المنطقة الآمنة في الجنوب السوري.. وأسئلة الدور الأردني

عبد الجبار العكيدي14 يوليو 2022آخر تحديث : السبت 24 ديسمبر 2022 - 12:07 صباحًا
عبد الجبار العكيدي
آراء
images - حرية برس Horrya press
العقيد عبد الجبار العكيدي

لم تكن دول الخليج العربي ومعها المملكة الأردنية الهاشمية بحاجة إلى وقت طويل لكي تدرك ماهية مشروع إيران (الخميني) منذ وصوله إلى السلطة عام 1979، إذ شاء الخميني آنذاك أن تكون فكرة التمدّد (تصدير الثورة) هي الأولوية في السياسة الخارجية.

وانطلاقاً من هذه الفكرة اندلعت الحرب العراقية الإيرانية واستمرت ثماني سنوات (1980 – 1988). وطيلة سنوات الحرب، لم تكن تجهل تلك الدول أن خطر الثورة الخمينية لم يكن يستهدف بلداً عربياً بحد ذاته، بل يستهدف عموم دول المنطقة. وعلى الرغم من معرفتها للتحالف العضوي والاستراتيجي بين نظام دمشق وطهران منذ ذلك الحين، إلا أنها كانت ترى أن الاستراتيجية الأمثل لاتقاء شر إيران هي سياسة الاحتواء وليس المصادمة.

ربما لهذا السبب آثرت دول الخليج أن تبقى علاقاتها مع نظام دمشق على درجة من التوازن، لظنها آنذاك أن احتواء الخطر الإيراني إنما يتجسد في قسم كبير منه بالحفاظ على علاقة وطيدة مع الأسد الأب، الذي كان يفضل هو الآخر أن يظهر أمام دول الخليج والأردن على أنه هو صمام الأمان لهذه الدول من مخاطر الخمينية الصاعدة. وعلى الرغم من ذلك، فإن حافظ الأسد استطاع طيلة سنوات الحرب العراقية-الإيرانية أن يمارس ابتزازاً واضحاً على دول الخليج، ولم ينتهِ هذا الابتزاز إلا بانتهاء تلك الحرب عام 1988.

يبدو أن سياسة الاحتواء لا تزال خياراً شديد الحضور أمام معظم الدول التي لا يزال يؤرقها الخطر الإيراني ويدفعها لأن تطرق أبواب دمشق كلما دعت الحاجة الى ذلك. ولم تكن الخطوة التي قامت بها الإمارات العربية المتحدة أواخر عام 2019، إلا سعياً في هذا السياق، وهذا ما فعله الأردن أيضاً حين ظن أن خطر ميليشيا إيران المنتشرة على حدوده في الجنوب السوري لا يمكن مواجهته إلا من خلال سياسة الاحتواء ذاتها.

ولعل زيارة ملك الأردن عبد الله الثاني إلى واشنطن في حزيران/يونيو 2021 ولقاءه بالرئيس الأميركي جو بايدن، كانت بهدف التأكيد على حاجة الأردن إلى انفتاح جزئي مع دمشق بعيداً عن سطوة العقوبات التي يفرضها قانون قيصر على النظام السوري.

تمثَل هذا الانفتاح بالموافقة على مد خطوط الغاز والكهرباء عبر سوريا إلى لبنان، وكذلك تجسد بتنشيط حركة الدبلوماسية بين عمان ودمشق والزيارات الرسمية لوفود البلدين وفتح المعابر والتبادل التجاري الذي كانت تعوّل عليه الأردن لإنعاش اقتصادها.

وعلى الرغم من موافقة بايدن على طلب الملك الأردني، إلا أن التطبيق الفعلي لهذا الانفتاح وكذلك التجليات الأولية لمشروع ما بات يعرف بـ”اللا ورقة” وخطوة مقابل خطوة التي كان الملك أول من طرحها، لم يكن إلا سبباً للمزيد من اندفاعة وتغوّل الميليشيات الإيرانية ليس نحو تعزيز المدّ الطائفي فحسب، بل لإغراق الأردن بالمخدرات وجعله ممراً لها إلى دول الخليج الأخرى.

ربما هذه النتيجة الصادمة للأردن هي ما دفعت الملك عبد الله الثاني للتوجه إلى واشنطن في أيار/مايو المنصرم ليطلب من الرئيس الأميركي الدعم في مواجهة خطر تمدّد الميليشيات الإيرانية، وربما كانت أيضاً هذه النتيجة الصادمة ذاتها هي ما جعلت الملك يغادر فكرة “خطوة مقابل خطوة” ليتجه إلى طريق مناقض لها ونعني بذلك دعوته إلى إنشاء “ناتو عربي”.

فكرة “ناتو عربي”، على ما يبدو، يوجد لها تأسيس نظري سابق ونعني بذلك مفهوم (الشرق الأوسط الجديد) الذي طرحه رئيس وزراء إسرائيل الأسبق شمعون بيريز منذ تسعينيات القرن الماضي. وبغضّ النظر من كون هذا المفهوم كان المنطلق للرغبة الأردنية أم لا، فإن إسرائيل على أي حال تبقى هي الرقم الصعب لهذا الناتو وفقاً لتصورات الملك الأردني، سواء صرح بذلك الأردن أم لم يصرح، وذلك لسبب أساسي مفاده أن دول المنطقة العربية والخليجية والأردن منها على وجه الخصوص لا تمتلك منظومة أمنية دفاعية تتأسس على قدراتها الذاتية، بل كانت على الدوام منضوية تحت المظلة الأمنية والعسكرية الأميركية.

إلا أن واشنطن ومنذ مجيء إدارة الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما إلى الحكم، بدأت بنهج سياسي حيال إيران ينطوي على الكثير من المهادنة ويبتعد عن الصدام المباشر مع إيران، ما جعل دول الخليج والأردن يستشعران انزياح المظلة الأمنية الأميركية عن حمايتها ولو كان ذلك تدريجياً، الأمر الذي يجعل تحالف تلك الدول مع إسرائيل في مواجهة خطر إيران التي باتت تحتل أربع عواصم عربية وأصبحت تحاصر دول الخليج والأردن من الشمال والشرق والجنوب، أمراً وارداً أو قابلاً للنقاش. وربما في أجندة زيارة الرئيس الأميركي إلى المنطقة بعد أيام محاولة إقناع بعض دول المنطقة التي ما تزال رافضة لفكرة التعامل مع إسرائيل.

ثمة خيارات أخرى لمواجهة خطر إيران ربما تكون موازية للتنسيق مع إسرائيل، ومن ذلك مثلاً ما يتم تداوله عن إنشاء منطقة آمنة في الجنوب السوري بعمق (35 كلم)  تكاد تكون مماثلة للمنطقة التي تحاول تركيا إقامتها في الشمال السوري.

وعلى الرغم من نفي الحكومة الأردنية الأنباء المتداولة حول إقامة “منطقة آمنة” على الحدود السورية، وأنه لا توجد نقاشات في هذا الخصوص، وأن الأردن لا يفكر بإقامة هذه المنطقة، إلا أن ما يدور في الكواليس من أحاديث بين الأطراف النافذة في المنطقة يشير بوضوح إلى أن إنشاء منطقة آمنة في الجنوب خالية من ميليشيا الأسد وإيران معاً هي إحدى الرغبات التي يطمح إليها الأردن الذي يستشعر خطراً جدّياً بسبب الوجود الإيراني في جنوب سوريا، وهذا الوجود أصبح يهدد الأمن الوطني الأردني.

وبالتالي فإن الأردن، ومن خلال طرح المنطقة الأمنية يحاول إبعاد الميليشيات الإيرانية عن حدوده لحماية أمنه الوطني، وبنفس الوقت يهدف لتوجيه رسائل إلى دول الخليج أن الأردن ضمن محور مقاومة إيران ومجابهتها ولن يكون مهادناً باتجاه السلوك الإيراني في المنطقة.

وعلى الرغم من عدم وجود معطيات مؤكدة، إلا أنه من الواضح أن هناك مناقشات بينية تجري بين حكومات الدول المعنية بترتيبات المنطقة الآمنة التي لا يمكن إنشاءها إلا بتوافق دولي، بالإضافة إلى اعتبارات كثيرة يجب أخذها بالحسبان، ومنها الصعوبات الكبيرة التي تواجه انشاء هذه المنطقة، وفي مقدمتها ان المنطقة الامنة تحتاج الى تدخل عسكري.

وبالتالي، هل لدى الأردن والدول الحليفة له القدرة على اتخاذ هذه الخطوة فضلاً عن تحمل نتائجها؟ أضف إلى ذلك أن إقامة منطقة آمنة تحتاج إلى التنسيق مع نظام الأسد حول كيفية تأمين ممرات لهذه المنطقة، فهل من الممكن التفاهم في حال رفض النظام، الذي، في الأصل، لا يملك القرار، كون القرار بيد ايران؟

وعلى الرغم من أن التحركات الميدانية والتدريبات العسكرية التي أجرتها القوات الأميركية باستخدام أسلحة نوعية متطورة مع فصيل مغاوير الثورة في منطقة التنف الاستراتيجية وتزويد الفصيل براجمات الصواريخ من نوع هايمرز المتطورة والتي يصل مداها إلى 300 كم، ربما تكون إحدى إرهاصات إنشاء المنطقة الآمنة، إلا أن كل المعطيات تشير إلى أن إمكانية فشل إقامة المنطقة الآمنة راجحة على إمكانية نجاحها بسبب الضغط الإيراني وتعنت النظام وعدم جدية الموقف الأميركي بتحجيم الدور الإيراني في المنطقة.

ورغم كل هذه الجهود التي يبذلها الأردن ودول الخليج لإيجاد آليات ناجعة للتصدي للخطر الإيراني، وكان التنسيق والتحالف مع إسرائيل هو أحد أشكال هذه الآليات الدفاعية، إلا أن السؤال الذي ينبغي ألّا يغيب عن الأذهان هو: هل الصراع بين إسرائيل وايران هو صراع مصالح وحجم نفوذ أم هو صراع وجودي؟ وربما هذا السؤال يثير سؤالاً آخر وهو التالي: ماذا لو توصلت إسرائيل إلى تفاهمات مستقبلية مع إيران؟.

المصدرالمدن

التعليقات

عذراً التعليقات مغلقة

    عاجل