عام على التهجير- صور طبعت في ذاكرتي

لجين مليحان21 يوليو 2019آخر تحديث :
لجين مليحان

أجالس ورقتي البيضاء هذه وقلمي وأنا أخط ذكريات حدثت في مثل هذه الليلة قبل عام؛ ليلة 20 يوليو 2018، يوم كنت أنتظر قوافل التهجير القسري من الجنوب إلى الشمال السوري، كان القلق والخوف ليلتها يتملكني بعد أن قضيت أياماً عصيبة بين الهروب من القصف الوحشي والنزوح طوال شهر بأكمله، لأجد نفسي أمام قرار من أصعب القرارات وهو التهجير، ولكنه رغم صعوبته فهو بالنسبة إلي وسام شرف لأنني لم أقبل البقاء تحت حكم الطغاة.

خرجت من قرية الرفيد باتجاه مدينة القنيطرة المهدمة، وكانت من أصعب اللحظات التي فطرت قلبي. كنت أودع أهلي وأحبتي، وداعاً أخفي فيه تفاصيل وطقوس الوداع. حاولت أن أقنع نفسي أنه غياب أسبوع لزيارة ما أو عمل ما كي أخفي أحاسيس قلبي. ذهب ل منا في اتجاه مختلف. كنت أتأمل في الطريق الأرض والتراب والشجر ومناظر القصف لكي أحتفظ بها في ذاكرتي، بعدما وصلت إلى مدينة القنيطرة المهدمة. هنا كانت ليلة لن أنساها ماحييت، ليلة باردة مشحونة بالترقب وانتظار المجهول، لكنه مجهول بطعم الكرامة والشرف لأننا آثرنا الرحيل على البقاء إلى جانب القاتل.

وصلنا إلى القنيطرة المهدمة قبل حلول الغروب وكان الجو يزداد برودة، وذلك في شهر تموز الصيفي. نزلنا من السيارة وتوجهنا إلى ساحة لانتظار حافلات التهجير، وتأخر الوقت ولم تأت ليلتها. نزلنا في مقرات لفصائل المعارضة، وطلبوا من النساء والأطفال الذهاب والمبيت في الغرف، وبقي الرجال في السيارات في الساحة ليناموا فيها.

دخلت برفقة أمرأتين أعرفهن إلى غرفة فارغة مظلمة ولكنها كانت أدفأ من الخارج، حيث أن البرد بدأ ينهش أجسادنا ونحن ننتظر في الساحة. جلب الرجال بعض الأغطية والماء، وإذا بدفعة اخرى من النساء والأطفال حضروا للنوم في الغرفة ذاتها. كان الأطفال جائعين ويرتجفون من البرد. جلست في صمت وأنا أراقب المشهد، كانت النساء تتحدثن عن القصف والنزوح والخوف والتهجير، وهذه تتعرف إلى تلك وأخرى تحاول تهدئة طفلها. مشهد لن يغيب من ذاكرتي، ولكن الغريب في الأمر أني شعرت في تلك اللحظات براحة كبيرة لا أعرف سببها.

وبطمأنية أيضاً لم أستطع النوم ليلتها. بقيت مستيقظة طوال الليل، فالأغطية لا تكفي لأننا أعطيناها للأطفال والمكان ضيق ومزدحم. كانت هناك امرأة أعرفها، لديها طفل اسمه معتصم وطفلة رضيعة عمرها أيام، لم تستطع النوم أيضاً بسبب طفلتها الرضيعة التي تبكي وبسبب معتصم الجائع الذي لا يمكنه النوم بدون أن يشرب الحليب. وضعت له الشاي الذي أحضرته من عند بعض الرجال في الخارج بدلاً من الحليب لكنه رفضه، وإذ بأمراة لا نعرفها تقول مابه ولدك، لماذا لا يسكت، فأجابتها يريد حليباً وليس لدي، فردت المرأة أنا لدي بعض الحليب سأعطيك منه. تابعت بشغف وحزن هذا الموقف، كان رد أم معتصم مزلزلاً لي عندما قالت: “كثر الله خيرك كأنك أطعمتني من الجنة بهذا الحليب لمعتصم ورويت قلبي”.

لكني تأملت أكثر عندما طلعت الشمس وخرجت من الغرفة لأتنفس الهواء بعد ليلة سهر متعبة وأنا جالسة في مكان ضيق، وعند خروجي توجهت إلى بوابة المكان الذي كنا فيه، وإذ بطفلٍ يجلس وحده يرتجف ويبكي، سألته مابك لم يرد. سألته عن اسمه واسم أمه فأجاب أنه يدعى أحمد وأمه تدعى خديجة. بعد إصرار عرفت أنه جائع،  فتوجهت إلى الغرفة التي كنا فيها وسألت النساء إذا ما كان لديهن بعض الطعام .أحضرت إحداهن خبزاً وأحضرت أخرى مربى. توجهت إلى الغرفة الثانية وسألت عن خديجة ووجدتها، فأخبرتها أن طفلها أحمد يبكي في الخارج من الجوع. قالت إنها لا تملك شيئاً لإطعامه فقلت لها: “في الغرفة المجاورة لديهن خبز ومربى تعالي معي لتطعمي ولدك”. كان من الصعب أن تشاهد طفلاً يريد طعاماً ولا يجده.

انتظرنا حافلات التهجير بمرارة كبيرة وفي الذهن تساؤلات جمة عن الطريق. ماذا سيجري لنا وماذا ينتظرنا من مجهول؟ أسئلة كثيرة كانت من أصعب اللحظات التي مررت بها في حياتي. كان القرار صعباً ولا رجعة فيه، وفي الوقت ذاته قرار يقتل الروح أن تترك بلادك الغالية التي ولدت فيها وكبرت وترعرت فرحت وحزنت وثرت وناضلت، لتختزل في رحلة تهجير من الجنوب إلى الشمال.

بعد وصول القوافل صعدنا إلى الحافلات والجميع متأهب لأي حدث على الطريق. استغرقت رحلة التهجير وقتاً طويلاً لم تكن تستغرقه سابقاً قبل الثورة، فقد سرنا وتوقفنا حوالى 17 ساعة لنصل إلى الشمال ودخلنا عبر معبر مورك ،كانت الحافلات تخنقنا وكأننا سمك خرج من الماء، بعدها بدأ فصل جديد في ن مكان جديد.

التعليقات

عذراً التعليقات مغلقة

    عاجل