خرافة المستبد العادل

آراء
فريق التحرير22 أغسطس 2016آخر تحديث : منذ 4 سنوات
خرافة المستبد العادل

علي صبري* علي صبري
كمن يصف شخصا بالطويل لكنه قصير، أو أنه طيب وشرير في آن؛ أوصاف متناقضة لا تلتقي في إنسان، لكنها باتت مقولة متداولة بكل ثقة، لتوصيف حالة الزعماء الذين يحسنون في مجال ويسيئون في آخر.

فرغم تناقض الوصفين، واستحالة التقائهما في كيان واحد، لكن منا من يشطح خياله فيراهما مجتمعين بشكل طبيعي في هذا القيادي أو ذاك الزعيم، وهم بذلك يرددون القول إن بعض الزعماء يحملون مشاريع كبيرة لنهضة أممهم، وينجحون لحد كبير في مساعيهم، وفي مقابل ذلك لا بأس إن استبدوا وبطشوا وصادروا حريات شعوبهم.
وكأننا لا نستحق الشوريّ العادل أو بلغة اليوم الديمقراطي العادل، أو كأنهما لا يجتمعان في إنسان من طينتنا. رغم أن شعوب شمال المتوسط ذات الطينة الخاصة، تصلح جيناتها للجمع بين الصفتين في شخوص حكامهم، فيلتزمون بالقانون والديمقراطية ويعدلون في شعوبهم.

ومن أوجب صور عدل الحاكم أو الزعيم هو منح أبناء الشعب حقوقا متساوية في التعبير عن آرائهم، والشراكة في إدارة الشأن العام، وعدم تفضيل قطاع أو فئة من الناس على آخرين في ممارسة هذا الحق؛ وهذا هو جوهر الديمقراطية المنافي للاستبداد.

أما نجاح بعض الزعماء في تحقيق النهضة في بلدانهم، فلا يعني أن البركة تحل على كل تفاصيل حكمهم، فيكتسبون بذلك صك المعصومية، فتصبح “خرابيشهم تخطيطا للمستقبل”، وقمعهم لمخالفيهم حكمة ودهاء مقبولا، وحتى فسادهم يبرَّر لهم بأنهم يسرقون القليل ويتركون لشعوبهم ما يكفيهم.

وهذا بالطبع لا ينفي أن النجاحات الكبيرة إذا رافقتها نقائص محدودة، تغلب الحسنات السيئات؛ لكن لا تبدل السيئات إلى حسنات، فهذه من خصائص الرحمن يوم القيامة مع عباده، وليست من معايير تقييم السياسيين وممارساتهم.

حققت ماليزيا قفزة كبيرة في التنمية تحت قيادة د. مهاتير محمد، حتى باتت تجربته في الحكم محل بحث أكاديمي ونموذجا يحتذى في برامج النهضة والتنمية، وهذا ما لا يمكن إنكاره، إلا أن هذا النجاح لم يخلُ من استبداد وقمع للرأي الآخر، ليس من قبل المعارضة فقط، وإنما داخل صفوف الحزب الحاكم، وقصة اغتيال مهاتير سياسيا لنائبه أنور إبراهيم أشهر من أن تسرد من جديد، وكانت شرارة الصراع بين الرجلين في الاختلاف بتقدير الموقف وطريقة إدارة الدولة، بغض النظر عمن كان أقرب إلى الصواب، إلا أن طبيعة الرجل يغلب عليها الاستبداد.

ومؤخرا، نكث مهاتير محمد غزله لثلاثة عقود، وانقلب على إرثه الذي كاد أن يخلده كزعيم تاريخي لماليزيا، وقاده خلافه مع رئيس الوزراء نجيب عبد الرزاق -الذي قلص نفوذ عائلة مهاتير في الدولة- إلى تأسيس حزب جديد يواجه فيه حزب أمنو الذي قاده عقدين كاملين، وفي سبيل ذلك يتحالف مع قوى المعارضة التي واجهها بشراسة طويلا.
نموذج مهاتير يمكن أن يلخص مقولة المستبد العادل المتداولة، لكن المقولة التي تصدق عليه هي المستبد القوي، القادر على بناء دولة وقيادتها نحو النجاح. لكن هذا شيء والعدل شيء آخر؛ العدل يقتضي بسط الحريات في المجتمع حتى للمخالفين، والنزاهة في الاختلاف، والتزام مصلحة الوطن حتى لو تناقضت مع المصالح الشخصية والعائلية.

في فنزويلا كان مهاتير آخر، اسمه تشافيز، انتصر لفقراء بلاده وقدم نموذجا للحاكم القوي الذي يصون سيادة بلاده في مواجهة السطوة الأميركية. وبعيدا عن تقييم سياساته وصحتها وحكمتها، إلا أن المؤكد أنه لم يكن عادلا، لذلك بقي حكمه عرضة لغضب قطاعات واسعة من شعبه، وسيبقى خليفته يواجه الغضب ذاته ما سار على ذات المسار.

وفي هذا السياق يمكن مناقشة الكثير من الأمثلة التي يخلط الناس فيها بين قيمتي العدل والقوة، عند تقييم تجارب الزعماء الذين حفظ التاريخ إنجازاتهم، والصحيح أن القرين الأقرب للقوة هو الاستبداد، بينما قرين العدل هو الديمقراطية.

خلاصة القول إن مقولة المستبد العادل لا تصح عقلا وأخلاقا، فلا يجوز إضافة قيمة العدل بجماليتها وسموها إلى وصف الاستبداد بكل ما فيه من ظلم وظلام في فضاء المعاني الإنسانية.

* نقلاً عن: “مدونات الجزيرة”

رابط مختصر

عذراً التعليقات مغلقة