وجوه: الشّاعرة ابتسام الصّمادي.. في المنفى تصبحُ الشامُ حاسّتها السابعة

سليمان نحيلي18 مايو 2019آخر تحديث :
سليمان نحيلي

وجُوه..

الشّاعرة ابتسام الصّمادي.. في المنفى تصبحُ الشامُ حاسّتها السابعة

بقلم: سليمان نحيلي

وأنت تقرأ قصائد الشاعرة ابتسام الصمادي، تفوص ببوحٍ شفيف عالي الشاعرية، يفتح كوامن الخيال لديك على عوالم لم تطأها من قبل، ويريق قارورة روحها الملأى بأشعار بنكهة أمطار الشمال وأنسام الجنوب من وطنها، وتمنحك جواز سفرٍ لتتماهى معها في تراب الوطن وأنهاره، تتملّى قمحه وعشبه عشقاً وحنيناً، ولذلك تقول عن نفسها لكن بلسانك:

فكيف أُجاري رفاه الأماني

وثوبي مياهٌ وضفة نهر

أُزرّرُ حولي عشب الوهادْ

حدودي الترابُ وذروة عشقٍ وقمحٍ وضادْ

وكلّ نماءٍ يحاكي خطاي

وريشة بُعدٍ تجرّد رشدي

تحدُّ جنوني ولوني البلادْ.

أ – الوطن وتجلياته في شعرها:

من أهم الموضوعات التي شغلت الشاعرة وميزتها هي الوطن، ويستطيع المدقق تتبعَ موضوعة الوطن لديها عبر التجليات التالية كمحدّدات ٍ دراسية جمالية.

1- التماهي مع الوطن:

فابتسام متماهية مع وطنها حدّ الغرق والاندغام، فهو منبع كل خير وأول التشكل والولادة والسحر البكر، وهو بداية وعي الذات، وغالباً يأخذ لديها اسم الشام ،لذلك تقول لها :

لم نفترق..

كنّا كما طلعٍ بغابْ

ما كان أخضرَ شوقنا

بل بكرُ ألوانٍ

وقاموسي سرابْ

لم أدرِ كيف غدت يدي أعلى وذوّبني صباي

2 – الوطن مرساة روحها:

فهي في قمة أوجاعها وتشتتها على قارعة الحياة و المنافي لا تجد سوى الوطن مرفأً وملاذاً ومرساة أمان، فتناجيه وتبوح له:

هيّا تعالْ ..

فمدائن الأوجاع أسئلةٌ

تفتش عن موانئها

وتحشد في شراييني أُلوفاً من بوارجها

ووحدكَ أنت مرساتي

وسارية السؤالْ ..

3 – الوطن الحر ّ السّيّد:

تتطلع ابتسام إلى وطن معافى حتى تتعافى القصيدة، وتحلم بوطنٍ حرّ نظيف من الفساد، يتألق كما كان في الماضي بالحضارة والحب للجميع، تقول:

لأنّ عباءتي شِعري

وشِعري غُلّة البوح الرفيعِ

وقصائدي في كلّ حلتها

تريدكَ سيداً فوق الجميع

يا أيها الوطن الملثّم بالحضارة والشّآم ..

4 – وحدة الهمّ الوطني والقومي

وهي كشاعرة عربية تعتبر كل القضايا العربية جزء من قضية واحدة لاتتجزأ يؤلمها حال اليمن والعراق وبيروت وفلسطين تماماً مثل حال وطنها سورية فتقول:

في الشام بثٌّ وفي صنعا تردّدهُ

بغدادُ تشبكُ مع بيروت بالبؤس

ولذلك فهي ترى الخلاص من واقع الضعف والتجزئة والتبعية بالتضامن والتوحد:

فلنُرضعِ الطفلَ من أثداء وحدتنا

تأتي إلينا الدّنى زحفاً على الرّكبِ

5 – الوطن في الغياب:

غلاف مجموعة “حاسّة الشام” للشاعرة السورية ابتسام الصمادي

وأزعم أنه في مستوى الغياب والمنفى، يتضح للقارئ البعد الحقيقي والمعنى العميق للوطن، ومتانة الارتباط به، ولطالما تغنت بجمال وطنها، لكنّ بعدها القسري عنه جعلها تراه أجمل، وكأني بها تحتوي بذلك المقولة الفلسفية القائلة «عندما نبتعد عن الأشياء نراها أكثر جمالاً» ولعلّ بعدها عن الشام كان ضرورياً لها كي تتفرّد عن سواها بحاسّةٍ سابعةٍ أسمتها «حاسّة الشام» قدمتها ضمن إطارٍ شعري غاية في الجمال والإدهاش مع سينية باهرة:

العطرُ تسمعه في الشام كالهمسِ

والذوقُ كالشوقِ قبل العينِ واللمسِ

باليد تلمسُ موسيقا تلألئها

يا للسماعِ و روحِ العزف والجرسِ

خمسٌ على الكفّ عدّدْ من سوابعها

فالشام تُحسبُ بعد الخمس والحدسِ

لو مِن حواسِكَ إحداهنّ قد فُقدت

تعوّض الشام نقصاً من غنى النفسِ

ولذلك فإن غيابها عن الوطن أسّسَ لتجلٍّ آخر من الوطن، وهو:

6 – الحنين:

فعندما تكتب عن معاناتها بسبب البعد القسري عن الوطن، تشعر أنها تكتب بلسان كل من يشبهها في المنفى، ولجأ إلى بلدٍ تحلّق الطيور في سمائه لا الطائرات الحربية، تكتب عن قواسم مشتركة من التفاصيل اليومية الصغيرة لكن الموجعة، تفاصيل أثثت ذاكرة كل منفيّ عن وطنه، غادرناها حين غادرنا الوطن، لكن لم تغادرنا، فبقيت الحبل السريّ بيننا وبين الوطن، وها هي تبوح من فرط الحنين:

أنهيتُ أوجاع الكتابة عندما

هفّت من الشّبّاكِ رائحة الصنوبر مع هفيفِ الغائبينْ

ورجوتُ ربي أن يساعدني لأحتملَ الحنينْ

وأخذتُ من بعض الدروج مواجعي

رزماً من الذكرى وأغلقتُ العُلب

ثم تضيف:

في غرفتي

بعض الوريقات التي

كتبت على أطرافها أشياء لم تكمل بعد…

….

ما زال كرسيّ القصبْ

لا تلمسوه.. فقد تَعِبْ

من كثر ما انتظر الأمان

وأمامه فنجان قهوتنا التي أبقت على هيل المكانْ.

7 – مع الوطن في المحنة:

وقفت الشاعرة منذ بداية الثورة السورية موقفاً واضحاً، أيدت فيه تطلع شعبها نحو الحرية والكرامة والعدالة ضد الطاغية الذي أعملَ آلته العسكرية تدمّر وتقتل وتهجّر بأبناء وطنها، فقالت بكل وضوح:

إن تسألوني ماذا ومن؟

هدم المعوّق فوقنا سقفَ الوطن

كما صورت كيف أن هذه الثورة كاشفة وفاضحة للعالم بأسره:

كلّ المرايا تعرّي الوجه إن نُظرتْ

عرّت دمشق خفايا الجنّ والأُنسِ

وفضحت التدخل العسكري الأجنبي الإيراني والروسي وولوغهما في الدم السوري الزكي:

والشام أصدقُ إنباءً إذا ابتليتْ

في دمعها الدّمّ بين الرّوسِ والفرسِ

ولذلك فالشاعرة تؤمن بحتمية زوال الطاغية ولو بعد حين:

من أنتَ لتحطّمَ سورية

ومصيركَ المحتومُ حكمٌ صادرٌ وموثّقٌ

لو شدَّ فيكَ الكون والزعماءُ والبشرية.

ب – المرأة.. حضورٌ وأبعاد:

غلاف مجموعة “بكامل ياسمينها” للشاعرة السورية ابتسام الصمادي

للمرأة حضور واضحٌ في نتاج ابتسام الصمادي، وهذا ما يؤكد أنها تشغل صلب اهتمامها، ولعلّ ذلك أول ما يبدو من عناوين دواوينها (هي وأنا وشؤون أخرى، سفيرة فوق العادة، ماسٌ لها، بكامل ياسمينها).

وتبدو المرأة في جانب كبيرٍ من نتاجها، أنثى عاشقة تفيض أنوثةً وجمالاً ونرجسيةً وكبرياءً، تستقي جمالها وزينتها من جمال الطبيعة، وكبرياءها واعتدادها بنفسها وقوة شخصيتها من ولادة وشهرزاد:

في رنة الخلخالِ غنّت خطوتي

والريح وشّتْ فوق أكتافي العبي

يقف البزوغ لكي أُسوّي زينتي

والليلُ يكبو في مرايا المتعبِ

أضع التغزّل في قواريرٍ

يمرُّ خليطها السّرّيُّ بي

فلشهرزادٍ حصةٌ في الفن مِن بوحي

ومن ولّادة تَرَفُ الأبِ.

إلا أنها ترى الأنثى العاشقة تلك حرة، والحب هوية انسانية ترفع لاتضيم:

أمشي بهيبةِ حرّةٍ لاتختبي

كما أبرزت المرأة متمردةً، ضد الظلم والقهر اللذان يمارسان عليها سواء من المجتمع أو من الزوج، فهي وإن كانت مستعدة للعطاء إلى أقصى درجة، إلا أنها تطلب أن تُعامل بإنسانية ورفق، ولذلك تصرخ في وجه ذلك الزوج الذي يطلب منها كل الأعباء الحياتية والواجبات الزوجية وتربية الأولاد دون أدني شعور بها أو مراعاةً لانسانيتها، حيث تقول:

أنا بشر ولست محطةً للكهرباء.

وعندما يصاب الوطن، تتسامى المرأة العاشقة ليمتزج همها الخاص مع العام، فتتجلى لديها في هذه النقطة قضية الحب كشعور وسلوك ومبادئ إنسانية، تشمل الوطن ككل، تمنحه في مصابه أعذب الحب والوفاء:

ما عاد في حلب صياغةُ دهشةٍ

تحتاجُ شامُ العشق لمساً من نبي

وتحبُّني لمّا أفيضُ على الجوى

فتصبُّ من بوحي

وتشربُ أعْذَبي..

ج -التجريب في اللغة والشكل:

مما يحسب للشاعرة ميلها للتجريب الذي تشتغل عليه بوعي وإرادة، فعلى صعيد اللغة وأساليبها، يشكل التجريب تجديداً وخروجاً عن المألوف في القول الشعري منح للقصيدة مساحات جمالية إضافية.

ومما يقال هنا تفرّدها بمناداة الحبيب بـ «يا صديقي» إنها بذلك تضيف بعداً جديداً للعشق وهو الصداقة، مؤكدة أنّ العشق الذي إطاره الصداقة والتفاهم وتخاطر الأرواح أبقى وأعمق، وكأنها بذلك تقدّم رؤية خاصة فلسفية عن الحب تتلخص بأن (الحب ليس أن ينظر الحبيبان كل منهما إلى الآخر، إنما أن ينظران باتجاه واحد).

تقول ابتسام:

صديقي ..

وأُرسلُ روحي فوق السحابْ

لكيما أمرُّ بخاطر بالكْ

وأطرأُ مثل التخاطرِ حينا

وحدس الخيول بغيم خيالكْ..

كما امتازت بالشغل على الاشتقاقات اللغوية، في إطار التجديد، وتجلى ذلك في أفعال وأسماء تكتمن على خيالات متماوجة وأبعاد معنوية (تَدمْشقَ، تَيسْمنَ، مؤلْمس، مقمّح …).

ومن ذلك التجديد غنى قصائد الشاعرة ابتسام الصمادي بالومضات الشعرية المدهشة التي تحفل بالصور والخيالات، التي تبعث على التفاؤل والأمل والخصب والتجديد:

– لمرورك َالعبثيّ زخٌّ

مثلما مطر السواحلْ

ما إن تقول يداك في إيمائها

كلّ الحديث الحلو.. ترتفع السنابلْ..

– العطر رؤية الورد لما بعد الفناء.

– لم يبقَ مني وردة إلا غوت وتبرّجت كيما

تضاهي بقعةً بشقائق النعمان

في دمكَ البهيّ..

وعلى صعيد الشكل، نوّعت ابتسام فكتبت القصيدة العمودية والتفعيلة وبعض قصائد النثر.

وختاماً.. تبقى ابتسام الصمادي كما شاءت أن تكون، شاعرةً حرةً لاترضى الاحتواء، سخيةَ العواطف، متجدّدة كتدفق الينابيع، سأدعها كما شاءت تقول:

أنا لا أُحبّذُ أن أكونَ النهر

كي لا أُحتوى في ضفتينْ

وأودُّ لو أغدو التّدفّق عينه

كي لا أُكرّرَ …..مرتينْ.

* * *

الشاعرة السورية ابتسام الصمادي في سطور:

الشاعرة السورية ابتسام الصمادي

ولدت الشاعرة ابتسام الصمادي في بلدة جاسم التابعة لمحافظة درعا في العام 1955.

درست اللغة الانكليزية وآدابها في جامعة دمشق، ونالت الدكتوراة، ثم درّست فيها، وكانت برلمانية سابقة.

صدر لها: “سفيرة فوق العادة”، “هي وأنا وشؤون أخرى”، و “ماسٌ لها”، و “بكامل ياسمينها”،و “حاسّة الشام”.

كتب عن شعرها الكثير من النقاد والمهتمين من سائر البلاد العربية.

ترجمت بعض أعمالها إلى الإسبانية، منها مجموعتها الشعرية “بكامل ياسمينها”.

لها حضور مميز في المنتديات والمهرجانات العربية الشعرية، وكرمتها أكثر من دولة عربية وتجمعات أدبية.

التعليقات

عذراً التعليقات مغلقة

    عاجل