دروس من الاستقلال

زكي الدروبي20 أبريل 2019آخر تحديث :
دروس من الاستقلال

يعيدني صراع اليوم بين القوى الناهبة الداعمة للقتلة والمستبدين، وبين شعوب هذه المنطقة إلى بدايات القرن الماضي، فالتوتر والحروب والفتن التي استمرت طوال السنوات الماضية، كانت نتيجة طبيعية لمحاولة قوى تسعى للسيطرة والنهب قهر شعوب المنطقة، سواء عبر الاحتلال المباشر، كما حصل مع بلادنا في بدايات القرن الماضي بعيد تفكك الإمبراطورية العثمانية، عبر احتلال مباشر من قوات عسكرية فرنسية، وتأسيس “دولة إسرائيل” على حساب الشعب الفلسطيني، وتنصيب حكام مستبدين قتلة على هذه الشعوب بعد اضطرار تلك القوى للخروج العسكري المباشر من الدول المحتلة بسبب المقاومة المختلفة الأشكال.

الخروج من عباءة الإمبراطوريات والمحاولات الدائمة من قبل الشعب السوري وغيره من الشعوب، الحصول على استقلاله وقراره الداخلي كان يصطدم عبر التاريخ بمطامع القوى الناهبة، فتجربة التدمريين وقائدهم أذينة – الذي أذل الإمبراطورية الفارسية وبنى مملكة مهمة في قلب العالم القديم – في الاستقلال عن روما باءت بالفشل بعد أن وصلت حدود مملكته في عهد زوجته زنوبيا من بعده من البوسفور شمالاً وحتى النيل جنوباً، بسبب غزو خارجي عسكري من قبل الرومان بالتعاون مع عملاء محليين، وتجربة الأنباط في البتراء أيضا تعرضت لغزو عسكري منعها من الاستمرار، ومع بداية القرن الماضي وبعد الخروج من عباءة الإمبراطورية العثمانية تعرضت سوريا لغزو عسكري فرنسي بعد إعلانها مملكة دستورية وتنصيب الملك فيصل بن الحسين ملكاً عليها، وذلك لمنعنا من الحصول على حريتنا.

الاحتلال العسكري الخارجي لسوريا كان يهدف دائماً لكسر إرادة الشعب السوري بالحرية، ومن ثم تنصيب عملاء محليين تابعين لتلك القوى المحتلة، فتدعم تلك القوى العملاء للبقاء في السلطة وسرقة ونهب الشعب مقابل السماح لها بنهب خيرات الشعب، وهذا ما شاهدناه بعد جلاء القوات الفرنسية عن سوريا، فلم تمض عدة سنوات حتى وصل الأسد الأب إلى الحكم على صهوة الدبابة بعد أن غدر برفاق دربه، ومن ثم انفرد بالشعب السوري قتلا واعتقالاً وتهجيراً بدعم مطلق من العالم “الحر”.

قوى الاحتلال كانت دائما قلقة، ولم تستطع الاستقرار طويلاً في بلادنا، بل كانت كل أشكال المقاومة عاملاً رئيسياً في خروج هذه القوى من بلادنا، فكان دخولها على جثث أبناء سورية، وهذا ما أعلنه الشهيد البطل يوسف العظمة وزير الحربية السوري، من خلال مواجهته لقوات الجنرال الفرنسي غورو بالقوة البسيطة الموجودة بين يديه قياساً لواحدة من أقوى القوى العسكرية في ذلك الوقت، وهذا ما تابعه بقية الأبطال من ثوار بلادنا في كل شبر من بلادنا، حين قاوموا الاحتلال الفرنسي المحمي بالدبابات والطيران بالبنادق البسيطة الموجودة بين أيديهم.

تعلمنا دروس جلاء القوات الفرنسية عن بلادنا أن قوى الاحتلال تقاوم ولا تفاوض إلا على الرحيل، وأن وحدة الشعب السوري كمواطنين عابرين للطوائف والقوميات منتمين إلى الدولة السورية هي الكفيلة بإخراج كل قوى الاحتلال مهما كانت شراسة دفاعها عن وجودها ومهما كانت قوتها العسكرية.

لقد قصف الاحتلال الفرنسي الشعب السوري بالطيران والمدفعية، كما تفعل اليوم قوى الاحتلال الروسي الإيراني، واستعانت بالغرباء لقهر إرادة الشعب السوري كما تفعل قوى الاحتلال اليوم، ورغم ذلك كانت وحدة الشعب وإرادته أقوى.

في تاريخ سوريا الحديث والقديم عبرة، فحين تجاوز الشعب طوائفه ومذاهبه وقومياته وانتماءاته ما قبل الوطنية السورية، تحول إلى صخرة صلدة تتكسر عليها قوى العدوان المختلفة أشكاله، فقد اعتلى فارس الخوري منبر المسجد الأموي في دمشق ليخطب بجموع المسلمين موضحاً محاولة الاحتلال الفرنسي تقسيم الشعب السوري ، وأعلن أنه يشهد لا اله إلا الله وأن محمد رسول الله في رد على فرنسا التي ادعت أنها جاءت لتحمي المسيحيين في سوريا.

كما اجتمعت كلمة المقاومين السوريين على إعلان سلطان باشا الأطرش الذي ينتمي لأقلية مذهبية صغيرة في سوريا قائداً عاماً للثورة السورية ضد القوات الفرنسية.

كل هذه الأمثلة وغيرها الكثير تؤكد أن وحدة الشعب السوري، وانتماءه للوطنية السورية، بعيدا عن أي انتماء ما قبل وطني، هو الطريق الرئيسي لطرد قوى الاحتلال الروسي الإيراني التي تقتل وتدمر، وإلى إخراج كل الغرباء من سوريا.

تعلمنا دروس التاريخ أن اجتماع كلمة ممثلي الشعب كفيلة بهزيمة أي قوة، وإن اجتماع قوى الثورة السورية على برنامج وطني كفيل بالإطاحة بقوى الاحتلال المختلفة.

التعليقات

عذراً التعليقات مغلقة

    عاجل