الساروت.. حارس الثورة والحلم بالكرامة

تدوينات
لينا العقلة17 يونيو 2019آخر تحديث : منذ سنة واحدة
لينا العقلة
46804859 963096540739847 5865849557287436288 n - حرية برس Horrya press

من رحم الثورة ولد.. شابٌ يافعٌ مفعمٌ بالحيوية والأمل، ولم تمض شهور قليلة من ميلاده كثائر حتى غدا نموذجاً للشاب الصادق مع نفسه، المتعطش للحرية، حاله حال كل سوري حر.

عبد الباسط الساروت، لم يكن حارس نادي الكرامة لكرة القدم فحسب، فهو العاشق للكرامة، والحرية، ينشُدهما، وينشِد لهما، وما إن سطع فجر الحرية في بلاد القمع والظلم، البلاد التي حرمت من الحرية والأمل لعقود طويلة، حتى انشق عن ناديه الرياضي، وانضم لصفوف المتظاهرين السلميين ينشد للثورة والشهداء والحرية والوطن.

كان خياره واضحاً.. الدفاع عن حق وطنه وشعبه بالحياة بكرامة، وعندما صار التجويع سلاح الطغاة في وجه أبناء وطنه، نادى برغيف الخبز الذي كان حلم كل طفل سوري في حمص والغوطة ومضايا، وغيرها من مدن الحصار القاتل.

خياره الانحياز للمظلومين، دون وجل ولا خجل من التقصير الذي مارسه السوريون بحق الأحرار الأوائل، الضحايا الأوائل، فاعتذر باسمنا جميعاً لحماة الجريحة من ماضٍ دموي ما زالت ندوبه حاضرة في ضمير الوطن كله.

ولأن حاضر النظام المستبد لم يكن أقل دموية من ماضيه، أنشد الشاب الحر لدرعا مهد الثورة، ولدمشق المحتلة، ولحلب المخنوقة، ولحمص العدية الثائرة، وداريا العظيمة، وادلب الحرة الصابرة، وعامودا المغدورة.

لم يدرس الساروت الموسيقا أو الغناء يوماً، ولكنه غنى بمنتهى الشجن للحرية، ولم يتعلم أكثر من تهجئة حروف العزة، ولم يستخدم لغة أدبية ولا شعارات ايديولوجية رنانة، ولم يستند على جمل المثقفين المنمقة، ليعبر عن مشاعره ومحبته لوطنه وشعبه، كان يتحدث وينشد ببساطة وعفوية آسرتين، بلهجته الحمصية المحببة، فينطلق كلامه عذباً نابعاً من القلب، ليلامس قلوبنا ويحرك مشاعر الملايين منا بكل صدق وبراءة.

لم يغفل عن أي مدينة أو بلدة أو قرية تعرضت للعدوان والظلم والقصف والإجرام والتجويع، وصمدت في وجه هذا النظام،
ليس هذا فحسب، بل كان واعياً بفطرته السليمة لتشابك مصير أبناء أمتنا في كل بلدانها، المحتلة أو المستلبة من قبل الطغاة، فغنى لفلسطين ولثورة الجزائر وانتفاضة أحرار السودان، ومعاناة أحرار مصر، ليصبح ثائراً على كل ظلم، وصوت كل حر، وطالب حرية بكل جدارة.

لم يكن الساروت شخصاً عابراً أو ناشطاً عادياً في مسيرة الثورة، بل شكل الساروت نقطة مضيئة وظاهرة ثورية حقيقية، ومثالاً يحتذى به في صفوف الشباب السوري التواق للحرية والكرامة، المدافع عن حقوق الإنسان، الرافض للظلم والقهر والعبودية، وباتت أناشيده جزءا أساسياً من المسائيات والمظاهرات المطالبة بالحريه و بإسقاط نظام الاستبداد، فمن منا لم ينشد مع الأحرار (حانن للحرية حانن) ومن منا لم يغن لأطفاله (جنة جنة جنة.. جنة يا وطنا).

ولأنه الإنسان التلقائي المعرض لشتى نكسات ردود الفعل على ما يقاسيه من مظالم، عايش كثيراً من التحديات، وعاين شتى المطبات والنكسات في مسيرته النضالية، ولكن هذا لم يضعف عزيمته يوماً ولم يثنه عن مطالبه المحقة، حتى في أقسى انكساراته، حيث فقد الأخوة والأب والأقارب والأصدقاء.

كانت محطات حياته قاسية، تجعل الحليم حيراناً، وواجه الكثير من محاولات الاغتيال والملاحقات الأمنية، ورغم كل هذا الألم لم يفكر يوماً بمغادرة الوطن الذي عشقه حد الجنون، وأمضى تسع سنوات من حياته وشبابه، هي أكثر من ثلث ما عاشه من هذه الحياة، في خدمة الثورة والأحرار أملاً في أن ينتهى الظلم يوماً وتزول هذه الغمامة، ونحيا بسلام.

ولأن الساروت بطل حقيقي، كان استشهاده محتملاً في كل لحظة، وهو ما كان فعلاً، حيث استشهد قبل أن يشهد انتصار ثورتنا اليتيمة، وكان قد رثى نفسه قبل استشهاده طالباً الرضى والسماح من والدته، وأوصى رفاق ثورته بالوفاء لدماء الشهداء و بمواصلة النضال بعده، حتى تحقيق الأهداف، وكأنه قد علم أنه على موعد قريب مع الشهادة التي طالما تمناها، ونالها، وكان جديراً بها، وفي العيد .. الذي أنشد له متمنياً الشهادة عيداً.. (يا يما بثوب جديد زفيني جيتك شهيد.. يا يما… جيتك شهيد بثوب العيد والجنة بيتي الجديد.. يا يما).

رحل عبد الباسط الساروت.. البطل الحقيقي.. والأبطال لا يموتون برحيلهم، بل يحيون أمماً بغيابهم الأخير.

وداعاً أيها الشجاع.. لقد أحييت فينا روح الثورة من جديد، وستبقى حياً في قلوبنا وضمائرنا وسطور تاريخنا وذاكرتنا وذاكرة أولادنا إلى الأبد.

رابط مختصر

عذراً التعليقات مغلقة