في سوريا.. هل فقدنا السيطرة على المستقبل؟

عمر إدلبي26 أغسطس 2016آخر تحديث :
في سوريا.. هل فقدنا السيطرة على المستقبل؟

عمر إدلبي - OMAR EDLBI

* عمر إدلبي
هل فقدنا سيطرتنا على المستقبل؟ وهل تتحمل الثورة وزر ما آلت إليه الأوضاع في سوريا؟

بعد استقلال سوريا وبداية عهد تأسيس الدولة الوطنية وجد رجالات الدولة السورية الوليدة أنفسهم معنيين بشكل مباشر في جملة قضايا خارج حدود دولتهم، وعلى رأسها قضية الاحتلال الصهيوني لفلسطين وتداعياته على مجمل الحالة العربية، وهي قضية كانت خارج حدود سوريا السياسية لكنها في وجدان كل سوري وداخل جدران كل بيت سوري، قضية سورية بامتياز.

وبات لزاماً على سوريا “الدولة والشعب” أن تكون أكبر من المساحة والقدرات، وأعمق أثراً في قضايا الأمة العربية من حدود إمكانياتها، حباً وواجباً وليس كرهاً عند الشعب السوري، وانتهازية عند معظم الأنظمة التي حكمت سوريا، حيث شكلت علاقة سوريا بقضايا محيطها الجغرافي وخاصة قضية فلسطين رافعة لتيارات سياسية ومجموعات عسكرية حكمت سوريا بشرعية الانتخاب مرات قليلة، وبالانقلابات العسكرية مرات أكثر.

ظلت سوريا لاعباً إقليمياً مؤثراً بقوة طيلة عقود، وساهمت بإيجابية، وبسلبية أيضاً في قضايا الإقليم، وكان تأثيرها بارزاً ولا يمكن تجاوزه في قضايا الصراع الفلسطيني الصهيوني، والحرب الأهلية في لبنان، وأزمات العراق المتكررة، في حربه مع إيران، وغزو الكويت وتداعياتها الخليجية والعربية، ولاحقاً في الغزو الأميركي للعراق.

لكن الدولة السورية وجدت نفسها بعد سنوات قليلة من حكم الوريث بشار الأسد قضية من قضايا المنطقة، وكانت جريمة اغتيال رئيس الوزراء اللبناني السابق رفيق الحريري بداية وضع سوريا تحت الضغط المباشر، لتصبح محل صراع دولي، وتصاعدت خطورة هذا الواقع الجديد مع انطلاق الثورة السورية عام 2011 ومواجهة نظام الأسد للحراك الشعبي الاحتجاجي السلمي بعنف منقطع النظير.

ومع تصاعد وتيرة المواجهة بين الثوار والنظام وفقدانه السيطرة على أجزاء واسعة من البلاد لصالح الجيش الحر، وفقدانه لاحقاً مساحات جغرافية إضافية لصالح التنظيم المتطرف “الدولة الإسلامية”، والمليشيات الكردية، وتحول قوات النظام إلى طرف، وليس الطرف الأقوى، من أطراف الصراع، انتهى بشكل كامل دور سوريا كلاعب إقليمي، لتتحول إلى ساحة صراع نفوذ دولي، وحروب متنوعة بين أطراف دولية وإقليمية بالوكالة.

يطيب لأنصار محور العداء لثورات الشعوب أن يلصقوا بالثورة السورية تهمة تهديد وحدة ووجود سوريا، وحرف الأنظار عن الكيان الصهيوني بوصفه “العدو الحقيقي”، وإخراج سوريا من معادلة الصراع معه، وهو كلام صحيح من حيث النتيجة، لكنه يتعامى بقصد عن المسبب والجاني، ويلصق تهمة الفعل المؤدي إلى هذه النتيجة الموجعة بالمجني عليه.

ولأن المتسبب الحقيقي بالكارثة السورية ونتائجها الخطيرة وهو نظام الحكم الاستبدادي الذي واجه شعبه بالموت وتدمير مقدراته، وهذا أمر أوضح من أن نبحث له على أدلة، فإن من العبث تأكيد المؤكد، ويبدو نقاش مسؤولية الثوار عن الكارثة السورية محل نظر.

لا يمكن للثوار إدراك كل ما يمكن أن تؤول إليه الأحداث، وما يمكن أن تفضي إليه “أفعالهم” من مآلات، فالنتائج غير المقصودة واردة بالتأكيد، وقد تكون كارثية، وهذا ما يقول به واقع الحال الآن، وما آلت إليه انتفاضة سلمية كانت تبحث عن (أهداف محددة) هي في جوهرها قائمة على مساءلة السلطة الاستبدادية، والفاسدة، ولا تخفي طموحات ناشطيها المتوافقة مع مزاج ومطالب عموم الشعب، في إحداث تحولات في بنية هذه السلطة، وما يترتب على هذه التحولات من رفع يد أجهزة السلطة الأمنية والعسكرية أولاً، والإدارية ثانياً، عن حياة المواطن السوري، بما هو إجراء سياسي بالدرجة الأولى، لو تم بشكل طبيعي فإنه كان سيؤدي بالضرورة إلى إحداث سلسلة من التحولات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، كانت لتكون أرضية مناسبة لتحول نهضوي شامل.

هذا ما كان يحلم ويخطط له السوريون الذين ثاروا على نظام الأسد، وإذا بالأحداث تقود إلى نتائج تقول بغير ما حلموا به، بعيدة كل البعد عن تلك الأهداف.
وفي كل الأحوال، وما دام الواقع ناتج تفاعل يشتغل عليه الفردي والجمعي، من العوامل الداخلية والخارجية، فإن الواقع ليس صيغة نهائية، ولن يكون، فهو حالة مستمرة من التغير والتشكل، وما من قانون ثابت أو قواعد نهائية تحكم التغيرات في الواقع ما دام التغير ليس فعلاً متفقاً على آلياته وأهدافه بين السلطات الحاكمة والمجتمع.

الكارثة الدموية والديمغرافية، والخراب الواسع الذي طال سوريا تربك العقل دون شك، ومن البديهي أن تبدو التوقعات عاجزة عن وضع تصورات مسبقة لما ستؤول إليه الأمور في سوريا، وما يزيد صعوبة التوقع تعقيداً أن الصراع السوري لم يعد سوريّاً، والفاعلين السوريين أصبحوا (الآن على الأقل) أضعف من أن يتمكنوا من التأثير في مجرى الحدث السوري.

وإذا كان التشتت والصراع البيني في ما بين قوى الثورة والمعارضة السورية يجعلها جميعها أطرافاً ضعيفة، فإن وهن وتهالك نظام الأسد، واعتماد مؤسساته العسكرية والاقتصادية، بل وحتى السياسية، على حلفائه الروس والإيرانيين يجعله في غاية الضعف أيضاً.

إن كلا الطرفين السوريين (النظام ومعارضته) وصلا إلى حال لا يمتلكان فيها إلا خيارات محدودة التأثير بمجرى أحداث الصراع ومآلاته، والنظر بتمعن إلى حقيقة القوى المسيطرة على الأرض السورية الآن يفيد بأن كل القوى ومن ضمنها نظام الأسد تحولت إلى جماعات تعتمد في استمرارها على حلبة الصراع على داعم خارجي.

ويفرض هؤلاء الداعمون تصوراتهم للصراع وطرائق إدارته على الأطراف المتصارعة على الأرض، مع الإقرار بأن مساحة محدودة من المناورة متاحة بتفاوت لأطراف الصراع المحليين، تتسع وتضيق وتتبدل مع تغير وتبدل المواقف الدولية والإقليمية، وتشابك أو اشتباك مصالح الدول الكبرى، وبدرجة أقل بتأثير من الدول الإقليمية.

وبلا شك فإن قوى الثورة والمعارضة، السياسية والمسلحة، تتحمل مسؤولية ضعفها وتشرذمها وصراعاتها الحزبية والشخصية، والإيديولوجية أحياناً، على سلطة لم تصبح باليد، ما أفقدها ثقة حلفائها على قلتهم وقلة حيلتهم.

لكن المؤكد أيضاً أن القوى الدولية الكبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأميركية بإدارتها الحالية، لم تفعل إلا ما تسبب بإطالة أمد الصراع الدامي، والتراخي الدبلوماسي والعسكري وحتى الإغاثي الذي ظهرت عليه إدارة الملف السوري من قبل هذه القوى سمح لنظام الأسد، ولحلفائه الروس والإيرانيين بفعل كل ما يمكنهم فعله لوأد الثورة، وتعميم الخراب وتهديد وجود الوطن السوري ووحدته.

منطق تاريخ الشعوب يختلف تماماً عن منطق القوانين والقواعد الثابتة، لأنه يكتب بالتضحيات
حتى باتت الجغرافية السورية جزر نفوذ لمليشيات وجماعات متنوعة الأهداف والمشاريع والإيديولوجيات، القومية والدينية والمذهبية، وغدا الوطن ساحة مفتوحة لمرتزقة من دول شتى، يتعاملون مع الشعب السوري حتى في مناطق سيطرة النظام كما لو أنهم قوى احتلال، وهم كذلك بالفعل.

ولكن، ورغم أن الكارثة السورية باتت أكبر وأعقد من أن يوقف تداعياتها السوريون وحدهم، في ظل هذا الصراع الدولي على الساحة السورية، فإن تجارب التاريخ تفيد بقدرة الشعوب في حالات كثيرة على تغيير مصائر مرسومة لها من الخارج.

ولعل صمود الشعب السوري أكثر من خمس سنين في وجه نظامه القاتل ووفائه لثورته رغم كل ما اعتراها من انحرافات، لعل في هذا ما يبشر ببصيص ضوء في آخر النفق المعتم الطويل، فإرادات القوى الكبرى ليست قدراً لا مفر منه، ومنطق تاريخ الشعوب يختلف تماماً عن منطق القوانين والقواعد الثابتة، لأنه يكتب بالتضحيات.

* نقلاً عن: “مدونات الجزيرة”

التعليقات

عذراً التعليقات مغلقة

    عاجل