في تهافت بعض النقاش حول معركة حلب

2016-08-08T00:50:02+03:00
2017-02-06T23:00:55+02:00
آراء
عمر قدور8 أغسطس 2016آخر تحديث : منذ 4 سنوات
في تهافت بعض النقاش حول معركة حلب

عمر قدور* عمر قدور

تثبت تفاصيل الشأن السوري مرة تلو الأخرى أن وصفة بشار الأسد «إما أنا وإما الإرهاب» حققت نجاحاً منقطع النظير، تعدى حدود مُوالي النظام وحلفائه إلى أقلام مستقلة تقتفي أثر بعض الحكومات والإعلام في الغرب بحصر الخطر في الإرهاب من دون البحث في أسبابه السياسية المباشرة.

أخطر ما في هذه الوصفة ليس المفاضلة، كما يُراد إيهامنا بين نظامَيْ حكم سيئين، يمتاز الإسلامي منهما بكونه الأكثر تضييقاً على حرية الأفراد والجماعات، وإنما أن الوصفة نفسها تضمر انعدام الحساسية تجاه أولئك الذين يُحسبون «حاضنة شعبية» للإرهاب لا بأس في اجتثاثها وإبادتها.
في معركة حلب المعلنة بهدف فك الحصار عن الأجزاء الشرقية من المدينة الواقعة تحت سيطرة فصائل معارضة، لم نعدم من بدأ فوراً بانتقاد فرح أنصار الثورة بأخبار انتكاسة النظام وحلفائه مع بدء الهجوم.
في أحسن الأحوال قد توضع علامة تعجب كبرى وراء ملاحظة الفرحة التي أبداها ناشطون علمانيون بتقدم فصائل إسلامية، وفي أسوئها تُلغى إشارة التعجب للقول إن أولئك إسلاميون متخفّون، ولا نعدم بالطبع من يكيل لهم الاتهام بتخلصهم من حرج دعم «النصرة» بعد إعلانها فك الارتباط بتنظيم «القاعدة».
سيأتي حادث سقوط المروحية الروسية ليعطي أصحاب وجهة النظر هذه ملمحاً إنسانوياً، بسبب صور سحل جثة الطيار الروسي، بحيث يظهر أنصار الثورة كأنهم «فوق إسلاميتهم المتنكرة» همج متوحشون بالمطلق. وسَوْق الأمر في هذا الاتجاه الذي يبدو محقاً بالمعنى الإنساني المجرد يتعامى عن أمرين، أولهما الهجمة الوحشية المكثفة التي يشنها الطيران الروسي على المدنيين ومستشفياتهم منذ عشرة شهور، وثانيهما أن أولئك الذين أظهروا حساسية متدنية إزاء سحل الطيار كانت لهم حساسية مرتفعة إزاء انتهاكات مشابهة كان ضحيتها مقاتلون محليون، بما يدل أصلاً على حساسية سياسية تجاه الداخل واحتمالات العيش المشترك، وعلى الانقطاع التام عن الروسي بصفته محتلاً.
وكما في كل نقد ذرائعي ستحضر الانتقائية فاقعة، فالذين أظهروا حساً إنسانياً إزاء سحل جثة الطيار هم أنفسهم الذين سهلت عليهم المفاضلة بين بشار والفصائل الإسلامية لمصلحة الأول.
حوالى 300 ألف مدني محاصر لا اعتبار لهم في هذا الميزان، هم مجرد تفصيل تافه في المعركة الكبرى ضد الإرهاب! ولو كان حصار حلب الأول من نوعه لبقيت هناك مساحة لحسن الظن، أي لو لم نشهد جميعاً حصار داريا والغوطة الشرقية ومخيم اليرموك وحمص القديمة ثم حي الوعر، ولو لم نشهد سياسة التجويع وصولاً إلى إفراغ سيارات الإغاثة الأممية من حمولاتها كاملة، أو من الأدوية والأغذية الضرورية كحليب الأطفال.
أمام هذا الاحتمال الكارثي المحيق بالمحاصرين، وأمام سياسة الإبادة تجويعاً التي لم يستخدمها سوى النظام وحلفائه، يأتي الهزل الأيديولوجي ليصوّر الانتصار لحياة هؤلاء بوصفه انحيازاً إلى الإسلاميين، وكأن واحدة من القوى الديموقراطية في العالم جربت لمرة واحدة حماية السوريين ولم تلقَ ترحيبهم وترحيب أنصار الثورة عموماً.
أكثر من ذلك، في كل حالات الحصار السابقة، اتجهت المناشدات إلى الأمم المتحدة والمجتمع الدولي بوصف ما يحدث جريمة ضد الإنسانية أولاً، وفي بعض الحالات أتت الاستجابة بصفقات ترقى إلى جريمة التطهير، بإجبار الأهالي على ترك ممتلكاتهم وأماكنهم في مقابل الحفاظ على حيواتهم.
بالطبع، ذلك كله لا يمنح التنظيمات الإسلامية أفضلية مستدامة، ولا ينزهها عن استغلال المأساة الإنسانية لدعم مشروعها الأيديولوجي. ولكنْ من جانب آخر لا يمكن تنزيه النفاق الإنسانوي المتعمّد والمستمر عن تغذية تلك التنظيمات بما يمكن استغلاله لمصلحتها. فأن تحصد التنظيمات الإسلامية نتائج التواطؤ الدولي والإقليمي الذي أدى إلى حصار حلب، فذلك ما ينبغي أن يدفعنا إلى توجيه نقد «شرس» لكل المنظومة التي تدعي محاربة الإرهاب، فهي ذاتها المنظومة التي تخاذلت عن دعم من صنّفتهم معتدلين، وهي المنظومة التي لم تُبدِ أدنى اكتراث بحصار حلب والمأساة التي ستنجم عنه.
نظرياً، يُراد إظهار مَن فرحوا بتقدم «جيش الفتح» في معركة فك الحصار أصحابَ تناقض بين قناعاتهم المعلنة ونياتهم الفعلية، وهو تناقض سيكون موجوداً لو تناسينا كل ما عداه.
وإذا كان حلّ التناقض واضحاً جداً من قبل أصحابه، بالانتصار أولاً لحيوات أولئك المحاصرين، فالحل يشير بوضوح إلى ما ينقص السياسات المتبعة في مكافحة الإرهاب، أو إلى مجمل السياسات المولِّدة للإرهاب، أي إلى ذلك العوز الفادح في الجانب الإنساني، وأيضاً إلى أنواع التمييز بين الضحايا، حيث لا يقتصر التمييز على ضحايا غربيين وضحايا محليين، وإنما تعداه إلى التمييز بين الضحايا المحليين أنفسهم.
ما يُخشى منه كأمر واقع أن يؤدي الانحدار الدولي، من الانتصار لمفاهيم الحرية إلى تفضيل الأسد على «الإرهاب»، إلى تدهور مقابل، مفاده أيضاً التفضيل على قاعدة الأقل سوءاً. فإذا كان الأسد، من وجهة نظر دولية وأقلوية، الأقل سوءاً، ما دامت جرائمه موجهة ضد سوريين آخرين، فسيكون مشروعاً تفضيل «القاعدة» وأخواتها عليه من قبل سوريين يستهدفهم الأسد بالإبادة، وتستهدف التنظيمات الإسلامية طبيعة عيشهم فقط. التدني في محصلة الحالتين هو الوصول عملياً إلى الجدل حول حق الناس في الوجود، بدل حقهم في الوجود التام حقوقياً.
القول بأن محض وجود الناس تحت حكم الأسد أفضل من وجودهم تحت حكم الإسلاميين، نتيجة غير متغربة عن الواقع ثقافياً فحسب، كما يصفها الإسلاميون، هي متغربة عن الواقع لأن بقاء الأسد تهديد مستمر لوجود السوريين اكتسب زخماً أقوى مع الصمت العالمي، ومن السطحية والابتذال التعويل على إعادته إلى ما قبل آذار (مارس) 2011، مثلما من السطحية والابتذال الظن بموافقة السوريين على إعادة الزمن 1400 سنة إلى وراء.
مع الأسف، كل ما بُذل للقول بأن حكم بشار أقل سوءاً من البديل المحتمل أدى إلى نتيجة واحدة، هي اعتباره أخيراً على نفس سوية السوء مع بعض القوى الغربية الذي يتواطأ على إبقائه، بلا أدنى تعديل في نهج الإبادة. في الواقع، من يُسحل منذ سنوات تحت عيون مغمضة هي إنسانية السوريين وكرامتهم قبل جثثهم، ثم يُستكمل ذلك بإسماعهم كل أنواع المواعظ.

* نقلاً عن: “الحياة”

رابط مختصر

عذراً التعليقات مغلقة