“كما لم تحب أنثى” للأديبة السورية إباء الخطيب.. عوالم الحرب والانكسارات والحلم

2019-10-06T22:57:09+02:00
2019-10-06T22:57:13+02:00
أدب وفنونثقافة
فريق التحرير6 أكتوبر 2019آخر تحديث : منذ شهرين
أحمد أحمد
ebaa - حرية برس Horrya press
غلاف المجموعة القصصية “كما لم تحب أنثى” للأديبة السورية إباء الخطيب – إصدارات دار موزاييك للدراسات والنشر

قراءة: أحمد أحمد *

المتابع لفن القصة القصيرة في الآونة الأخيرة يلاحظ كم تطور في عالمنا العربي، إذ إن ملامح القص والسرد خلال هذه الفترة لم تعد تتضمن المعاناة والواقع الإنساني للشعوب، بل صارت تدخل إلى عمق الشخوص وسيكولوجيا عوالمها حالمة بالتغيير والتعبير والانفتاح على عالم مضيء، وهذا أبرز ما يميز مجموعة (كما لم تحب أنثى) للشاعرة والكاتبة إباء الخطيب حيث تتجه في هذا الاتجاه الإنساني في مجموعتها القصصية التي تحتوي على 12 قصة مقسمة إلى مجموعتين واضحتين.

هذه القصص جميعها مفعمة بذلك الواقع المليء بتشوهات الحياة وقسوتها وانعكاسها على أرواح شخصياتها الأنثوية؛ بخاصة في القصص الستة الأولى والقصة الأخيرة… وعندما نستطرد في قراءة تلك القصص بعد عناوينها؛ نجد أنها تعطي الصبغة الأنثوية للإحساس العام من خلال وقائع السرد والحوار والشخوص؛ فعنوان المجموعة يعطي انعكاساً مخالفاً لما قد يتوقعه عديد القراء (كما لم تحب أنثى) وهي أيضا عنوان إحدى القصص التي يتجلى مضمونها بأن الأنثى تشعر بقدر كبير من الانكسار من محن الحياة؛ وبأن الحالة النفسية التي قد تعتري الأنثى من جرّاء تلك الانكسارات تحيل عواطفها الجياشة إلى ركام كما ظهر في قصص القسم الأول التي صورتها لنا الكاتبة.

الكاتبة قسمت مجموعتها إلى قسمين واضحين تناولت واقع الأنثى النفسي في النصف الأول من مجموعتها وأبرزت في النصف الثاني المكنونات التي يعيشها أبناء مناطق الحرب من خلال اختيار شخصيات أغلبها ذكورية؛ لكنها تعبر قولا وفعلا عن كلا الجنسين من كافة الفئات العمرية.

أبدعت الكاتبة في السرد الداخلي النفسي للفئات الأنثوية المختلفة والتنقل بين تلك الشخصيات المختلفة من قصةٍ إلى أخرى؛ فتشعر وانت تقرأ هذه القصص أنها عاشت آلام كل تلك الشخصيات ضمن تلك المراحل ابتداءً من الطفلة (ورود) ابنة العاشرة في قصة (يدي تؤلمني يا عمو) والتي كانت دائمة البحث عن جديها بين الحشود؛ مع مقارنة داخل عقلها في اللاوعي لما عاشته؛ وما يقال على تلك المنصات ببراءة الأطفال النقية؛ ثم ما لبثت الكاتبة أن تحولت في القصة الأولى (أتمنى أن أقتل نفسي) إلى تلك الصبية التي تمنت أن تقتل نفسها مرات ومرات جراء الظلم الذي يعيشه واقعها الأنثوي إن كان من جهتها أو جهة والدتها، ثم اتخذت الكاتبة وضعية تلك العاشقة في قصة (كما لم تحب أنثى) التي كانت متقدة الحب والغيرة ثم ما لبثت أن أضاعت حبيبها في عتمة الحرب، لتنتقل بعدها إلى تلك المرأة المتزوجة (نور) التي قد ساورها الشك بزوجها البريء جراء الملل التي أصاب علاقتها الزوجية في قصة (ورقة نور) وماهية التصورات الأنثوية ضمن مجتمعها؛ وهذا ما فعلته بالفعل في اغلب القصص من إبراز لمعالم تلك الشخصيات النفسية الخاصة، ومع ذلك فلم تغفل الكاتبة دمج الحالة النفسية بالجسدية في واقع العديد من الإناث اللواتي يعتقدن أن أجسادهن مقياس أنوثتهن الذي لا ينضب والذي يجعل منهن وروداً في بحر من الأشواك إلى أن تقلب الكاتبة الطاولة على بطلة قصتها الثانية في قصة (ورودها) وتعطي أنموذجاً لذلك النوع من الفتيات بأن أرواحهن هي تلك الورود وليست تلك الأجساد التي ستشيخ وتمرض ذات يوم.

وفي قصتها الأخيرة (انعكاس خيبات) حوار ذاتي داخلي خصّت به الكاتبة تلك الأنثى التي تجر أذيال الخيبة من جراء ضعف شخصيتها وانغلاقها على نفسها وعلى روتين حياتها الذي جعل محبوبها يبتعد … هنا وفي نهاية المجموعة تعود الكاتبة لصبغتها الأنثوية وتقول كلمتها في النهاية أيتها النساء تحررن من قواقعكم الرديئة التي جعلتكم خائبات فالحياة مشرقة … انظروا إليها وعيشوا كإناث حقيقيات اظهروا جمال أرواحكم.

أما القسم الثاني من هذه المجموعة فقد تناولت الكاتبة في قصصها المتبقية آثار الحرب النفسية التي انعكست بشكل يخلق للقارئ فسحة واسعة من الإحساس بتلك المعاناة التي شعر بها كلّ من تضرر جراء هذه الحقبة من التاريخ المعاصر، فسردت وقائعها بشكل سلس مفهوم وبلغة بسيطة ورائعة محببة أبرزت من خلالها بساطة المعنى وعمق الصورة، حيث عكست تلك الحالات النفسية على أبطال قصصها وجعلت من كل قصة حكايةً ذات معنى مزدحم مليء بالإحساس الساحر الحزين.

ففي قصة (بلا هوية) اختارت بطلاً طاعناً في السن عاش جل حياته بهويته التي كانت عبئاً ثقيلاً على كاهله إلى أن أضاعها وجعلت من ذلك تحدياً لبطلنا بأن يواجه معوقات العيش من دون هوية وأشارت بلغة ضمنية إلى ما يواجهه شباب بلدان الحرب من صعوبات الحياة بسبب تلك الهوية التي تجعل منهم عرضة لأن يكونوا في أسوأ الأماكن و أسوأ الظروف، وعندما أصبح مرغماً على الوصول إلى خارج حدود الوطن والقيود معاً أختار لنفسه الهوية التي كان يحلم بها والتي يحلم بها كل إنسان بكل ما تحمل كلمة إنسان من معنى.

والحوار التالي من تلك القصة حمل معنى الإنسانية الذي أرادت الكاتبة أن تعبر من خلاله عما يتمناه معظم البشر:

-أتسمح ببطاقتك الشخصية

-ليست معي.

-آه هذا متوقع… لا وقت لتذكر؛ الأغراض الشخصية في حالات الأزمات… لا تهتم أستاذ سنعطيك بطاقة من عندنا تستطيع استخدامها إذا رغبت بمغادرة الحدود.

-الاسم الكريم؟

-إنسان ما.

-عفوا؟

_ اكتب عندك اسمي إنسان.

-حسنًا… عملك السابق؟

– أب روحي للأطفال الذين أسعفتُهم.

-عفوا سيدي؟

-هذا آخر عمل لي

-اسم بلدك؟

-الكون

-سيدي أرجوك تعاون معنا

-أنا الذي أرجوك أن تكتب ما أجيبك به

-ديانتك؟

– الإنسانية.

سلمني الموظف البطاقة الشخصية الجديدة أقصد (الهُويّة)… ولأول مرة شعرت بهويتي… واعتززت بها… نعم كم هو جميل أن يكون لك هوية!!

كما أن كاتبتنا حمّلت في قصتها (سقوط مر) رسالة ضمنية حول نزاع أخوين مع بعضهما وكيف كان يريا بعضهما بأجمل حلة ما لبثا بعدها أن قادتهما الأطماع البشرية للانزلاق في وحل الظلمة الذي يعبر عما تعيشه البلدان التي غرقت في نزاعات أهلية حرضها آخرون واقتتالهم من أجل فتات الوطن الكبير الخيّر والذي صورته لنا بالأم التي بكيت أبناءها وعبرت بنفحة جميلة ختمت فيها القصة بأن أبناءها طالما هم يقتتلون فإنهم سيبقون يسقطون من عينها إلى اللانهاية:

حينها غمر الماء كلينا، وانزلقنا في شلالٍ كبير…
منذ ذلك اليوم… أمّي ما زالت تبكينا…
وما زلنا نسقط من عينها.

واختارت كاتبتنا أيضاً لقصتها (هلوسة) شخصية أجادت في سرد وصفها وإلباسها ثوباً بشرياً وضمّنت عديد الرسائل فيها فكان ذلك الطفل (وطن) الذي دائما ما يبحث عما لا يعلمه ويرى بأن حلمه غير المكتمل هو حقيقته التي يسعى إليها، أكبر دليل على أن الكاتبة أبدعت في نقل خيالنا من ذلك الحلم الذي يتمناه كل إنسان بأن يعيش وطنه حرية كاملة متكاملة ليصل بطل هذه القصة إلى الحرية والجنون في آن معاً، لتنتقل كاتبتنا مرة أخرى إلى القصص الإنسانية التي مرّ بها العديد من الناس ففي قصة (حكمة قدر) لم يظهر في بداية النص ماهية بطلها، ذكراً كان أم أنثى، ولكن ذلك لم يؤثر في قراءتنا للنص لأن القصة من المنظور العام إنسانية قد يصادفها الإناث كما يصادفها الذكور وهو ما أعطاها بعداً إنسانيا أوسع وجعلنا نحس بشعور بطلتها جراء واقعها الأليم بموت عائلتها ثم اكتشافها لمعلومة وجود شقيقة عرفت أنها خارج البلاد في دولة مجاورة ومن خلال قصة حزينة عاشتها بالبحث عن أي معلومة توصلها إلى شقيقتها دون جدوى ومن ثم تعلقها بطفل أحد جاراتها (يوسف) الذي سمعت موته وهي عائدة للمنزل لتفاجأ بأن الذي مات هو ابن عمه والذي يكون ابن شقيقتها في حبكة درامية تستحق أن تكون دراما إنسانية موسعة بامتياز.

أما عن الأحاسيس الذكورية فقد كانت قصة (أعراض غريبة) معبرة جداً مليئة بالإحساس الناجم عن الفقد الذي يربط الزوج بزوجته أو أي محبوبين يملكان إخلاصاً منقطع النظير، فبطلنا في هذه القصة عاش أمراضاً عديدة و إرهاقا مزعجا وزيارات متكررة للأطباء دون جدوى لتقوم الكاتبة بإذهالنا في شرح الأعراض وأسبابها فكان سبب مرضه عدم اعترافه بموت زوجته رغم علمه بذلك إلى أن حاور وحيه في منامه ليجبره أن يعترف برحيلها عن دنياه دون أن يتخلى عنها.

وفي نهاية القصص وأقصرها لم تنسَ الكاتبة توصيف الحزن، الدموع، والألم الذي يلف أطفال المخيمات بوصف يعتصر القلب في قصة (مطر) المطر الذي لم يكن إلا دموع أولئك الأطفال.

  • أحمد أحمد كاتب وباحث وممثل موسوعة ويكيبيديا في منطقة بلاد الشام
  • إباء الخطيب أديبة سورية من مواليد مدينة سلمية في محافظة حماة السورية.
    شاركت في مسابقات شعرية عربية، ومجموعة “كما لم تحب أنثى” باكورة إصدارتها القصصية، صدرت عن دار موزاييك للدراسات والنشر 2019.
رابط مختصر

عذراً التعليقات مغلقة