من أيام الثورة.. معركة تحرير الجدران

2020-05-20T21:48:02+03:00
2020-05-20T21:48:05+03:00
تدوينات
زهير السهو20 مايو 2020آخر تحديث : منذ أسبوع واحد
زهير السهو
97347831 287907139040696 7832252861487513600 n - حرية برس Horrya press

أن تكون البطل المجهول الذي يحمل روحه على كفه ليخط سطراً من سطور الحرية لعمري هي قمة البطولة، وكم حملت ثورتنا بأبطال لم نعرفهم يوماً وربما في قادم الأيام تكشف لنا روايات الثوار الأوائل، كم أسطورة حية كانت أو ميتة مرت بأيامنا العزيزة دون أن نعرف عنها وكم من الشباب الحالمين رسموا حلمهم وكتبوه وقضوا ولم تؤرخ أسماؤهم بين قوائم الأبطال والشهداء وربما منهم من لن نعرفه يوما لأنه في بلاد الموت والقهر موت إنسان هو آخر الممنوعات وتحديداً إن مات بيد مجرم متوحش يدافع عن حق سيده باستعباد البلاد ومصادرة الكلمة وخنق الأغنية فذلك من المباح دوماً بعرف هذا الجلاد وليس غريباً على قتلة الطفولة قتل الشباب وكتم الأصوات فبعد كل شيء لم تقم الثورة إلا ضد هذا الاستبداد ولم يخاطر السوريين بأرواحهم لو أن “قائد الوطن” سفاح القصر اعترف بحقوق الشعب بالحرية والحياة، لكن كيف لمثل هذا السفاح وتابعيه أن يفهموا أو يستوعبوا معنى كلمة كالحرية والحياة فهم عبدة السلطة والمال وهم عبيد لكل من مكنهم من هذه السلطة وفوضهم ليجمعوا هذا المال ولهذا كان لزاماً على السوريين أن يثوروا وكان لابد لهذه الثورة أن تخلق ابطالها ومنهم أبطالنا المجهولين البخاخين.

فمع انطلاق الثورة السورية كان ثمة معركة أخرى تدور بين النظام والثوار غير معارك المظاهرات التي كان مسرحها الشوارع والأزقة هي معركة الرجل البخاخ ومسرحها الجدران. كان ما خطه أطفال درعا في يوم 27 شباط 2011 على جدران مدرسة الأربعين الابتدائية من شعارات (جاك الدور يا دكتور) و(الشعب يريد إسقاط النظام) واعتقالهم بعدها الشرارة التي أدت لانطلاق الثورة ويمكن اعتبارهم الرجل البخاخ الأول. لتنتشر بعدها ظاهرة الرجل البخاخ في كل المدن والبلدات السورية ولتبدأ معركة تحرير الجدران من صور حافظ وبشار الأسد ومن عبارات التذلل للنظام الذي احتل كل شيء في سورية حتى الجدران. بالتزامن مع تحرير الشوارع والساحات من تماثيل وصور الاب والابن.

كانت يد البخاخ تخط أجمل عبارات التحدي والحرية لتحرر الجدران من شعارات النظام وتكون صورة أخرى تعبر عن تحدي الثوار وأحلامهم ومعاناتهم. وقد عملت هذه الشعارات على تكريس مبادئ الثورة فبرغم أن هذه الظاهرة بدأت ارتجالية لكن مع مرور الوقت وانتشار المظاهرات في معظم المدن السورية أصبحت العبارات أكثر عمقاً وأقوى تعبيراً ومواكبة للأحداث اليومية وغدت من أهم وسائل إرسال الرسائل للعالم أجمع بعد أن غابت الوسائل الإعلامية العالمية عن الساحة السورية.

مع الوقت تطور عمل الرجل البخاخ وبدى أكثر تنظيماً وبدأت تنتشر بعض مقاطع الفيديو لشاب أو مجموعة شباب ملثمين يحملون معهم معداتهم من علب ألوان وأقلام وريش بعضهم يراقب وأحدهم يصور وآخر يخط على الجدران ما تفتق عنه ذهن الثوار من رسائل وشعارات.

في المقابل كانت أيدي رجال الأمن تمتد لتمحي عبارات الحرية وتعيد دمغ الجدران بدمغ العبودية. ليعود الرجل البخاخ مجددا ويمسح عباراتهم ويكتب عبارات أكثر تحدياً ورغم كل محاولات النظام للحد من هذه الظاهرة، غير أن الرجل البخاخ تابع انتصاره على النظام بذكاء فاختيار المكان والوقت كان لعبته بينما العبارات كانت قناعته وإيمانه بثورة الحرية والكرامة ولهذا كان الرجل البخاخ من أكثر ظواهر الثورة شعبيةً فتغنى الثوار ببطولاتهم وكتبت لهم بعض القصائد وربما كانت محبة الناس للرجل البخاخ أحد أسباب ما وفر له الحماية والنجاة من رجال الأمن.

وبالطبع كان الرجل البخاخ هدفاً مهماً لدى النظام فكانت محاولاته للقبض على البخاخين أو قتلهم لا تتوقف فكان بين شهداء الثورة ابن مدينة سراقب محمد حاف والشهيد محمد راتب النمر الذي استشهد في مدينة حمص والبخاخ أحمد الخانجي الذي اختفى في ظروف غامضة.

لكن الرجل البخاخ استمر رغم المحاولات الكثيرة لإيقافه وتغييبه وظلت الجدران تنطق بما عجز لسان حال الناس عن قوله علناً فكانت شوكة بخاصرة دولة الأسد وأزلامه.

هناك على جدران مدخل البناء الذي كنت أقطن فيه في جديدة عرطوز وصل الرجل البخاخ وخط ببخاخه عبارات حرية للأبد. ثورة حتى النصر. حرية ودولة مدنية.

لم أصدق عيناي صباحاً وانا أقرأ العبارات كانت فرحتي كبيرة جداً كما لو أن حجارة بيتي تشاركنا الثورة وتصرخ معنا معلنةً احتجاجها على النظام الفاسد وأثق بان كل ثائر شعر بنفس هذه المشاعر في كل مكان رأى فيه عمل الرجل البخاخ.

مرت أيام عديدة قبل أن ينتبه الأمن لمدخل بنائنا حيث استفزت الشعارات التي كتبت رجال الأمن والشبيحة في حينا فسارعوا لمحو تلك العبارات واستبدالها بعبارات الأسد أو نحرق البلد. في ذلك اليوم خرجت من منزلي فإذا بجدران مدخل البناء التي كانت بالأمس حرة قد احتلتها اليوم عبارات الذل والخنوع وبدا المدخل غريباً وكئيباً لم أحتمل البقاء طويلاً غادرت مسرعاً وعندما عدت مساء قابلت جاري عند البوابة فبادرته قائلاً: ” لقد أصبح مدخل البناء مشوهاً ما رأيك بطلائه من جديد؟”

وافق بحماس وقمنا بطلي الجدران بالأبيض بانتظار جولة أخرى.

رابط مختصر

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *