هل يمكن أن ننتصر لأمثال أبو مروة؟

آراء
زكي الدروبي3 مايو 2019آخر تحديث : منذ 3 أسابيع
5 14 copy - حرية برس Horrya press

حين جلست وراء الكمبيوتر أفكر حول ماذا سيكون مقالي لهذا الأسبوع تداعت الأفكار في رأسي، فهل أستمر ضمن مخططي في نشر الأفكار التي أؤمن بأنها طريق نجاح الثورة، ومحاولة نشر الوعي السياسي بين شباب الثورة الذي لا يسمع إلا ما يريد، والذي يعتبر أن الخارج انتهازي يحاول التسلق على نشاطه، حتى أن أحد الثوار الذين أحبهم اعتبر أن نشري لمقالتي في مجموعته محاولة للتسلق وتسويق نفسي، ونشر أجندات حزبية ضيقة! ورغم أنه آلمني بهذا الكلام – عاتبته بشدة ونفى أن يكون الكلام موجه لي مؤكداً أنه كلام عام – إلا أنني حاولت تفهم وضعه ونفسيته، بعد سلسلة طويلة من الخداع الذي تعرض له شباب الثورة السورية من الانتهازيين في المعارضة السورية.

الألم الذي أصابني بسبب ما قاله الصديق كان لأنني لا أبتغي من نشاطي الثوري ومن كتاباتي الشهرة، فأنا من كان يكتب لنيتشر البريطانية، ولا أحتاج له ولمجموعته كي أزيد من رصيدي، إلا أنني تجاوزت الأمر ليقيني بأن صاحب القول إنسان ثوري في داخله، لكنه يبني أحكاماً مسبقة على الناس بسبب الانتهازيين الذين صادفهم عبر مسار نشاطه الثوري، وعذرته انطلاقاً من محبتي له، فالهدف من النشر هو محاولة إيصال أفكاري التي أؤمن بها بأن نظام الأسد نظام مستبد قاتل ناهب لثروات شعبه عميل للخارج، وبأن الثورة جاءت للانتقال من هذا النظام إلى نظام مدني ديمقراطي تعددي، وبأن أي نشاط لا يضع هذا الهدف في مخيلته لن يؤدي إلى تقصير الطريق وتخفيف الخسائر المدفوعة، فهؤلاء الشباب الطيبون – وهم من خرجوا في يوم من الأيام يقودون مظاهرات تؤيد جبهة النصرة التي اعتقلت بعضهم حالياً – بحاجة إلى استمرار المحاولات الهادفة إلى توعيتهم وإفهامهم أن الثورة السورية ثورة وطنية تهدف إلى إسقاط نظام الاستبداد والانتقال إلى نظام ديمقراطي تعددي، وليس إلى نظام مشابه تحت يافطات الإسلام أو غيرها من الشعارات الرنانة، التي يضحك أصحاب الأجندات فيها على هؤلاء الشباب.

هل أتحدث في مقالتي عن الوضع في إدلب والتصعيد المجرم الذي يقوم به النظام على أهلنا المدنيين، ومحاولة فرض حلول معينة على حساب دماء الشعب السوري، وبصمت مستنكر من العالم؟ هل أتحدث عن عشرات الآلاف الذين هجروا منازلهم وهربوا من القصف ليبقوا في العراء دون مأوى وأسأل لماذا – ونحن نسمع التصريحات المتتالية على لسان الروس والنظام عن نيتهم تنفيذ عمل عسكري على إدلب – لم نجهز أنفسنا لاحتمالات نزوح جماعي نحو الشمال السوري ؟.

هل أتحدث عن العصابة التي نصبت نفسها متحدثاً باسم الثورة السورية، وفاوضت وأقرت اتفاقات ما يسمى بخفض التصعيد في آستانا وسوتشي والتي انتهت بتسليم المناطق واحدة تلو الأخرى للنظام؟.

هل أتحدث عن الواقعية السياسية التي تدعيها هيئة التفاوض، وهي تلهث وراء روسيا لتنفيذ حلها المتمثل في لجنة دستورية بديلاً عن هيئة حكم كاملة الصلاحيات، رغم تحول الموقف الدولي المتمثل في الموقف الأمريكي لصالحنا، ورغم أوراق القوة التي لا زالت بين أيدينا؟ هل أتحدث عن خيانتهم لدماء الشهداء وعن إهمالهم لملف المعتقلين، والتفاوض رغم عدم إطلاق سراحهم واستخدامهم من قبل النظام كورقة ضغط على المفاوضين لتقديم تنازلات بما يخالف بنود قرار الأمم المتحدة؟.

هل أتحدث عن الفساد في قنصلية النظام في القاهرة، وهي مثال عن الفساد في كل قنصليات النظام الذي بني على الفساد والمحسوبية والرشوة، والتي تستغل حاجة المواطنين السوريين لوثائق رسمية كي تحولها لمنفعة مادية أو تقوم بالتحرش بالنسوة السوريات وابتزازهن لإجراء علاقات جنسية مع المسؤولين فيها؟

هل أتحدث عن المستقبل الضائع لأطفال سوريا، بين التعليم في مدارس بلدان اللجوء المختلفة، وبين التعليم الديني ونشر أفكار التطرف في صفوفهم في مناطق سيطرة النصرة، وباقي الفصائل المشابهة لها في المضمون، أو منهج التعليم التافه الذي يتلقاه أطفالنا في مناطق النظام أم التعليم في مناطق سيطرة قسد ….. الخ ؟.

هل أتحدث عن المخيمات ومعاناة المحاصرين فيها سواء في مخيمات لبنان أو الركبان أو الهول أو …؟ أمور كثيرة يحار المرء عن أيها سيتحدث، وكلها مهمة وتمس حياتنا بشكل أو بآخر، وكنت قد هممت بالكتابة عن حدث الساعة والعدوان المجرم على أرياف إدلب وحماه إلا أن حالة إنسانية استوقفتني في آخر لحظة ودفعتني لإعادة النظر في أولوياتي.

الحالة هي حالة الصديق عمار الشيخ حيدر ” أبو مروة”، فرغم مرور ما يقارب عشرة أعوام، إلا أنه لم يستطع حتى اليوم الاجتماع مع زوجته وابنته اللتان تقيمان في الأردن، فهو من جهة لا يستطيع السفر إلى الأردن، ومن جهة أخرى لا يمكنه الحصول على فيزا ليجلب زوجته وابنته إلى تركيا.

حاول التقدم بالهجرة إلى كندا وأجرى عدة مقابلات دون جدوى، فأطلق مساء أمس صرخته الأخيرة: أنا مهزوم في كل شيء واعترف بهزيمتي ولن يبقى لي فيما تبقى من عمري سوى طلب أخير، وهو احتضان ابنتي مروة، ولأجل هذا أعلن عن التزام الصمت ممتنعا عن الكلام، مترافقاً مع إضراب مفتوح عن الطعام حتى تستجيب السلطات الكندية لطلب اللجوء المقدم إليها.

أبو مروة من أطيب وأنقى الناس، فقد عرفته عن قرب لفترة طويلة، ولا يوجد لديه متطلبات حياتية كثيرة، ولا يبحث عن أي شيء سوى العودة إلى أسرته وحياته الطبيعية بينهم.

ورغم أن شقيقه وزير في حكومة نظام الأسد، ورغم تخويفه من الثورة السورية “الإسلامية” التي ستقتله حسب مزاعم النظام وحلفاءه، إلا أنه انحاز إلى تاريخه النضالي ضد الاستبداد، واستمر وفياً لسنوات سجنه التي كانت بسبب موقفه المعارض لنظام الطاغية حافظ الأسد، ووقف موقف منحازاً إلى نضال أبناء شعبه السوري لأجل الحرية والكرامة.

كل هذا لم يشفع له عند أي من المسؤولين ولم تستيقظ الإنسانية في ضمائرهم، ليسعوا بتأمين حلول كي يجتمع شمله مع ابنته وزوجته.

حياة أبو مروة في خطر كبير، فعمره وجسده الضعيف لا يسمحان له بتحمل أعباء الإضراب المفتوح عن الطعام، وكل نصائح الصبر التي وجهها له الأصدقاء لن تجدي نفعاً، فقد وصل إلى الحد الذي لن تستطيع معه الحلول المؤقتة فعل أي شيء تجاهه.

حال أبو مروة هو حال الكثير من أبناء الشعب السوري الذي فرقته الحرب المجرمة التي يشنها نظام الأسد عليهم، وبالتعاون مع كل القتلة في العالم، مترافقة بصمت مستهجن من الدول المختلفة التي تدعي حرصها على الديمقراطية وحقوق الإنسان، فلم يعد هناك مكان في الكرة الأرضية يستقبل أبناء الشعب السوري – إن استثنيا القبور – فكل الدول أصبحت تطلب من السوري الحصول على فيزا لدخول أراضيها، وأصبح الحصول على فيزا لدولة ما ضرب من ضروب الخيال، وأصبح السوريين المتواجدين في الدول المختلفة أسرى وسجناء داخل تلك الدول، لا يستطيعون السفر خارجها لانهم لن يستطيعوا العودة بسبب الفيزا، وبهذا فرقت عائلات بأكملها عن بعضها البعض، فنجد زوج موجود في تركيا وزوجته وأطفاله موجودين في الأردن مثلاً، ولدي الكثير من الحالات التي أعرفها بشكل شخصي.

السؤال برسم السادة في الائتلاف وحكومته، وبرسم السادة الحقوقيين، هل من إمكانية لإيجاد حلول لمشاكل إنسانية تجمع أفراد العائلات المشتتة مع بعضها البعض قبل أن يغيبها الموت؟!

رابط مختصر

عذراً التعليقات مغلقة