كيف تحوّلت سرمدا شمال إدلب لبوابة سورية إلى العالم الخارجي؟

فريق التحرير
2021-09-30T21:59:40+03:00
دراسات وأبحاث
فريق التحرير30 سبتمبر 2021آخر تحديث : الخميس 30 سبتمبر 2021 - 9:59 مساءً
13810Image - حرية برس Horrya press
قصور سرمدا شمال إدلب – إترنت

أحدثَ النزاع في سورية تحوّلًا أساسيًا في المنظومة الاقتصادية والاجتماعية في المنطقة الواقعة شمال البلاد عند الحدود مع تركيا. وقد أدّى إلى تراجع دور حلب باعتبارها المركز الاقتصادي لسورية، وبروز بلدات حدودية ضمن منظومة اقتصادية جديدة مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالحدود. وتُجسّد سرمدا، الواقعة في محافظة إدلب، هذا التحوّل. فهذه البلدة الصغيرة التي تقع على مقربة من معبر باب الهوى الحدودي، والتي لطالما حجبتها عن الأضواء أهمية حلب، تحوّلت إلى مركز تجاري يربط جزءًا من الاقتصاد السوري بالأسواق التركية وبالتالي العالمية.

انطلق مسار التحوّل في سرمدا على وقع عسكرة الانتفاضة السورية في العام 2012، وتسارعت وتيرته حين غرقت سورية، بعد فترة وجيزة على ذلك، في أتون حرب أهلية شاملة. وفي العام 2012، سحب النظام تدريجيًا قواته من المناطق الريفية في إدلب حيث تنامى نشاط الثوّار، فقُطِعت حلب عن عمقها الاقتصادي. في غضون ذلك، تقاسمت مجموعات الثوّار وقوات النظام المدينة في ما بينها، ما أسفر عن نتائج كارثية من حيث الخسائر في الأرواح، وهروب الرساميل واليد العاملة الماهرة، ودمار البنى التحتية. وبدأ مركز المنظومة التجارية في شمال سورية بالتحوّل من حلب نحو المناطق الحدودية الخاضعة لسيطرة الثوّار في شمال غرب البلاد، ولا سيما سرمدا ومعبر باب الهوى المجاور.

وبحلول 2013-2014، كانت مدينة حلب قد تعرّضت فعليًا للتهميش. وفي الأعوام اللاحقة، تبدّل مشهد مجتمع الأعمال في سرمدا، وتبدّلت معه كذلك هوية المجموعات المسلّحة التي فرضت سيطرتها على البلدة ومعبر باب الهوى. حاليًا، تقع سرمدا وباب الهوى في المنطقة الخاضعة لحكم هيئة تحرير الشام الإسلامية المتشدّدة. ولكن على الرغم من التغييرات المختلفة، بقي جوهر النشاط الاقتصادي الذي برز في أعقاب انسحاب النظام من المنطقة الحدودية ثابتًا من دون أي تبديل، وقوامه استيراد السلع إلى سورية. وكان باب الهوى حتى العام 2017 من المعابر الحدودية القليلة التي ظلّت قيد التشغيل، ما منح سرمدا أهمية كبرى، إذ تحوّلت إلى صلة وصل اقتصادية بين تركيا والمناطق السورية الواقعة في قبضة الثوّار من جهة، وتلك الخاضعة لسيطرة النظام من جهة أخرى. وعلى الرغم من إنشاء معابر حدودية عدّة لاحقًا على طول الحدود السورية، ما أدّى إلى تحوُّل الكثير من القرى المجاورة إلى بلداتٍ، تبقى سرمدا بوّابة تجارية مهمّة إلى العالم الخارجي.

كيف حفّز النزاع السوري توسُّع سرمدا

قبل الانتفاضة، شكّلت مدينة حلب المركز الإداري والصناعي والتجاري لمنطقة شمال سورية. وكانت جميع الطرقات التجارية المحلية والدولية الأساسية في المنطقة تقود إلى حلب، ومنها تُوزَّع البضائع على المدن والبلدات الأصغر مساحةً في شمال سورية. وبعد اندلاع الحرب في البلاد، تعرّضت هذه المنظومة التجارية للخلل. ففي حين عُزِلت حلب من جميع الجهات تقريبًا وفقدت إمكانية الوصول المباشر إلى الحدود التركية، ظلّت هذه الحدود مفتوحة أمام التبادل التجاري مع المناطق الخاضعة لسيطرة الثوّار في سورية. نتيجةً لذلك، انتقل عدد كبير من رجال الأعمال والتجّار إلى بلدات حدودية كانت مهمَّشة سابقًا في شمال سورية، وإلى تركيا، وحتى أبعد منها. وأصبحت سرمدا، لأولئك الذين انتقلوا إلى تركيا، البوّابة الرئيسة لعلاقات الأعمال مع الأسواق السورية. كذلك، بدأت مدنٌ وتجّارٌ كانوا يدورون سابقًا في فلك حلب، بالبحث عن بوّابة جديدة وآمنة يستوردون من خلالها سلعًا من الخارج، ووجدوا ضالّتهم في سرمدا. واقع الحال أن المنظومة الاقتصادية الناشئة أعادت رسم الطرق التجارية الأساسية. قبل الحرب، كانت مدينة حلب الجسر التجاري الأساسي مع العالم الخارجي، أما بعد الحرب فأصبحت سرمدا تلعب هذا الدور، لكنها لم تحل محل حلب.

وانعكس هذا التحوّل من خلال الانتعاش السريع في حجم الصادرات التركية إلى سورية في العام 2014، بعد أن سجّل تراجعًا حادًا إبان عسكرة الانتفاضة. ففي العام الذي سبق الانتفاضة، كانت تركيا قد أصبحت المصدر الأساسي للواردات السورية. فقد استوردت سورية من جارتها الشمالية نحو 9.5 في المئة من مجموع وارداتها في العام 2010،1 وسجّلت قيمة الواردات من تركيا رقمًا غير مسبوق بلغ 1.84 مليار دولار.2 وفي كانون الأول/ديسمبر 2011، بعدما فرضت تركيا عقوبات على سورية من أجل الضغط على الرئيس بشار الأسد للتنحّي، علّقت دمشق اتفاقاتها التجارية مع أنقرة وفرضت رسومًا جمركية مرتفعة جدًّا على البضائع التركية.3 وأدّى ذلك إلى تراجع التبادل التجاري بمعدّل ثلاثة أضعاف في العام 2012. ولكن معبر باب الهوى، وبدرجة أقل معبر باب السلام الواقعَين في الشمال الغربي عند الحدود مع تركيا واللذين كانا خارج سيطرة دمشق ولم يخضعا للتنظيمات الحكومية، شهدا زيادة في حركة التبادل التجاري بحيث ارتفعت قيمة الواردات من تركيا إلى 1.8 مليار دولار في العام 2014، لتصل تقريبًا إلى المستوى الذي كانت عليه قبل العام 2011.4

في موازاة هذه التطوّرات، خاضت بيئة الأعمال تغيّرًا ملحوظًا. ففي أعقاب انسحاب الجيش السوري من شمال البلاد في منتصف العام 2012، إذ بالتجّار الذين جمعتهم صلات بالنظام يخسرون فجأةً احتكارهم للأعمال الكبرى. فبعد انسحاب النظام، أصبح باب الهوى ومناطق أخرى تحت سيطرة خليط من المجموعات المسلحة المحلية الطابع بمعظمها. ومثلما كان متوقَّعًا، برز في هذا الإطار دور السكان المحليين الذين يُجيدون الالتفاف على المخاطر. فقد شرح تاجرٌ تعامل عن كثب مع الأوضاع التي كانت سائدة في 2012-2013، أن امتلاك “جذور محلية” أو التعامل مع “شريك ذي جذور محلية” بات عاملًا أساسيًا للتجّار السوريين الآتين من أماكن أخرى والساعين إلى الإفادة من مناخ الأعمال الذي ازدهر في سرمدا مع أنه كان محفوفًا بالمخاطر في بعض الأحيان.

قرابة أواخر العام 2013، خاضت مجموعات عدّة من الثوار مواجهات في ما بينها للسيطرة على معبر باب الهوى. فأنشأت شبكات أعمالها الخاصة أو استولت على الشبكات القائمة من خلال إعادة تنظيمها. وفي نهاية المطاف، كانت الغلبة لتحالف أحرار الشام المؤلَّف من مجموعات إسلامية متشددة في شمال سورية. وبعدما تمكّن تنظيم أحرار الشام من فرض سيطرته المطلقة على المعبر في مطلع العام 2015، أنشأ هيئة مدنية لإدارته. وبحلول ذلك الوقت، أصبحت تركيبة التجّار الناشطين في سرمدا أكثر تنوّعًا إلى حد كبير بعدما كانت محلية الطابع بصورة أساسية، إذا أنشأ تجّار من مختلف أنحاء سورية قاعدة لهم في البلدة التي ظهر جليًّا أنها تحوّلت إلى مركز صاعد للنشاط التجاري.

ترافقَ التحوّل الاقتصادي مع تحوّل ديمغرافي شمل جزءًا كبيرًا من المنطقة الحدودية الشمالية. وفي هذا الإطار، أدّت ظروف السوق المؤاتية، مقرونةً بالأمان النسبي الذي تتمتع به سرمدا من ممارسات النظام والهجمات الجوية الروسية بحكم قربها من الحدود التركية، دورًا أساسيًا في هذه التطورات. وهكذا تدفّق السوريون النازحون داخليًا بأعداد كبيرة إلى المنطقة. وبين ليلة وضحاها، تحوّلت سرمدا التي كانت تضم نحو 15000 نسمة قبل العام 2011، إلى مدينة متوسّطة الحجم يبلغ عدد سكانها حوالى 130000 نسمة. وازداد عدد السكان في منطقة حارم التي تضم سرمدا وباب الهوى وبلدات حدودية أخرى، من 450000 نسمة في العام 2011 إلى 1.1 مليون نسمة في العام 2019.8

نتيجةً لذلك، سجّل الطلب على العقارات زيادة كبيرة فحدثت طفرة في قطاع البناء. ويشرح مهندس معماري محلي: “مَن استثمروا في سرمدا كانوا تجّارًا من حلب وإدلب وحماة ومعرة النعمان يعملون أصلًا في ذلك المجال. جاؤوا إلى سرمدا واشتروا أراضي أو اتفقوا مع المالكين على الاستثمار فيها بصورة مشتركة”.

لطالما كان المعيار السائد بناء منازل من طابق واحد، لكن استُبدِل على نحوٍ متزايد بتشييد مبانٍ من طوابق عدّة في البلدة نفسها، إضافةً إلى نَصْب خيمٍ متداعية للنازحين داخليًا في مناطق أبعد على طول الحدود. ونشأت أيضًا أحياءٌ كاملة تتّسم بالفخامة والترف، على غرار قصور سرمدا. وفي حين أن سعر المتر المربع في عدد كبير من العقارات كان يساوي نحو 20 دولارًا، وصل سعر المتر المربع إلى 100 دولار في العقارات الراقية.10 وهكذا، بين ليلة وضحاها، شهدت بلدة ريفية صغيرة تحوّلًا جغرافيًا واقتصاديًا واسعًا.

انعكس التطوّر السريع لبلدة سرمدا ومحيطها في مواقع عدّة في جهتَي الحدود. فظهرَ، نتيجةً للنزاع المستمر، تجمّعان سكنيان سوريان أساسيان، الأول في شمال سورية ويضم نحو 2.6 مليون سوري مع الإشارة إلى أن كثرًا بينهم هم من النازحين داخليًا،12 والثاني في جنوب تركيا حيث استقرّ نحو 1.6 مليون سوري.13 وصلة الوصل بين “السوريتَين” اللتين تفصل بينهما حدود دولية هي جسر باب الهوى الأساسي وجسر سرمدا الثانوي. ففي حين أن الأول يُشكّل بوّابة محورية إلى الأسواق الخارجية، يؤدّي الثاني الدور نفسه للأسواق السورية. إذًا، لا تؤدّي الحدود السورية-التركية في منطقة سرمدا/باب الهوى الوظيفة التقليدية المتمثّلة في تحديد الخط الفاصل بين دولتَين متجاورتَين، بل هي بمثابة منطقة للتجارة الحرّة تقع في التخوم الفاصلة بين سورية وتركيا.

مركز اقتصادي وممر للمساعدات الإنسانية

تاريخيًا، لم تستمد سرمدا أهميتها من موقعها قرب باب الهوى فحسب، إنما أيضًا من اعتياد سكّانها على طريقة سير الأمور عند الحدود. كان التجّار في المدن الكبرى في مختلف أنحاء سورية يتمتعون بامتيازات لا يحظى بها أبناء سرمدا، ولكنهم كانوا يفتقرون إلى الوسائل الضرورية لتسهيل نقل البضائع التي غالبًا ما تساوي ملايين الدولارات من باب الهوى إلى مدنهم. فهذه المسألة كانت من اختصاص نحو 20 شركة تُعنى بتخليص المعاملات الجمركية تديرها عائلاتٌ من البلدة كانت على دراية مباشرة بشؤون التخليص الجمركي وتربطها صلاتٌ بالسلطات الحكومية المحلية مثل الجمارك والأجهزة الأمنية، وبنظراء لها يعملون في الجانب التركي من الحدود.

ولكن التخليص الجمركي كان يدرّ أرباحًا طائلة ولذلك لم يُترَك بالكامل في عهدة السكان المحليين. ففي منتصف التسعينيات، قرّر جميل الأسد، شقيق الرئيس السوري آنذاك حافظ الأسد، والذي كان يعمل في مجال التخليص الجمركي في مينائَي اللاذقية وطرطوس، دخول سوق باب الهوى. وقد سعى جميل الأسد، من خلال المقاربة التي اعتمدها، إلى استتباع الهيكليات الاقتصادية القائمة بدلًا من تجميدها. ففرض زيادةً في رسوم المعاملات الورقية، وأنشأ صندوقًا مشتركًا لجمع الإيرادات الإضافية وتوزيعها على شركات التخليص الجمركي، وكان عددها نحو عشرين شركة. وهكذا، بنى جميل الأسد تحالفات مع الأفرقاء الاقتصاديين المحليين. حتى إنه اعتمد على رئيس إحدى الشركات المحلية للإشراف على توزيع الإيرادات الإضافية التي كان الصندوق المشترك يجمعها، علمًا بأنه أُشيع على نطاق واسع بأن شركة جميل الأسد كانت تستحوذ على الحصّة الأكبر من أموال الصندوق.

أثّرت الظروف المتغيّرة في شمال سورية بشكل عميق على شركات التخليص الجمركي. فمع انسحاب النظام من المنطقة، انتهت المنظومة الجمركية في باب الهوى، وانتفت بذلك الحاجة إلى هذه الشركات. ولكن هذا لا يعني أنه لم يعد للشبكات الاقتصادية المحلية أيّ دور، بل أعادت هذه الشبكات اختراع نفسها. والدليل على ذلك أن بعض الشركات أظهرت قدرةً مُلفتة على الانتقال بسلاسة من التخليص الجمركي إلى التجارة. فهي حافظت على الروابط التي كانت قد بنتها مع التجّار السوريين والأجانب، لكنها أعادت توجيهها نحو مسعى جديد مشترك يتمثّل في استيراد السلع وبيعها في السوق المحلية. وبهذه الطريقة، اتخذت الشركات التي كانت تعمل سابقًا في التخليص الجمركي الخطوات الأولى نحو تحويل سرمدا إلى مركز للتجارة الإقليمية، وتحويل نفسها إلى مجموعة فضفاضة إنما متقاربة من حيث التفكير وتُعرَف باسم “تجّار سرمدا”.

ترافقَ نموّ مجتمع الأعمال في سرمدا مع نموّ مجتمع الأعمال في منطقة واسعة جنوب شرق تركيا، والتي انتقل إليها عدد كبير من السوريين. وقد ظهرت أعداد كبيرة من الشركات ذات الرأسمال السوري، ولا سيما في محافظات غازي عنتاب ومرسين وكيليس. ففي العام 2015، كانت نسبة 35 في المئة من جميع الشركات الجديدة في كيليس تضم مساهمين سوريين، فيما بلغت النسبة 15 في المئة في مرسين و13 في المئة في غازي عنتاب.

وكانت سورية سوقًا مهمّة لهذه الشركات الجديدة. فعلى سبيل المثال، ازدادت قيمة الصادرات من غازي عنتاب إلى سورية من نحو 100 مليون دولار في العام 2011 إلى 400 مليون دولار في العام 2015، فيما ارتفعت قيمة الصادرات من محافظة هاتاي الواقعة أيضًا في جنوب شرق تركيا، من 100 مليون دولار إلى 226 مليون دولار خلال الفترة نفسها.

لقد أصبحت سرمدا الوجهة الأساسية للبضائع الآتية من الخارج وتحوّلت إلى نقطة إمداد للأسواق السورية في المناطق الواقعة في قبضة الثوّار وتلك الخاضعة لسيطرة النظام على السواء. ويُشار في هذا الصدد إلى أن إدلب، بأعداد سكّانها الآخذة في التزايد، كانت ولا تزال السوق المباشرة لهذه البضائع. كذلك يضم شمال سورية، ولا سيما المنطقة الخاضعة لسيطرة المقاتلين السوريين المدعومين من تركيا، أي عفرين ومنطقة “درع الفرات” الواقعة شمال حلب، أسواقًا مهمة.

وفي مرحلة معيّنة، كانت الخلافة التي أنشأها تنظيم الدولة الإسلامية سوقًا واسعة لتلك البضائع. صحيحٌ أنها لم تُعمّر طويلًا، بيد أنها امتدّت في العام 2015 من ريف حلب الشرقي ووصولًا إلى الموصل والفلوجة في العراق. فالأسعار في الأراضي الخاضعة للدولة الإسلامية كانت أعلى نسبيًا، فضلًا عن افتقارها إلى قنوات للتواصل مع العالم الخارجي، ما عزّز أهمية سرمدا بالنسبة إليها.

لا شك في أن التجّار المقيمين في المناطق الخاضعة لسيطرة النظام استفادوا أيضًا. فقد أمّن محور سرمدا/باب الهوى وسيلةً لاستيراد السلع بكلفةٍ أرخص مقارنةً مع المنافذ الجوية والبحرية الخاضعة لسيطرة النظام، لأن الضرائب المفروضة أدنى، والرشاوى المطلوبة غير باهظة، والإجراءات البيروقراطية أقل، من دون حدوث الكثير من التأخير. عمليًا، يعني ذلك أن الترتيبات المعقّدة عمومًا لنقل البضائع من الصين إلى ميناء مرسين التركي، ثم إلى سرمدا عن طريق باب الهوى، لإرسالها في المرحلة الأخيرة إلى مدنٍ مثل حماة، كانت خيارًا أفضل من شحنها من الصين إلى ميناء طرطوس.

علاوةً على ذلك، ظلّت البضائع التركية، على الرغم من حظر النظام السوري لها، متوافرةً في أسواق حلب ودمشق. وكانت حركة البضائع عبر الخطوط العدوّة ممكنة بفضل المعابر الداخلية التي كانت تربط بين أوصال البلاد المقطّعة، وقدّمت برهانًا على أن المصالح في الأعمال تتفوّق في معظم الأحيان على الخصومات السياسية. وكان معبر أبو دالي الواقع شمال شرق حماة من أشهر المعابر الداخلية وأكثرها استخدامًا. كان المعبر يخضع، في الجزء الواقع في إدلب، لسيطرة هيئة تحرير الشام. أما الجزء الخاضع لسيطرة النظام فكان يتولّى تشغيله نائب في البرلمان من أبناء المنطقة.21 وقد ظهر عدد كبير من المعابر الداخلية المماثلة في سورية ثم اختفت، غالبًا بسبب تقلّب الوضع السياسي. مثلًا، بين ربيع 2018 و2019، كانت معابر عدّة تربط إدلب بالمناطق الخاضعة لسيطرة النظام. يقول مسؤول سابق في جبهة فتح الشام (التي أصبحت لاحقًا هيئة تحرير الشام) إن عائدات التنظيم من هذه المعابر الداخلية بلغت 2.3 مليون دولار في الشهر.

وقد تبدّل هذا الوضع نتيجة العملية العسكرية التي شنّها النظام في مطلع العام 2020. فقد استعاد النظام، بمؤازرة من روسيا، السيطرة على طريق دمشق-حلب الاستراتيجي المعروف بـ”إم 5″، وتوقّفت على الفور الحركة التجارية المباشرة بين المناطق الخاضعة للنظام وتلك الخاضعة لسيطرة هيئة تحرير الشام. وقد بذلت الهيئة لاحقًا محاولات لفتح معابر داخلية لأغراض التجارة مع المناطق الخاضعة لسيطرة النظام، ولكن هذه المحاولات جوبهت بالرفض من السكان المحليين الذين وصل عددٌ كبير منهم إلى إدلب بعدما اضطروا إلى النزوح بسبب العمليات التي شنّها النظام في أماكن أخرى.23 واستدعت هذه المحاولات أيضًا تحذيرات صارمة من تركيا التي تحافظ على وجود عسكري واسع في إدلب. وفي غضون ذلك، اكتسبت المعابر الداخلية بين إدلب وعفرين التي تخضع لسيطرة القوات المدعومة من تركيا، أهمية أكبر بعدما أصبحت بوّابة سرمدا الوحيدة إلى مناطق أخرى في سورية.

ولكن من اللافت أن هيئة تحرير الشام قاومت إغواء ممارسة سيطرة أكبر على باب الهوى، على الرغم من مواجهتها أوضاعًا شبه ميؤوس منها. فمنذ طرد أحرار الشام في آب/أغسطس 2017، عزّزت هيئة تحرير الشام قبضتها على إدلب بأكملها، واعتمدت مقاربة عملية أكثر لحكم المحافظة، حتى إنها زعمت في مرحلة معيّنة، وفقًا لما أوردته التقارير، بأنها تدير “دولة”.25 ولكن على الرغم من كل هذا التبجّح، كانت الهيئة تدرك أنها مُدرَجة على القائمة السوداء في مختلف أنحاء العالم كونها تُصنَّف تنظيمًا إرهابيًا. وبالتالي، في حال فرضت سيطرتها المباشرة على باب الهوى، كان التجّار ذوو الروابط الدولية سيحجمون، منطقيًا، عن استخدام المعبر، ما يؤدّي إلى هبوط شديد في الحركة التجارية. وهكذا فضّلت هيئة تحرير الشام عدم المجازفة وتجنّب هذه النتيجة الكارثية، واختارت وسيلة غير مباشرة لانتزاع إيرادات أكبر من محور سرمدا/باب الهوى.

وفي هذا الصدد، سعت هيئة تحرير الشام تحديدًا إلى تعزيز مكانة فريق معيّن من تجّار سرمدا يُعرَف بـ”تجّار الهيئة” الذين كانوا يكنّون ولاءً شديدًا لها. وهكذا فرض التنظيم، من خلال منح حقوق حصرية لتجّار الهيئة على المواد الغذائية الأساسية وغيرها من البضائع الرئيسة، شبه احتكار على مبيعات السكّر والدجاج والموز، من جملة سلع أخرى تلقى إقبالًا واسعًا على الشراء، فيما تجنّبَ التدخّل في التبادلات التجارية الفعلية. يقول تاجر مطّلع إن تاجرًا لا صلة له بتجّار الهيئة قد “يشتري السكّر وينقله إلى باب الهوى، إنما لن يُسمَح له بإحضاره إلى [إدلب]”.26 فالطريقة الوحيدة لعرض المنتج للبيع داخل سورية هي من خلال بيعه إلى تجّار الهيئة. يبدو أن هيئة تحرير الشام امتنعت، في خطوةٍ حكيمة، عن اللجوء إلى الأساليب القمعية، ونفّذت بدلًا من ذلك استراتيجية قائمة على فرض سيطرتها شيئًا فشيئًا على محور سرمدا/باب الهوى. فلولا الإيرادات التي يؤمّنها هذا المحور، لانهارت المنظومة الاقتصادية والاجتماعية في إدلب، وانهارت معها دويلة هيئة تحرير الشام.

في غضون ذلك، تبلورَ جانبٌ جديد آخر للمنظومة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية في إدلب، ويتمثّل في المساعدات الإنسانية. هنا أيضًا، تؤدّي الديناميكيات الحدودية دورًا أساسيًا في فهم هذا البعد. وقد برز باب الهوى باعتباره المعبر الأهم لتسليم المساعدات الإنسانية، فيما أدّت سرمدا دورًا مكمِّلًا من خلال تأمين المستودعات اللازمة لتخزين الإمدادات المتدفّقة حديثًا.27 وباتت المساعدات الإنسانية جزءًا من المنظومة الاقتصادية المحلية نظرًا إلى اعتماد السوريين المتزايد عليها في الشمال الغربي.

وهذا ما تؤكّده نظرة سريعة إلى الإحصاءات ذات الصلة. ففي العام 2014، أجاز قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2165 لوكالات الإغاثة التابعة للأمم المتحدة نقل المساعدات عبر الحدود بهدف تسليمها إلى وجهتها.28 وشمل هذا القرار معبرَي باب الهوى وباب السلام في شمال غرب سورية، ما يعني أن دخول المساعدات إلى المناطق السورية الخاضعة لسيطرة الثوّار بات ممكنًا من دون الحصول على موافقة دمشق. وبين العام 2014 وتشرين الثاني/نوفمبر 2020، عبرت 37700 شاحنة محمَّلة بالمساعدات الإنسانية إلى المنطقة الواقعة شمال غرب سورية، ومرّ نحو 85 في المئة من هذه الشاحنات عن طريق معبر باب الهوى.29 وفي العام 2020، دخلت نحو 12000 شاحنة تحمل معظمها مواد غذائية وسلعًا مرسَلة من برنامج الأغذية العالمي، إلى المنطقة، وقد مرّ 87 في المئة منها عبر باب الهوى. وسُلِّم نحو 193000 طن متري من المساعدات الإنسانية إلى منطقة حارم، مقابل حوالى 70000 طن لمجمل المواقع الأخرى في الشمال الغربي.30 باختصار، تعتمد إدلب اعتمادًا شديدًا على المساعدات، وغالب الظن أن يؤدّي اختلالها إلى وقوع أزمة إنسانية.

في هذا المجال أيضًا رأت هيئة تحرير الشام أن عليها أن تلتزم الحذر. فعلى سبيل المثال، حاول التنظيم في البداية فرض ضريبة على جميع المساعدات التي تمرّ عبر باب الهوى. ولكنه تراجع حين هدّد المانحون الغربيون بوقف كل شحنات المساعدات. وعلى القدر نفسه من الأهمية، مارست تركيا سيطرة أقل على المساعدات المتّجهة إلى إدلب خلافًا لمناطق أخرى في الشمال الغربي تُحكم أنقرة قبضتها عليها. وخير دليل على ذلك حادثة وقعت في نيسان/أبريل-أيار/مايو 2020. فقد رفضت السلطات التركية، وفقًا لأحد النشطاء المحليين، السماح بأن تُوزَّع في عفرين سِلال مواد غذائية مصدرها السعودية ولا تحمل العلَم التركي. نتيجةً لذلك، عمدت السعودية ببساطة إلى إعادة توجيه الشحنة نحو إدلب حيث وُزِّعت السلال من دون تدخّل السلطات التركية.

لا شك في أن المنظومة الحالية لتسليم المساعدات الإنسانية، على الرغم من إيجابياتها الكثيرة، تنطوي أيضًا على عددٍ من الجوانب السلبية. فالتأثير التركي الضعيف والاعتماد المفرَط على باب الهوى يجعلان مشروع المساعدات برمته عرضةً للتعطيل من جانب النظام الذي له أيضًا أصدقاءٌ نافذون. في تموز/يوليو 2020، عرقلت روسيا لفترة وجيزة تجديد العمل بالقرار 2165 بشأن تسليم المساعدات عن طريق تركيا.

فقد أرادت موسكو لبعض الوقت أن تفرض مرور جميع المساعدات الإنسانية إلى سورية من خلال قنوات خاضعة لسيطرة دمشق. لو حدث ذلك، لتمكّنت دمشق من السيطرة على حصص المساعدات المخصّصة لإدلب. ويُعتبر هذا السيناريو كارثيًا لأبناء المنطقة لأنه يمنح النظام القدرة على تدمير ركيزة أساسية من ركائز المنظومة الاجتماعية-الاقتصادية في إدلب.

خلاصة

تُشكّل المنطقة الفاصلة التي تشمل سرمدا وباب الهوى ظاهرة غير مألوفة. فهي ليست منطقة حدودية تقليدية تفصل بين دولتَين سياديتين، على الرغم من أنها تستوفي فعليًا هذا الدور. ولا هي منطقة حرّة أنشأتها دولتان سياديتان لتسهيل التجارة، علمًا بأنها تؤدّي هذا الدور أيضًا. بل يمكن النظر إلى ظاهرة سرمدا/باب الهوى على أنها بوّابة متعددة المنافذ نشأت بصورة طبيعية، أي وُلدت من رحم الظروف القائمة أكثر منه عن سابق تصوّر وتصميم، بين المنظومات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية المختلفة في تركيا وسورية.

فمن الناحية الاقتصادية مثلًا، تُعدّ سرمدا/باب الهوى بمثابة صلة وصل بين المنظومة المالية/المصرفية الواضحة المعالم والمعترَف بها دوليًا في تركيا وسائر أنحاء العالم، وبين المنظومة المالية/المصرفية الغامضة نسبيًا في إدلب، والتي يديرها أفرقاء غير دولتين وتفتقر إلى إطار تنظيمي واضح. وتُستكمَل الأهمية الاقتصادية لمنطقة سرمدا/باب الهوى من خلال دورها كبوّابةٍ من نوعٍ آخر تتيح التنقّل المتكرر عبر الحدود ذهابًا وإيابًا لأشخاص غير معنيّين بالتجارة. في الواقع، تتعزّز ظاهرة سرمدا/باب الهوى من خلال العامل الذي أدّى إلى ظهورها في المقام الأول، وهو انتقال ملايين السوريين مؤخرًا للإقامة في مناطق على مقلبَي الحدود وبمحاذاتها تمامًا. صحيحٌ أن المجموعتَين السكنيتين تقطنان الآن في منظومتين مختلفتين، ولكنهما تتشاركان أصولًا جغرافية واجتماعية عامة كونهما تتحدّران من المنطقة الواقعة شمال غرب سورية، ما يتيح لهما تجاوُز مختلف أشكال الحدود، بما في ذلك الحدود الدولية.

إضافةً إلى ذلك، تكمن فرادة هذه البوّابة المتعددة المنافذ في عدم ممارسة أي فريق سيطرةً محكمة عليها. فتركيا مثلًا، وهي الجهة الدولية الوحيدة ذات الحضور القوي على الأرض في إدلب، تمارس نفوذًا في المنطقة ولكنها لا تتمتّع بسيطرة محكمة هناك. وينطبق هذا الأمر أيضًا على هيئة تحرير الشام التي تحكم الجزء الأكبر من إدلب بالمعنى الجغرافي المباشر، والتي تعدّت على منطقة سرمدا/باب الهوى وحصدت بعض المنافع، لكنها أحجمت عن ممارسة سيطرة كاملة على المنطقة، لأن هكذا خطوة قد ترتدّ بنتائج عكسية عليها.

قد تكون بوّابة سرمدا/باب الهوى شريان حياة حيويًا، ولا سيما لسكّان إدلب، ولكنها تبقى هشّة. والسبب أنه على الرغم من الدعم الذي يؤمّنه لها ملايين السوريين على جانبَي الحدود، يعتمد وجودها إلى حدٍّ كبير على معطيات سياسية أوسع ليس للأفرقاء المحليين سوى تأثير ضئيل عليها. ففي الواقع، إذا لجأت روسيا والنظام السوري إلى التصعيد العسكري، أو إذا جرى التوصّل إلى اتفاق سياسي ينص على استعادة النظام سيطرته على المنطقة، مثلما حصل في المناطق التي كانت خاضعة لسيطرة الثوّار في جنوب سورية في صيف 2018، فسوف يسفر ذلك عن إحكام الخناق على سرمدا/باب الهوى. وحتى إعادة تنظيم المساعدات الإنسانية عبر الحدود قد تؤدّي إلى النتيجة نفسها، ولا سيما إذا تمكّن النظام من التحكّم بهذه العملية. فبوّابة سرمدا/باب الهوى التي تحوّلت بين ليلة وضحاها إلى مركز اقتصادي يُعوِّل عليه جزء أساسي من الاقتصاد الحربي في شمال غرب سورية، قد تنهار بسرعة وتوقد معها شرارة انهيار المنظومة التي نشأت في إدلب في زمن الحرب.

المصدرمركز مالكوم كير– كارنيغي للشرق الأوسط
رابط مختصر

عذراً التعليقات مغلقة