام، مضطرًا، على أي توافق بينهما، فإنه سيماطل في أثناء التطبيق، وستدعمه إيران، وهي موجودة على الأرض السورية بقوّة.

تجربة اتفاق درعا قدّمت للنظام درسًا سلبيًا عن مثل هذه الاتفاقات التي لا تعطيه كامل الحق في إحكام السيطرة الأمنية الكاملة على أي منطقة ليفعل بها ما يشاء. وسيرى أن وجود مناطق عدة لا تخضع لسيطرته الكاملة داخل الأرض السورية سيشكل تهديدًا لسلطته، مع وجود حالة تململ واسع تربط تدهور الأوضاع المعيشية ببقاء الأسد في الحكم.

إيران من جانبها ستعارض أي اتفاق يمنح المعارضة أي قوة في النظام السياسي المقبل في سورية، حتى مع بقاء الأسد ونظامه. فاستمرار الوضع الحالي المتسم بالفوضى يمنحها فرصة كبيرة، وإيران تتبع نهج الفوضى الخلاقة الذي نظّرت له كونداليزا رايس[2]، بينما يؤدي أي حل سياسي، يمنح أطرافًا معارضة أي دور أو قوة ونفوذ، إلى تقييد نشاطاتها المنفلتة الآن في سورية. وتملك إيران تأثيرًا قويًا على النظام، ولها ميليشيات، وهي تسعى لتثبيت أقدامها أكثر فأكثر في الأرض السورية والتغلغل داخل المجتمع السوري.

في حال تمسك النظام وإيران بعدم منح المعارضة أي مشاركة في السلطة، ولو كشريك ثانوي، سيكون الموقف محرجًا سياسيًّا لتركيا، فثمة حدود دنيا من المكاسب، سواء لتركيا أو للمعارضة، لا يمكن لتركيا النزول دونها، وهي حدود سيكون من الصعب الوصول إليها، بسبب معارضة النظام وإيران وحتى روسيا إلى حد ما.

قد يرى الأسد أن عدم الوصول إلى اتفاق سيُسهم في خسارة أردوغان للانتخابات، وفوز مرشح المعارضة التي تتبنى مواقف أكثر إيجابية تجاه العلاقات مع نظام الأسد. وسيكون هذا أحد العوامل التي تدفع الأسد إلى التشدد.

من جانب آخر، يُتوقع أن تكون هناك معارضة من بعض قادة فصائل “الجيش الوطني”، وهي فصائل عديدة يُقدّر عدد مقاتليها بنحو 90 ألف، حسب بعض التقديرات، وتملك أسلحة حربية، ويحقق بعض قادتها في الوضع الحالي منافع مادية كبيرة ومكانة اجتماعية وسلطة، وسيجد هؤلاء أنّ من مصلحتهم معارضة أي اتفاق تركي سوري، سيُلغي ما لهم من أدوار ومكاسب، وقد أظهرَت التظاهرات الاحتجاجية التي انطلقت ردًّا على تصريحات وزير الخارجية التركي موقفَ هذه الفصائل؛ حيث إن تلك التظاهرات تمّت بغض طرف، على الأقل، من هؤلاء القادة. وحتى لو كان لتركيا قدرة كبيرة على التحكم في هذه الفصائل، فستبقى هذه إحدى العقبات.

سيُشكّل وضع العسكريين المنشقّين من الجيش والشرطة عقبةً أخرى، فالنظام صمّم جيشه على أساس الولاء المطلق للرئيس الأسد وعائلته، وهي المؤسسة التي تحمل النظام وتحميه، ولذا سيمانع عودة هؤلاء إلى قطعاتهم العسكرية.

ومن العقبات، وجود “هيئة تحرير الشام” في إدلب، وهي منظمة جهادية ولديها قوة تقدر بنحو 15 ألف مقاتل جهادي متشدد، وهي منظمة بقدرات قتالية مرتفعة، ويتوقع أن تعارض مثل هذا الاتفاق، فالجولاني بشّر، في تصريحاته الأخيرة، بتوسيع سلطته إلى مناطق كثيرة في سورية، وبناء كيان سنّي[3]، ولتركيا نفوذ على “هيئة تحرير الشام”، ولكنه أقلّ من نفوذها على فصائل الجيش الوطني.

في حال عدم رفع العقوبات الغربية وعدم رفع الفيتو على إعادة الإعمار في سورية؛ يتوقع أن يمانع النظام إعادة اللاجئين السوريين، فهو يعجز الآن عن تأمين الحد الأدنى من الدخل أو توفير أدنى مستلزمات حياة لائقة للسوريين المقيمين في منطقة سيطرته، ولن يقبل بإعادة ملايين آخرين إلى مناطق سيطرته، من تركيا ولبنان والأردن. وبالتالي فإن أي حل لا يتضمن عودة اللاجئين لن يُحقق مكسبًا لحزب العدالة والتنمية.

وبالمثل، لا يتوقع من النظام المرونة في قضية المعتقلين، وتقدر أعدادهم بعشرات الآلاف، وتذهب بعض التقديرات إلى أعلى من ذلك؛ فالنظام أشدّ ما يخشى هؤلاء. ولذلك لن يُطلق سراحهم بدون مقابل مرتفع، مثل التطبيع ورفع العقوبات، بل يُعتَقَد أنه حينذاك سيسرع في تصفية الشخصيات البارزة بين المعتقلين.

سيُبدي النظام ممانعة في إصدار عفو عام وإلغاء شامل لقرارات محاكم الإرهاب، وقد أصدرها بحق عشرات الآلاف من السوريين على خلفيات الأحداث منذ 2011، فهو يريد أن يُبقيها سيفًا مسلطًا على رقاب من فرضت بحقهم، لضمان عدم عودتهم إلى سورية.

سيُشكل مصير عناصر الميليشيات عقبة كأداء أمام أي حل سياسي، وتبلغ أعدادهم بضع مئات من الآلاف، وبينما يُدفع غير السوريين إلى المغادرة، ويمكن استيعاب بضعة آلاف آخرين في الشرطة والجيش وفي الإدارات المدنية، فلا يمكن استيعاب الجزء الأكبر منهم في مؤسسات الدولة الأخرى، وبالتالي فالمصير الذي ينتظرهم وينتظر سورية غير معروف، في حال لم يكن بمقدور الحكومة الجديدة تأمين فرص عمل للجزء الأكبر منهم، وهو الأمر المتوقع.

بفرض أنّ اتفاقًا على حل سياسي قد أُبرم، وتمت كتابة دستور ووصل إلى مرحلة الانتخابات؛ فستبرز جملة أخرى من الصعوبات، وأكبرها إثبات قيود السوريين، فخلال هذه السنوات، كان هناك من قُتل، ومن فُقد، ومن فارق الحياة، ومن وُلد، وهناك من كبر وأصبح رجلًا أو شابًا، ومن هاجر. وربّما لا تترك تلك العوائق للاتفاق -إذا ما تمّ- فرصةً لبلوغ هذه المرحلة، قبل عدد من السنين القادمة، يتوقف عددها على مجمل الظروف القادمة.

لن يكون من السهل إبرام اتفاق مع هذا العدد الكبير من التحديات التي تخلقها تعقيدات كبيرة يصعب حلها. ولكن قد يجد الطرفان، الروسي والتركي، مصلحتهما في إبرام اتفاق ما، سواء انسحب الأميركان من شرق الفرات أم لم ينسحبوا، وإذا كان من الصعب الوصول إلى اتفاق روسي تركي شامل، فمن الممكن الوصول إلى اتفاقات جزئية صغيرة، هي بمنزلة اختبار للنيّات، ويتلاقى هذا الطرح مع ما طرحه المندوب الأممي غير بيدرسون، عن سياسة الخطوة خطوة. وقد تكن وظيفتها خلق مناخ من التفاؤل في الشارع التركي، يخدم حزب العدالة والتنمية في الانتخابات القادمة.

5) ردة الفعل السورية:

ظلّت ردة الفعل السورية حبيسة النقاشات الداخلية غالبًا، تجاه التوجهات السياسة التركية المعلنة أخيرًا تجاه القضية السورية؛ فلم يصدر شيء عن الائتلاف أو هيئة المفاوضات، وهما الجهتان الممثلتان رسميًا للمعارضة، وأبرز تعبير كان خروج تظاهرات في بلداتٍ في الشمال السوري، ردًا على تصريحات وزير الخارجية التركي جاويش أوغلو، ولكنها لم تتكرر. ولا يبدو أن تركيا قد أخذت أو ستأخذ اعتراضات السوريين بعين الاعتبار، ولكنها حاولت طمأنتهم ببعض التوضيحات والتأكيدات. ومن الواضح أن تأثير السوريين في أي قرار يحدد مصيرهم ومصير سورية هو تأثير محدود، إن لم يكن معدومًا.

عبّرت الأوساط السياسية السورية المعارضة لنظام الأسد، من أفراد ومجموعات، على وسائل التواصل الاجتماعي أو في ندوات ومقالات في مواقع مختلفة، عن آرائها ومواقفها الرافضة للتوجهات التركية المعلنة حديثًا تجاه بقاء الأسد في السلطة، بعد كل ما ارتكبه النظام بحق السوريين على مدى سنوات الصراع وما قبلها أيضًا.

وتبرز تأثيرات نظرية الواقعية السياسية “Political Realism” على بعض قطاعات من المعارضين السوريين أيضًا، إذ تتردد آراءٌ بين بعض هذه النخب السورية بأن النظام، في الوضع الحالي، لا يأخذ المعارضة على محمل الجد، فليس لديها قوة، في حين أن تركيا دولة كبيرة، وهي قوة إقليمية لها وزنها وتأثيرها ومصالحها. وبالتالي فدخول تركيا كمفاوض ينقل المفاوضات القائمة حاليًا إلى مستوى المفاوضات الفعالة التي تأتي بنتائج، منطلقين من اعتبار أن الواقعية السياسية تقول إنّ انتفاضة السوريين قد فشلت، وأن استمرار الوضع الحالي يهدد بتقسيم سورية، وأن الاتفاق بين تركيا وروسيا، مع أنه يعني إقرارًا ببقاء النظام، يحافظ على وحدة سورية، وهو الخيار الأقل سوءًا من التقسيم، وخاصة إن دخلت الولايات المتحدة معهم في الحل، بما يعني حدوث اتفاق يشمل الأرض السورية كافة.

ثمة جزء كبير من السوريين غير المسيسين، سواء في مناطق سورية الأربعة، أو في بلدان اللجوء المجاورة لسورية، تركيا ولبنان والأردن، باتوا توّاقين إلى أي حلّ سياسي يعيدهم إلى بيوتهم وأهلهم وأوساطهم وأعمالهم، وبدون شروط، سوى ضمان أمنهم وسلامتهم ومصادر عيشهم.

تكمن مشكلة الأوساط المعارضة بأن لا رأي ولا دور لهم في تحديد مصيرهم ومصير سورية، فقد فشلت هذه الأوساط منذ 2011 في تشكيل جسم معارض حقيقي قوي واسع قادر على فرض احترامه على الجميع، كلاعب رئيس لا يمكن تجاوزه. ومع غياب هذا الجسم، أصبح أمر سورية والسوريين بيد اللاعبين الإقليميين والدوليين، لإيجاد حل سياسي عادل للصراع السوري، حل لم يأتِ عبر أقنية السياسية الحالية. وبينما تعلن الدول أنها تتصرف بمثالية Idealism متمسكة بقيم ومبادئ توجه مواقفها، فإنها في الواقع تسلك طريق الواقعية السياسية Political Realis، وفق الممكن، وبدافع المصالح التي تلخصها المقولة المتداولة: “لا صداقات دائمة ولا عداوات دائمة، بل مصالح دائمة”؛ فالحقوق وعدالة القضايا ليست هي من يحدد توجه الأحداث وسير التاريخ، بل القوة هي من تصوغ الحق وتفرضه، فالحق مع القوة، بأشكالها المتعددة، بين قوة صلبة وقوة ناعمة وما بينهما، التي تتحد وتتفاعل فيما بينها لينتج عنها تأثير له آثار ونتائج على الأرض.

بقاء النظام سيُبقي النار تحت الرماد، ولا يمكن للسوريين أن ينسوا أو يغفروا ما فعله النظام الذي يبقى في السلطة، بالرغم مما ارتكبه بحق ملايين السوريين، وإن بدرجات مختلفة، وقد أصبح اليوم أكثر شراسة واستعدادًا للبطش والفتك. والتغيير السياسي وحده، لو أنه وقع، كان سيدفع السوريين إلى النسيان والتسامح والغفران، وإن قبل السوريون اليوم مرغمين ببقاء النظام، فهو قبول المقهورين الذين ينتظرون فرصة أخرى لانتفاضة جديدة.

رغم الخيبة، مازال أصحاب المبادئ من السوريين متمسكين بانتقال سورية الى نظام ديمقراطي تعددي، ماضون في طريقهم رغم خيبتهم الحالية، مؤمنين بأن ما يزرعوه اليوم سيحصدونه غدًا أو بعد غد إن تأخر، أو سيحصده الجيل القادم. وما زالت المهمة الصعبة أمام الأوساط السورية المعارضة هي إنشاء هذه القوة السياسية، التي فشلت في إنشائها حتى الآن، لتمثل قوى التغيير السياسي، وتؤسس للانتقال مستقبلًا إلى نظام سياسي ديمقراطي تعددي جديد، يعقب نظامًا مستبدًا ما زال يحكم سورية منذ ستة عقود.


[1] ) تصريح الرئيس أردوغان وقد نقلته وكالة أنباء الأناضول https://2u.pw/sPScj

[2] ) كونداليزا رايس Condoleezza Rice)‏، مستشارة الأمن القومي الأميركي بين عامي 2001 – 2005، ثم وزيرة خارجية بين 2005 و2009، وقد نظَّرت رايس لما سمته “الفوضى الخلاقة “Creative Chaos” في الشرق الأوسط، وجوهرها أن تقوم الإدارة الأميركية بإحداث مرحلة من الفوضى المتعمَّدَة وعدم الاستقرار في بلدان الشرق الأوسط؛ تتيح إعادة بناء نظم سياسية جديدة. ويبدو أن إيران هي من يتبع هذه السياسية عمليًا. ويذهب البعض بتقديراته إلى أن الولايات المتحدة قد أوكلت تلك المهمة إلى إيران.

[3] ) تلفزيون سوريا، لقاء أبو محمد الجولاني مع حكومة الإنقاذ التابعة له بمناسبة عيد الأضحى 2022 https://www.youtube.com/watch?v=P5WCHcAas6g

المصدرمركز حرمون للدارسات المعاصرة
رابط مختصر

عذراً التعليقات مغلقة