التعليم في ظل الأزمة والتأزيم

2019-11-12T21:56:33+02:00
2019-11-12T22:03:29+02:00
تدوينات
ماجد المحمد12 نوفمبر 2019آخر تحديث : منذ 3 أسابيع
ماجد المحمد
Photo 2 - حرية برس Horrya press

يبرز التعليم كأحد أهم محددات رقي الأمم والشعوب من حيث مستواه وجودته وموثوقية مخرجاته ونجاعتها، وذلك في مختلف مراحله من الطفولة المبكرة وحتى الدراسات العليا. وقد تصدرت دولٌ المراتبَ الأولى في قائمة الميزانيات المخصصة للتعليم والبحث العلمي وعددِ الجامعات والمؤسسات التعليمية؛ كما ارتقت في سلم التقييم كأفضل الدول تعليماً. فبحسب مؤشر جودة التعليم نجد في أعلى الهرم دولاً مثل سنغافورة وسويسرا وفنلندا؛ ووفقاً لإحصائيات حديثة لليونيسيف احتلت كوريا الجنوبية ثم اليابان ثم بريطانيا المراتب الأولى على التوالي. وفي المقابل تقبع بلداننا – للأسف – في ذيل القائمة لا سيما تلك التي شهدت وتشهد أزماتٍ تراجع في ظلها مستوى التحصيل العلمي، وخصوصاً سوريا والعراق واليمن. ورغم عدم قفزنا على الواقع وإجراء مقارنة مع فارق التشبيه بين بلدنا الغالي سوريا وبين تلك الدول المتطورة إلا أنه يحق لنا الإنجاز والطموح ولو في أحلك الظروف، فمن الإبداع والنجاح ما يولد من رحم المعاناة.

ومما لا شك فيه أن المعرفة تكاد تزاحم الطعام والشراب من حيث الأهمية وخصوصاً في عصرنا الذي يشهد ثورة معلوماتية ومعرفية تتدفق بكم هائل باتت توفره التقنيات الحديثة بشتى صنوفها وأنواعها. وفي غمرة هذا التقدم التكنولوجي ثمة أماكن لم يعد ممكناً فيها حتى وجود مقعد للدراسة التقليدية، ناهيك عن توفر بناء يؤوي تحت سقفه وبين جنباته أجيالاً لم تفقد شغف المعرفة والتعلم رغم كل الظروف الصعبة ومفردات الرعب والقهر التي تملأ مشهد الحياة اليومية. هذه البقاع التي مزقتها الحروب وأنهكتها النزاعات صارت تفتقر لعوامل الاستقرار المادي والنفسي والذهني اللازم توفرها ولو بحدودها الدنيا للبناء عليها، وتوفير بيئة ذاتية يصلح معها التعلم بعد تلبية الاحتياجات الضرورية حسب هرم (ماسلو).

المعلم المأزوم ومشقة الواجب

وكفرد من هذا المجتمع السوري غدا المعلم يعاني من تبعات الأحداث على امتداد ساحة الوطن في الوقت الذي يسلط فيه الضوء عليه بحكم حساسية مهمته الاجتماعية واعترافاً بأهمية دوره في المراحل الحرجة التي تنوب المجتمع، لا سيما أنه عاد من جديد ليصبح مصدر المعرفة الأساس في بيئات غدت منافذ ومصادر المعرفة الأخرى شحيحة شح المياه في الصحارى.

وإذ يُطلب من المعلم أن يكون قدوة لطلابه من النواحي العلمية والتربوية واتزان الشخصية، تصبح هذه المهمة شاقة في ظل الظروف الفردية والمجتمعية التي تعمل كلها ضد تحقيق وتجسيد هذا النموذج، حيث تتجاذبه المتاعب النفسية والوجدانية والاقتصادية التي تُفقد القدوة المطلوبة بعضاً من مقوماتها التي ينبغي تمثلها أمام جيل المتعلمين. ومع أننا نلتمس العذر للمعلم بحكم بشريته إلا أنه يعول عليه كثيراً في عملية بناء الأجيال والعبور بهم إلى بر الأمان وانتشالهم من الغرق في بحور الجهل. ففي بقاع كثيرة نالت مراكز التعليم على اختلاف مراحلها وتخصصاتها نصيباً كبيراً من الدمار والقصف، حيث يقدر عدد المدمر منها كلياً أو جزئياً بأكثر من خمسة آلاف منشأة، الشيء الذي جعل من الصعوبة بمكان عودة العملية التعليمية إلى الحد الأدنى المقبول. لقد نُقلت مشاهدات عن قيام بعض المعلمين باستخدام العنف ضد الطلبة في أماكن مختلفة، وهي إنما تعكس بشكل أو بآخر أزمات يعيشها بعض المعلمين تترجم إلى ممارسات من القسوة ضد المتعلمين الذين هم بأمس الحاجة إلى غسل عوالق العنف من نفوسهم وأذهانهم بعد سنوات ملأت أيامَها أعمالُ القتل والعنف والقهر والنزوح. وهذه همسة محبة في أذن المعلم أن يبذل جهده لفهم خطورة المرحلة وتحدياتها والعمل على الخروج منها بأقل الخسائر وأكبر ما يمكن تحقيقه من نجاحات على مختلف الصعد، وأن يحاول تعويض النقص اللوجستي في العملية التعليمية بإيجاد عناصر التشويق والترغيب لدى الطلبة، وألا يكون اللجوء للضرب تعويضاً لجانب النقص الموضوعي لديه.

النزول تحت الأرض للرقي فوقها

ومع استمرار شبح القصف الذي يهدد المناطق المحررة دائماً، صار لزاماً البحث عن حلول لتفادي الكوارث والمجازر التي يخلفها القصف، وكان اللجوء إلى الأقبية الموجودة وحفر أخرى جديدة ضرورة وحلاً لا بد منه. فخلال سني الثورة السورية مرت منطقة الغوطة الشرقية بظروف عصيبة ألجأت السكان إلى حفر شبكة من الأنفاق تربط “المؤسسات الحيوية” التي باتت تنشط تحت الأرض أكثر من فوقها. لقد اتخذ أهالي الغوطة على نحو خاص القرار بضرورة استمرار الحياة بجوانبها التعليمية والصحية والخدمية رغم الحصار والدمار، ولم يكن من ذلك بد ليتابع الإنسان مسيرته بإصراره وإيمانه لبناء نفسه ومجتمعه ووطنه. فعلى الصعيد الدراسي قاموا بتهذيب المناهج، واتبعوا أسلوب التعليم المسرَّع الذي اختصر الزمن وحرق المراحل بالنسبة للطلاب الذين تسربوا من المدارس وفاتتهم أشهر وسنوات نتيجة الأزمة، بحيث يتعلم الطالب المواد الأساسية خلال فترة قصيرة وذلك لمواكبة سن الدراسة الاعتيادي ومستوى التحصيل الدراسي المطلوب ولو بالحد الأدنى؛ كما نشط التعليم المهني والتخصصي كالتمريض ونحوه من التخصصات الطبية مما كانت تتطلبه المرحلة وتشتد إليه الحاجة.

فتية الكهف .. نسخة يقِظة

 لا يكاد المرء يصدق نفسه وهو يعيش في الألفية الثالثة، وقد وصلت فتوحات البشر العلمية والاستكشافية إلى كواكب بعيدة، أن الإنسان عاد مرة أخرى إلى الكهف الذي غادره منذ آلاف السنين ليجد فيه المكان الذي ينهل فيه العلم والمعرفة. فقد برزت ظاهرة اتخاذ الكهوف مقرات للتعليم خصوصاً في مناطق إدلب، فقد كان الفتية يتجمعون فيها طلباً للأمان وطلباً للعلم مع معلمهم الذي غالباً ما يكون متطوعاً لما يمليه عليه ضميره وإيمانه برسالته تجاه وطنه ومجتمعه. هذه الخطوة الاضطرارية تشي بحجم المأساة والكارثة التي وصل إليها حال البلد، وتبعث – بالمقابل – برسالة إيجابية عن مدى الإصرار والتحدي الذي يتحلى به هؤلاء الطلاب في أقسى الظروف. وعاد الكهف مرة أخرى ليكون منطلقاً لأناس مؤمنين بربهم وبرسالتهم في الحياة، وأنه سيأتي زمان يخرجون فيه من ظلمات الديكتاتورية إلى نور الحرية. هذا، مع وجود مساهمات من المجتمع المدني وبعض المنظمات الناشطة في محاولاتهم لإيجاد مراكز تعليمية على قدر المستطاع، ومحاولة دعم القائمين على العملية التربوية مادياً ومعنوياً لتدعيم هذا القطاع ومحاولة رفعه وتجنب سقوطه الذي يعني انهيار الإنسان ومنظومة المجتمع السوي.

ازدواجية وتشتت

وفي نظرة سريعة لواقع التعليم في مناطق شرق الفرات نجد أن بعض المناطق تدرس المناهج التي فرضتها ما تسمى “الإدارة الذاتية” للأكراد، حيث لا تحظى الشهادات الصادرة عنها بأي اعتراف رسمي؛ فيما تعتمد مناطق أخرى مناهج النظام. ويصل الأمر إلى درجة أن بعض المدارس تتبنى مناهج كردية ومناهج النظام في المدرسة نفسها في مرحلتين مختلفتين بين الأساسي والثانوي، في الوقت الذي يميل فيه غالبية السكان العرب وقسم من الكرد إلى تفضيل خيار الدراسة الذي ينتهي بأبنائهم بالحصول على شهادات معترف بها، بينما يفضل البعض الآخر تعلم اللغة القومية الكردية والدراسة وفق مناهجها. ومنهم من يغادر للدراسة في محافظات أخرى فراراً من هذا التشتت على غرار ما حدث في كثير من مناطق سورية حيث ألقت الأزمة بظلالها على جوانب الحياة المختلفة لا سيما جانب التعليم.

لقد مرت سنوات عصيبة على المجتمع السوري ذاق خلالها صنوفاً من الأسى والعذاب سعياً وراء حريته وكرامته، وكان من بين أهم تحدياته وهمومه كيف يستمر أبناؤه في تعلمهم وتحصيلهم الدراسي بأي ثمن وتحت وطأة أي ظرف.

رابط مختصر

عذراً التعليقات مغلقة