التدخل الاقتصادي الإيراني في سوريا.. دولة داخل دولة

فريق التحرير27 فبراير 2020آخر تحديث :
عبد القادر موسى

مقدمة

بعد أن كانت علاقاتها التجارية والاقتصادية مع سوريا في مستويات محدودة جدا قبل الثورة السورية.. استغلت إيران حاجة النظام السوري بعد اندلاع الثورة السورية ضد نظام الأسد.. وبدأت بزيادة التغلغل بشتى الوسائل في قطاعات واسعة في مجال الاستثمار والاقتصاد، وأدركت طهران أن وجود ميليشياتها التي تقاتل إلى جانب النظام لن يستمر إلى ما لا نهاية، فبدأت بالسعي لتثبيت أقدامها في سوريا من خلال إبرام عقودٍ عديدة طويلة الأجل.. حتى بدت سوريا وكأنها دولة داخل دولة.

لعل أهم أهداف إيران في سوريا وأخطرها على الإطلاق،سعيها جاهدة للوصول إلى منفذٍ بحريٍ لها على الساحل السوري، لربط إيران بالمنطقة وتمكين قبضة ميليشياتها ومؤسساتها، ما قد يخدم مشروعها في الشرق الأوسط بربط البحر المتوسط بإيران وتسهيل حركة بضائعها وميليشياتها.

قبل الخوض في التعاون الاقتصادي بين دمشق وطهران والذي أخذ شكل عقود الإذعان في معظم الاتفاقيات التي وقعت بين البلدين وعلى كافة الصعد، نؤكد أن علاقة دمشق مع طهران اليوم أقرب للانبطاح منها، إلى العلاقة الندية أو المتكافئة. لذلك لا بد لنا أن نعرف كيف كانت العلاقة الاقتصادية بين الطرفين قبل الثورة السورية عام 2011.

وثيقة سرية مسربة 2009

برقية دبلوماسية سرية كتبتها ماورا كونيللي، الأمين العام المساعد لمكتب شؤون الشرق الأدنى بالخارجية الأميركية، جاء في البرقية بأن اجتماعاً سرياً عقد في لبنان دام لمدة ثلاث ساعات ونصف الساعة بتاريخ 7/ مارس/2009 بين وزير خارجية النظام السوري وليد المعلم مع السفير الأميركي السابق في لبنان جيفري فيلتمان ومسؤول رفيع المستوى بمجلس الأمن القومي الأميركي وبحضور فيصل مقداد وبثينة شعبان مستشارة بشار الأسد.

كان هدف الاجتماع  كما يقول الأكاديمي والباحث الاقتصادي يونس الكريم لـ” أنا برس” الحديث عن تبعية دمشق لطهران.. إذ أكد المعلم بأن سوريا ليست لها علاقة بإيران وليست على أي تبعيةٍ لها.. بل على العكس هناك خلافات بين سوريا وإيران منها.. وقوف سوريا ضد قرار إعلان إيران بأن البحرين جزء من منها.. كما وقفت سوريا ضد إيران عندما أرادت السيطرة على مدينة البصرة العراقية لإيران. وفق الكريم.

وبحسب الكريم فالعلاقة الاقتصادية لم تكن توافقية بين إيران وسوريا سواء ما بين الأسد الأب وإيران وما بين بشار الأسد وإيران قبل عام 2010 .. إذ أن التواجد التجاري الإيراني كان قليلا حتى في عهد بشار الأسد.. مشيرا إلى أن نظام دمشق احتجزت احتياطياً رجل الأعمال السوري عثمان العائدي والمحسوب على النظام الإيراني في عام 2009.

نقطة التحول

بعد اندلاع الثورة السورية في عام 2011   شهدت العلاقات الاقتصادية بين إيران والنظام قفزة نوعية إضافةً إلى نموها الكمي.. لكنها تحوَّلت من علاقةٍ شبه ندية بين طرفين، إلى تدخل طرفٍ متحكمٍ في شؤون طرفٍ تابع..وأصبح بذلك الأسد رهينةً بيد إيران إثر نجدته وحمايته من السقوط بعد عام 2011، لتستغل إيران الموقف وتبدأ بالتوغل والتدخل الاقتصادي في شتَّى المجالات الاقتصادية في سوريا.. ودخلت في ذلك تنافساً قوياً مع روسيا للإمساك بالقبضة الاقتصادية.

إيران بدلاً من تركيا ودول الخليج

يعتبر الباحث الاقتصادي يونس الكريم أنَّ اتخاذ دول الخليج ومعها بعض الدول العربية إضافة لتركيا، مواقف صارمة ضد نظام الأسد نتيجة حربه ضد الشعب السوري، أدى لترك الساحة الاقتصادية السورية خاليةً تماماً من المستثمرين الأجانب.. مشيراً إلى أنَّ إيران استغلت الوضع وبدأت بملأ الفراغ الحاصل.

وبحسب الكريم.. بدأت إيران بخلق أذرعٍ اقتصاديةٍ لها في سوريا.. وتكوين رجال أعمال محسوبين عليها، للتغلغل في مؤسسات وقطاعات الحكومة.. كما تم دعم الأجهزة الأمنية وشخصيات أمنية في سوريا عن طريق حزب الله، إلى أن أصبح لإيران دولةٌ داخل دولة.

حاضنة إيران الاقتصادية في سوريا

اعتمدت إيران وبشكل كلّي في تكوين حاضنتها الاقتصادية في سوريا على الفقراء والأحياء الشعبية الفقيرة.. فقامت بإنشاء مشاريع تهتم بالفقراء لتحويلهم فيما بعد إلى حاضنٍ مواليةٍ لإيران.. كما حدث حين أنشأت إيران وحدات سكنية في مناطق شعبية وباعتها بالتقسيط للمواطنين. وفق الباحث الاقتصادي يونس الكريم.

معاون وزير الأشغال العامة والإسكان التابع للنظام الأسد، مازن اللحام، في تصريحات نقلتها الصحيفة “الوطن”  أكد أنّه “من أهم النقاط الواردة بالبرنامج التنفيذي الذي تم الاتفاق عليه مع إيران تقديم الجانب السوري لقائمة للمشاريع ذات الأولوية في التنفيذ، بما فيها مشروع بناء 30 ألف وحدة سكنية بالمحافظات”.. 

وأشار “اللحام” إلى أنه تم الاتفاق أيضا على تقديم التسهيلات اللازمة لتأسيس شركات إيرانية سورية حكومية مشتركة في مجالات البناء والتعمير والطرق والجسور والبنى التحتية للنقل، والدراسات والاستشارات والخدمات الهندسية.

وبحسب الكريم أنشأت إيران مستوصفات صغيرة في تلك الأحياء الفقيرة.. وقامت بمشاريع زراعية في منطقة دير الزور.. وأضاف أن الكهرباء السورية باتت بالكامل تحت سطوة إيران.. إذ أنها استحوذت على عقود في مجال إنشاء محطات توليد الكهرباء وشبكات النقل والتوزيع، والعمل على إعادة بناء وتقليص التلف في شبكة توزيع الكهرباء.. ما يعني تشغيل أيدي عاملة كثيرة في هذا المجال.. وهو من الاستثمارات طويلة الأجل.. وبالتالي مع توجيه الرأي العام أصبحت هذه الحاضنة سلاحا فعالا بيد النظام الإيراني كما حدث في العراق ولبنان واليمن.

الكريم لفت إلى أن إيران عملت على إنشاء قاعدة وحاضنة اقتصادية لها تعتمد على الأيدي العاملة.. لأنها ستعتمد عليها في المشاريع الكبيرة في سوريا وخاصة طويلة الأجل.. ناهيك أنها عملت على تكوين علاقات قوية مع رجال أعمال وشخصيات هامة أصبحت محسوبة على إيران، وعملت على تنفيذ أجندة إيران الاقتصادية في سوريا.. مثل راتب شلاح الذي شغل عدة مناصب تجارية واقتصادية في سوريا.. ورجل الأعمال محمد حمشو، وأيمن جابر وسامر الفوز وغيرهم.. وبذلك تكون إيران قد قبضت على مفاتيح الاقتصاد في سوريا وبنفس الوقت كونت قاعدة وحاضنة اقتصادية لها في سوريا.. لذلك أصبحت إيران دولة داخل دولة في سوريا.

اتجهت إيران أيضاً لشراء أسهم في الشركات الكبيرة وخاصة في دمشق وحلب عبر أذرعها الاقتصادية في سوريا.. كذلك قرصنت إيران السوق السورية عبر اتفاقية الخط الائتماني.. التي بدأت بالمواد الغذائية ثم تطورت إلى مواد البناء والحديد والإسمنت وغيرها.

الحلم الإيراني

سعت إيران إلى الاستحواذ على عقود استثمار طويلة الأمد في سوريا، لضمان استكمال مشروعها بفرض نفوذها على المنطقة وصولًا للبحر المتوسط، وذلك بعد انكماش سطوتها العســكرية على الأرض لصالح روسيا.

وصول إيران إلى المياه الدافئة في الساحل السوري يعتبر بمثابة حلم لإيران.. إذ أنها تسعى جاهدة لربط ميناء الخميني مع مدينة البصرة العراقية ومن ثم إلى اللاذقية.. يقول الخبير الاقتصادي الأكاديمي الدكتور عبد المنعم حلبي، المحاضر في جامعة غازي عنتاب، محاولات إيران مستمرة للسيطرة على الطريق بين بغداد ودمشق.. والمشروع الإيراني هنا هو إقامة سكة حديدية تربط بين البلدين وتشكل الحبل السري للهلال الشيعي من قم إلى الضاحية.. وبحسب الحلبي فإن إيران تسعى أيضا لمد خط النفط والغاز عبر أنابيب من إيران للساحل السوري ومن ثم للأسواق الأوروبية.. ما قد يوفر الوقت والمال.

امتلاك آلاف الهكتارات والعقارات

الاتفاقيات الاقتصادية التي تم التوقيع عليها في دمشق بين إيران ونظام الأٍسد في مطلع عام 2019، وعددها “11” اتفاقية.. جاءت لتأكيد زيادة النفوذ الإيراني الاقتصادي في سوريا، وخاصة أنه تم وصفها بطويلة الأجل، وشملت مفاصل اقتصادية هامة ذات أبعاد اقتصادية استراتيجية كالنفط الفوسفات.. والاتصالات والسكك الحديدية، وصناعة السينما، وغسيل الأموال ومكافحة الإرهاب، إضافة لبرامج تتعلق بالتعاون الثقافي والزراعة.

الخبير والباحث الاقتصادي الدكتور عماد الأيوبي.. يؤكد أن إيران عمدت إلى امتلاك آلاف الهكتارات والعقارات وغيرها عن طريق إيرانيين تم تجنيسهم بالجنسية السورية أو سوريين تابعين لإيران، لتثبيت نفوذها في سوريا حتى لو سقط نظام الأسد، وكأداة مركزية في ربط سوريا بها.. حيث تم نقل أكثر من 8 آلاف عقار في مدينة دمشق إلى مالكين شيعة أجانب خلال السنوات الثلاث الماضية.

الأيوبي أشار إلى أنه ووفق مصادره الخاصة في دمشق فإن “عبد الله نظام” رجل خامنئي الأول في سوريا، هوالذي يقوم بإعداد صفقات عقارية في دمشق وحلب وديرالزور ودرعا بالتنسيق مع رجال أعمال إيرانيين، من خلال استخدام سلطته الدينية وعلاقاته مع النظام السوري.

الضغط على التجار السوريين

الباحث والخبير الاقتصادي ياسر رحيل وفقا لمصادره الخاصة في دمشق، أكَّد بأن هناك اجتماعات مستمرة بين السفارة الإيرانية في دمشق مع كبار تجار النظام السوري.. وهناك تجار سوريون محسوبون على النظام الإيراني ويعملون لصالح إيران في سوريا، يحاولون إقناع باقي التجار بتلبية حاجات السوق السورية من المنتجات الإيرانية بالذات.

وأشار رحيل وفق مصادره الخاصة إلى أن إيران تشترط الحصول على المال قبل تسليمهم البضائع والمنتجات الإيرانية (أحد المسؤولين الإيرانيين قال للتجار بأنهم سيقبضون المال ومن ثم بعد أشهر سيتم تسليمهم البضائع).. الأمر الذي دفع كثيراً من التجار إلى رفض المنتجات الإيرانية.. مما أدى إلى ممارسة الضغوطات على هؤلاء التجار من قبل السفارة الإيرانية.. وحتى من بعض شخصيات النظام.  

الخلاصة والمعاني

مشروع الهيمنة الإيراني على الاقتصاد السوري سيكون في مأمن فقط إذا افضت المفاوضات إلى حل يضمن بقاء الأسد، ومع ذلك فإن إيران ستواجه منافسة كبيرة من روسيا، كما أن أي حل سياسي لا يوافق المجتمع الدولي عليه، سيبقي سوريا معزولة دوليًا ومحرومة من الأموال والعائدات، وهذا ما يفرغ حصص إيران الاقتصادية من مضمونها.

أما في حال جرت الأحداث باتجاه الذهاب إلى حلولٍ سياسيةٍ تبعدُ الأسد عن السلطة، فستكون إيران بمواجهة المعارضة الرافضة لها جملةً وتفصيلًا، ما قد يفضي إلة  وضع عراقيل تشريعية وتنفيذية لإلغاء عقودها أو للتخفيف من أضرارها على الاقتصاد السوري وصولاً إلى الحد الأدنى.

المصدر: ANA PRESS العربي

التعليقات

عذراً التعليقات مغلقة

    عاجل