حسن هدله .. حكاية ناجٍ من مجزرة داريا

عائشة صبري
2021-10-03T22:24:45+03:00
حكايات الحرية
عائشة صبري3 أكتوبر 2021آخر تحديث : الأحد 3 أكتوبر 2021 - 10:24 مساءً
hasan hadle - حرية برس Horrya press
الناشط حسن هدله خلال مظاهرة في مدينة داريا

حرية برس – داريا – حسن هدله:

“كنت أسأل نفسي .. ليش كل هاد؟ ليش الحكم بالقتل؟ ليش هالناس تموت؟ شو ذنبنا الصغار .. ليش تنقتل أحلام بسيطة؟ ليش تنقتل أشخاص تعبت وتعلّمت لتترك أثر بالمجتمع، وللأسف في منهم ما بقي إلهم أثر … ما بعرف كيف كنت أتطلع وشوف الجثث يمين ويسار أو بالأحرى فوق بعضها … ما بعرف كيف وأنا بهداك العمر كنت اتحمّل أسمع أم عم تبكي على ابنها”.

بهذه الكلمات يروي الناشط حسن هدله (25 عاماً)، لـ”حرية برس” حكاية “القبو” خلال مجزرة مدينة داريا الواقعة غرب العاصمة دمشق بحوالي 8 كيلومترات، والقريبة من حي المزة الدمشقي ومدينة معضمية الشام، كما أنها تُعد أكبر مدن الغوطة الغربية.

شهد الحدث عندما كان في السادسة عشر من عمره، وحينها كانت أكبر أحلامه دراجة هوائية أو نزهة مع الأهل بعد شراء ملابس جديدة بمناسبة عيد الفطر والحصول على عيدية، ورؤية عيون الصغار متلهفين لفرحة العيد.

يقول: “في ثاني أيام العيد الواقع في 20 / 8 / 2012 تتفاجأ داريا بقطع الكهرباء وتتحاصر المدينة من قبل جيش النظام والفرقة الرابعة والشبيحة، ليبدأوا القصف بقذائف، قصف بشكل غريب ومريب وعشوائي، أنا الذي جمعت (فتيش) حتى ألعب به بصوته العالي .. لم يعد صوت (الفتيش) له معنى بعد هاد القصف!”.

ويضيف: “طلعت كتير غارات الجوية وقتلت كتير عالم بلحظات بسمع 70 شخصاً بالحي قتلوا، بعد كم يوم بسمع أنه الشباب المرابطين على أطراف المدينة ما عاد عندهم أيّ ذخيرة، وضجّ الخبر بين الناس، إلى أن انسحبوا لأن معد فيهن يعملوا شيء”.

ويردف: “دخل جيش النظام من الجهة الشرقية للمدينة وكان في جامع اسمه (عمر) وفيه ناس قاعدين متخبين من القصف دخل عليهم عدد كبير من الشبيحة وقتلوهم كان عددهم الضحايا نحو مئة شخص وللعلم ما بعتقد أنها موثقة أبداً!”.

يتابع: “بعد يوم اتصلت فينا جارتنا وهي من الطائفة المسيحية أخبرتنا أنه عمّ يوزعوا خبز بالكينسة، (ما بحكيلكن قدي كانت الناس جوعانة ومو لاقية شي تاكلو) المهم رحت أنا وخايف كتير بس لازم روح وقبل ما وصل على الكنيسة شفت عدد من العساكر وعم يجمعوا العالم لأجل خيار واحد هو قتلهم، أنا فوراً سحبت رجليي بثقل فظيع وركضت بشكل أعمى عم ألتفت بكل الاتجاهات ودقات قلب سريعة .. ما بعرف كيف حتى وصلت البيت شافوني أهلي خايف ومرعوب، وخبرتن باللي صار…”.

في الساعة الحادية عشر ليلاً، اشتد القصف، مضيفاً: “أمي اتصلت بأهلها ما حدا رد وبعد عدة محاولات ردّت خالتي من جوال خالي وقالت: خذوا كل الرجال والشباب بالحارة لأن خوالي وجدي شلحوهم ويضربوهم … وسكرت الخط!، بعدها طلعت قعدت بالحارة مع عمي وأبي بعد هدوء نسبي للقصف … عم نفكر شو نعمل وين نروح وين نتخبى …”.

فجأة! “رأينا أناس هاربين من النظام وتحدثوا إلينا عن كيفية قتل الجيش للناس وخاصة قتل الأطفال الذين قتلوهم عبر دهس رؤوسهم برجليهم بلا ذرة إحساس أو رحمة … ويضربوا الأمهات اللواتي حاولن الدفاع عن أولادهن، وكانوا يخيرون الأم مين يضل عايش من ولادها (كيف لأم تقدر تختار أصلاً!) وحتى إذا رفضت تختار يقتلون الكل ولا كأنوا شيء صار”.

بالطبع .. “أنا أسمع وأتخيّل بنفس اللحظة أنه هيك كمان رح يصير فيني وبأهلي … بعد كم ساعة اتصلت لأمي على بيت جدي الساعة الثانية ظهراً، فإجاها الخبر بأن كلهم استشهدوا (خوالي وجدي وعمام أمي وأولاد عمها وجيرانهم)”.

في هذه اللحظات بدأ “حسن” يتيقن كيف سيموت، تحت التعذيب أم برصاصة أو نحراً بالسكين، وحينها بماذا سيشعر!، وتساءل من سيُقتل أولاً؟ مجيباً نفسه: “أنا أم أيّ أخ من إخوتي، أو سيقتلون الكلّ ويتركوني أعذّب برؤيتهم، هناك الخوف وحده قاتل”.

عندما أصبحت الساعة الرابعة عصراً .. “سمعنا إطلاق نار بشكل كثيف جنب بينتا قرب بساتين داريا الفاصلة بيننا وبين مدينة صحنايا، طلعت على السطح شفت مجموعة من الفرقة الرابعة والميليشيات الشيعية تشاجروا ببعضهم وقتلوا وجرحوا بعض. بعدها علموا أنهم مع بعض كانوا ماسكين أناس وصفوهم بمعمل البلوك رمياً بالرصاص!”.

بالتأكيد هذه الأهوال يراها “حسن” بعينيه ولم يعد يحتمل، فبدأ يُفكر للحظات ليركض بعدها، ويُخبر عائلته بما شاهده من مجازر، وهنا اتخذ أهله قرار الهروب من داريا إلى أي مكان آمن.

يقول: “مشينا بين زرع الملوخية والذرة، وجلسنا ما يقارب الساعة بعدين سمعنا صراخ النساء والأطفال بشكل كثيف من جهة بيوت أقارب أبي، فركضنا إلى بيت ابن عم أبي لأنه يطل على شارعين، ومشان نطلع من الباب اللي على شارع الرئيسي”.

يتابع: “عندما وصلنا هناك دققنا الباب … طلعت مرت ابن عمي وهي ترجف قالت الجيش جوا عم يدور ع شباب منشان يقتلهم، فما وقفنا رحنا ركض على كرمنا وتخبينا بين الزرع، شفت دبابة واقفة على طريق ترابي ومخلين الناس جاثية على الأرض شوي وتحركت الدبابة وصارت تدهسهم قدام أهاليهم وعلا صوت الصراخ والبكاء من كل مكان … بعدها رجعنا على البيت ناطرين آخر ضيف وهوي الموت!”.

عند الساعة السادسة مساءً، توقف القتل وبدأ التراجع لجيش الأسد وهو يحاصر داريا من كلّ مكان، حينها كان الأهالي لا يعرفون سوى الموت والسجن الكبير المحاط بهم.

قرّر عمي المحاولة للنجاة من الموت المحتم، وقال: “لازم نزحف داخل البساتين حتى ننفد وهو بنفس اللحظة يحاول يلاقي أي منفذ يوصل لصحنايا لكن ما قدر القناص رصدوا وأطلق عليه النار، لكنه رجع وحكى كيف كانت الجثث معبية الأرض وسمع صراخ المصابين بكل مكان لكن ما قادر يعمل شيء لهم…”.

أيضاً قرّر خالي قراراً ليس بأفضل من قرار عمي، بأنه “سيخاطر ويمرّ من بين عناصر الجيش علماً أن ساتر الجيش على الجانبين والجو ليلي وظلام داكن، واستطاع المرور وأخرج أولاده خارج الحي، وبعدها عاد إلينا وحكالنا أنو الطريق مو سهل بس قدر يتعداه .. مشي قدامنا ونحن وراه بالسيارة وكانت الأجواء أول طلوع الفجر”.

يتابع: “شفت العساكر من بعيد كيف واقفين ومانهم شايفينا لكن قدرة رب العالمين عمت أبصارهم بعد ما قطعنا كان الطريق مليان جثث نشوف الشهداء بالأرض، رحنا لعند بيت شخص قريب من مسجد أبو سليمان ودخلنا على بيت جدي شفنا كيف كانوا حاطين سفرة الأكل ومالحقوا ياكلوا للأسف …”.

بعدها نزل “هدله” وعائلته على القبو الذي وقعت فيه المجزرة، كانت الدماء تغطي كلّ مكان، الجدران والأرض وملابس الضحايا، هنا لم يحتملوا المشهد والرائحة، فذهبوا لمنزل عمهم فوجودوه محروقاً، وفي المطبخ بقايا جثث!، ثم دخلوا مسجد “أبو سليمان” الذي وضعت فيه جثامين الشهداء من بينهم جد “حسن” وأخواله،فكانت النظرة الأخيرة إليهم.

“أبو صياح” يصرخ بقوله: “اجا الجيش .. اطلعوا .. اجا الجيش …”، فخرجنا من المسجد إلى بيت جدي جنب جامع (المصطفى) وكان لديهم جيران (من طائفة ما) موالية للنظام، دخلنا لعندهم وانصدمنا عندما أخبرونا: “الجيش ما حكّى حدا ونحن بنتعامل مع الجيش وناكل ونشرب معهم”، غير آبهين بأنه على بعد أمتار احترقت ناس وانقصفت مباني ومساجد!.

هنا ذهبت أمي إلى منزل أهلها واتصلت بنا وقالت: “جارتنا ابنها مخبر وتسبب بموت كثير شباب ولازم تطلعوا من عندها بسرعة”، وعندما رأتنا سنغادر حاولت تلهينا بتناول الفطور كي تسلمنا للجيش، فهربنا مسرعين من المدخل الثاني من الحارة، وتنقلنا من حي لحي حتى قطعنا طريق “الدحاديل” ووصلنا “لوان” وكان خروجنا من داريا عند الساعة 12 ظهراً في ٢٦ / ٨ / 2012 وكان آخر يوم من المجزرة التي استمرت سبعة أيام.

الجدير بالذكر أن مجزرة داريا المذكورة راح ضحيتها أكثر من 700 مدني بينهم 522 شخصاً وثقوا بالاسم، بحسب المجلس المحلي لداريا، لكنها لم تكن كافية لإنهاء معاناة المدينة التي فرض عليها النظام السوري حصاراً دام أربع سنوات قبل أن يُهجّر أهلها في 26 /8 / 2016.

رابط مختصر

عذراً التعليقات مغلقة