نحن والعالم.. من زاوية أخرى

آراء
فريق التحرير27 يوليو 2016آخر تحديث : منذ 4 سنوات
نحن والعالم.. من زاوية أخرى

رعد أطلي* رعد أطلي

إنه لمن المؤسف والعالم اليوم يقف على أعتاب مرحلة جديدة ساقتها الثورة التكنولوجية التي أدت إلى حاجة ملحة لإعادة النظر في كافة النظم السياسية والاجتماعية و الثقافية التي تسود حياة الأمم في الوقت الحالي لعدم قدرتها على التماشي مع مفرزات أشكال التواصل وتبادل الأفكار والمعلومات الجديدة التي أدت إلى حالة من الفوضى تسود العالم بشكل أو بآخر، وأوضحت أن الشكل التقليدي للنظم الديمقراطية التي نجحت في إرساء نظام الدولة الحديثة كنموذج متبع في معظم بلدان العالم منذ ثمانينات القرن الماضي ما عاد قادراً على تنظيم العلاقات الجديدة في المجتمعات الناشئة سواء على المستوى المحلي لكل دولة على حدا، أو المجتمعات الافتراضية التي أنتجت أشكالاً جديدة من البنى تمثلت في منظمات مدنية دولية شكّلها أفراد من مختلف مناطق العالم باتت تنافس المنظمات الحكومية وتواجه الشركات المتعددة الجنسيات.

قلنا أنه لمن المؤسف والعالم يفكر في ما يمكن تسميته مرحلة ما “بعد الديمقراطية” نواجه في بلدنا سوريا القتل على أيدي النظام الديكتاتوري أو أقرانه الذين أفرزتهم الفوضى التي أحدثتها ثورة الشعب السوري التاريخية، وذلك نتيجة للمطالبة بالحرية والديمقراطية، أي ما يشارف العالم على تخطيه.

لقد كان من الطبيعي في ظل ما يحدث في العالم أن تبدأ الحلقات الأضعف في النظام العالمي الحالي بالتحطم، ومن الطبيعي أيضاً أن أضعف تلك الحلقات هي في المنطقة العربية التي مثلت عبر آلاف السنين مجتمعات قد حُكِمت من قبل أنظمة استبدادية لا يمكن محو تأثيرها عبر بعض الفترات المضيئة في تاريخ المنطقة، ونتج عن ذلك التحطم حالة دموية مرعبة تجلى شكلها الأكثر حدة في سوريا نتيجة خطفها من نظام أكثر ديكتاتورية ودموية وسيطرة، وقد رأى النظام الدولي الحالي في تلك الثورة ضالته ليتمكن من تأخير التغيير في كافة أركانه فترة ما عله يستطيع من خلالها تبين ملامح الفترة القادمة ما يخوله من إعادة إنتاج شخوصه وهيئاته وشركاته في النظام الجديد القادم، وبات يعمل على إطالة أمدها لتكون ترسانة النظام القديم وشماعته في مقاومة التغيير في العالم، وجهنمه التي يهدد فيها العالم الذي يطمح للتغيير.

من غير المنطقي النظر للثورة السورية على أنها حالة منقطعة عن صيرورة التغيير العالمية التي بدأت عبر الشريحة الشبابية التي تمكنت من استغلال التكنولوجيا لإحداث تغيير أكبر عبر فهم أوسع لمعاني الحرية والتعددية، ووضوح أكبر في الصورة خارج إطار اللعبة الديمقراطية التي تديرها مجموعة من الشركات والأشخاص عبر العالم، ليقفوا في وجه تلك اللعبة كل حسب معطيات الدولة والحكومة التي تسيطر عليه أو تحكمه، فعام 2011 لم يكن حكراً على العرب ليشكل الربيع العربي فحسب، بل كان نوعاً من انتفاضة عالمية تم معالجة معظمها من خلال إطالة شلال الدم في الثورة السورية، وتداخلت ها هنا الأسباب بالنتائج، فإن وجهة النظر للثورة السورية تختلف مع طبيعة رؤية المتلقي لما يحدث الآن في العالم، هل هو نتيجة للثورة السورية أم سبباً لها؟ وعليه فإن طريقة قراءة ذلك الواقع ستحدد السياسات المبنية على تلك القراءة.

في بدايات 2011 انطلقت انتفاضة العالم منذ بداية العام في تونس، بعد أن كان لها إرهاصاتها سابقاً في إيران 2008 “الثورة الخضراء” وفي الثورة البرتقالية في أوكرانيا، ولكن المجتمع الدولي تعامل مع الأولى بشكل سريع متبدياً بالإهمال الكبير لها، في حين تعامل مع الأخرى بتدخل دولي “سلطوي مباشر” ليوحي بكلتا الحالتين بقدرة المجتمع الدولي على احتواء الأمور، وينزع أي آمال في التغيير، ولكن الحلقة الأضعف كما ذكرنا سابقاً هي في المنطقة العربية، ونتيجة لهشاشتها فإن توقعات مفرزاتها أيضاً هشة ومتغيرة ولو كانت متوقعة في خطها العريض، وبعيداً عن جدلية البحث فيما إذا كانت انطلاقة الثورات متوقعة أم معدة فإن الواقع يقول أن العالم رغم خطةٍ معدةٍ في محاولته لاحتواء تلك الثورات في تونس ومصر وغيرها من خلال منح الطموحات فرصة للإشباع يتم من خلالها امتصاص الحماسة العامة، ومن ثم قمع المحاولات للتغيير بكل الوسائل المتاحة من عمليات القمع “الاقتصادية” كما جرى في تونس، فعاد النظام بطريقة ديمقراطية سليمة، أو من خلال القمع المرعب الذي عانت منه مصر، لكن في الوقت نفسه تفلتت الأمور في مناطق أخرى مثل ليبيا، وذلك لأن النظام العالمي وهو على حافة الانهيار يعاني أيضاً من اضطرابات بين مكوناته وأركانه تتضارب عبرها مصالح المؤسسات المشكلة له، وينعكس ذلك في سلوكياتها على الأرض، فينتج عنها ضبابية في المواقف تولد مزيداً ومزيداً من الدماء، ورغم ذلك فإن محاولات الاحتواء تلك لم تفلح في بداية الانتفاضة، فانطلقت في معظم مناطق العالم وفي أهم عواصم القرار مثل واشنطن وروما ولندن وباريس، وما زالت إلى اليوم في حالة تفاعل وغليان مستمرين، منذ انطلاقة حركة وول ستريت في واشنطن وحالات الشغب في لندن وثورة الياسمين في الصين، واحتجاجات روما مروراً بأحداث التمييز العنصري ضد السود في الولايات المتحدة، وليس انتهاء بالتمرد العمالي الحالي في باريس، وكان لا بد منذ السنة الأولى التعامل مع هذه القضية من قبل النظام العالمي بإنتاج قضية دولية تشغل الرأي العام العالمي حسب ما يرتأيه النظام الدولي، وليس حسب ما ترتأيه الشعوب الطامحة في التغيير.

وكانت انتفاضة سوريا بما تمتلكه من موقع جيوسياسي وعقائدي واقتصادي هام تناسب حاجة النظام الدولي لذلك.
إن المراقب الآن لمجريات الأمور في العالم وفي مرور سريع على أهم أحداثه يرى ما يلي:
– ظهور داعش عام 2013 على الساحة كبديل عن القاعدة ليس من حيث الإيديولوجيا فحسب، وإنما منهجية العمل، فداعش لا تضرب وتختفي، بل تضرب وتسيطر وتفرض حكماً وتهدد العالم بمشروع توسعي يشمل الأرض كلها، وداعش ليست في سوريا والعراق فحسب، بل لها ولاية سيناء في مصر، وولاية أخرى في ليبيا على أطراف أوروبا، وتضرب في بروكسل عاصمة الاتحاد الأوروبي، أي أنها خطر حقيقي يتهدد العالم بمشروع باتت عمليات تنفيذه واضحة للجميع.

– موجة النزوح الضخمة التي شكلت أكبر أزمة سياسية وثقافية واجتماعية عرفتها أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية (آخر مرة تم فيها تغيير النظام العالمي)، والتي أدت لظهور اليمين المتطرف الذي يستشعر خطر أسلمة أوروبا، وقد بنى هذا الاستشعار انطلاقاً من “مسيحيتها”، ويخشى من الإرهاب المستورد مع “هؤلاء اللاجئين”، وانقسم المجتمع الأوروبي في صراع عدمي حول قبول هؤلاء اللاجئين أو رفضهم، وحول عملية تهديد الجيل الأوروبي الناشئ في استيراده ليكون مقاتلاً في صفوف التنظيم.

– حالة تطرف واضحة المعالم ظهرت في الولايات المتحدة أوصلت دونالد ترامب بتصريحاته المتطرفة حد الغباء ليكون مرشحاً رسمياً للحزب الجمهوري عن الانتخابات الرئاسية، ويقابله في الطرف الآخر أحد أكثر وجوه النظام العالمي الحالي صراحة “هيلاري كلنتون”.

– إعلان الصين قانوناً جديداً بحجة الإرهاب يمكنها من خلاله مراقبة كل أفرادها بما يمنع أي انتفاضة ضد الحكومة، وقانوناً آخر يسمح لها بالتحرك خارج البلاد في حال تهديد إرهابي أيضاً.

– تقارب روسي أمريكي واضح في قضايا مختلفة سمحت بها الثورة السورية.
ولكن هل ما يجري في العالم هو نتائج لاستمرار الثورة السورية، على اعتبار أن كل ما يجري الآن يتعلق فيما يجري في سوريا حصراً ويظهر على أنه رد فعل عليه؟ فإن كان كذلك فإن حكومات العالم قلقة بالفعل مما يجري وتسعى لإنهائه، إلا أنها لا تملك الحل نتيجة لتضارب المصالح في سوريا، وعليه فإن سياسة أي تجمع سوري يجب أن تكون مبنية على حلحلة الخيوط وفهم شبكة العلاقات الدولية لتصيغ حلاً ما قد تجتمع عليه الأطراف الدولية الفاعلة بداية، وفي الوقت نفسه يكون موافقاً لتطلعات السوريين.

إلا أنه أيضاً هناك الاحتمال الثاني، والتي تميل إليه تلك الورقة، وتراه الأكثر صحة، وهو أن الثورة السورية ليست سببا، وإنما نتيجة لما يحصل في العالم الآن، أي أن إطالة أمدها هي حاجة للنظام العالمي من أجل منحه فرصة من الوقت عبر إشغال الرأي العام العالمي وإرهابه، وتحويل القضية العالمية لقضايا محلية، أي على عكس ما يجب أن يكون، وهو استشراق القضية العالمية عبر مشتركات الأزمات المحلية، تلك الأزمات غير التقليدية إن صح القول، والتي كانت سابقاً أموراً معتادة يومية، ولكن مع الثورة التكنولوجية التي دفعت بطوفان معلوماتي ضخم تحولت تلك الأمور المقبولة سابقاً على أنها نظام حياة، لتكون أزمات مدركة تماماً، ويجب حلها، لكن على عكس ذلك فإن النظام العالمي يحاول أن يفكك القضية العالمية ليجعل منها قضايا وأزمات محلية، وبذلك باتت القضية السورية العالمية أزمة محلية، فهي في أوروبا أزمة لاجئين وإرهاب وتفكك سياسي واقتصادي، وفي الولايات المتحدة أزمة تطرف، وفي الصين أزمة تهديد إرهابي، وفي روسيا أزمة طموحات ديكتاتورية، وفي تركيا أزمة تقسيم، وفي البلاد العربية أزمة دم وخراب تمدد للديكتاتوريات، إلى غير ذلك، إذاً فالمجتمع الدولي لا يريد لتلك القضية أن تنتهي الآن.

وعليه فإن السوريين الآن في مواجهة نظام عالمي وضع منطقتهم في عين العاصفة، ولكنه وبسبب سرعة سقوطه التي تتلاءم مع السرعة التي فرضتها الثورة التكنولوجية لا يعي بالضبط إلى أين تسير الأمور، فلا يعمل حالياً إلا على إطالة أمد الثورة، من هنا يجب أن تنطلق مقاومة مشروع الخراب هذا، من ذلك الخيط، فكما أن أكثر الشركات والمؤسسات والأشخاص في ذلك النظام يحاولون الاستفادة من استمرار شلال الدم، هناك آخرون من شركات نامية خارج إطار ذلك النظام الذي سيعيق نموها بطبيعة الحال، وحكومات وأشخاص من ذلك النظام باتت تلك الخطة تهددهم أيضاً يقفون في وجه هذا المشروع، وبات من الملاحظ هذا التذبذب بين كافة الأطراف للعيان من خلال نتائج ما يحصل، فالأزمة الأوكرانية على سبيل المثال وهي الأهم بالنسبة لأوروبا لا تحرك الولايات المتحدة الحليفة الاستراتيجية لأوروبا ساكناً حيالها، بل إن بوتين تحرك في أكثر من مكان حالياً في أوروبا الشرقية ولن يكون آخرها في اليونان، الأمر الذي خلق ضعضعة في التحالف الاستراتيجي ولأول مرة بعد الحرب العالمية الثانية بين الأوربيين والأمريكان، وكذلك لن يستطيع النظام العالمي الإبقاء على تلك السيطرة فترة أكبر، هذا ما يحدث في فرنسا اليوم، وفي الولايات المتحدة، فالشعوب ما زالت مصرة على التغيير رغم ما يمارس عليها من عمليات التخويف والإرهاب، نتائج انتخابات عمدة لندن، وفوز مرشح حزب الخضر اليساري في النمسا بالرئاسة في مواجهة المرشح اليميني، ووصول اشتراكي ديمقراطي للمنافسة في انتخابات الولايات المتحدة ونيله شعبية كبيرة بين أوساط الشباب واستمرار الاحتجاجات في تونس ومصر، إلى غير ذلك، كل ذلك عبارة عن مظاهر توضح أن التغيير ما زال سارٍ رغم محاولات إعاقته، ولكن مع تلك المقاومة المدنية سيزيد الإصرار على استمرارية استثمار النظام العالمي في الدم السوري، وعليه فإن أي حركة تسعى للتغيير في سوريا عليها أن تنظر للقضية من منظور عالمي وتسعى إلى إقامة تحالفاتها وخططها وتوجهاتها وفق ذلك المنظور، وأن تتوجه نحو منظمات المجتمع المدني في العالم التي تسعى للتغيير ومحاولة إقامة التحالفات معها ضمن إطار الأهداف المشتركة، وتكوين شبكة دولية من تلك المنظمات لإعادة الثورة السورية إلى حقيقتها، قضية عالمية يتبناها رأي عام عالمي.
الرأي العام العالمي وعلى عكس ما يبدو هو أكثر قوة من أي وقت مضى وعلينا الاستفادة منه والتوجه إليه أجدى من التوجه للحكومات، حتى يكون التوجه للحكومات في المرحلة القادمة أكثر جدوى عبر مجموعات الضغط التي تكونت من خلال تعاضد تلك الشبكة الدولية.

كما يجب على أي تجمع سياسي دراسة بنى وعلاقات وتوجهات الحكومات الفاعلة والشركات العالمية الناشئة والقديمة، وعلى وجه الخصوص شركات الطاقة والسلاح والأدوية والخدمات المالية من مصارف وغيرها.

رابط مختصر

عذراً التعليقات مغلقة