الربيع العربي في نسخته الثانية

آراء
عماد أبو زيد21 أبريل 2019آخر تحديث : منذ 4 أشهر
الربيع العربي في نسخته الثانية
Untitled 1 copy - حرية برس Horrya press
عماد أبو زيد

ما زلت أومن أن الربيع العربي حي في وجدان الشعوب العربية، وأن موجات أخرى آتية بعد السودان والجزائر، وأحلام الثورات المضادة التي كانت تخيف الشعوب بالبعبع السوري والعراقي أثبتت فشلها، ولا أتفق مع من يقول إن الجيش في الجزائر والسودان قد أنهى الديكتاتورية لسبب بسيط وهو أن الجيش في البلدين لم يكن طوال عقود بعيداً عن السياسة، وبالتالي فإنه جزء من الديكتاتورية ولا أتصور أن الجيش في البلدين قد انقلب على نفسه بل كل ما فعله أنه ناور للإلتفاف على مطالب الشعبين كما فعلها في مصر في الجولة الأولى من الربيع العربي.

أنا لا أعرف كيف تخرج علينا بعض الائتلافات والتجمعات المحسوبة على الثورة فى البلدين تنشد الديمقراطية وفي الوقت نفسه تُحبذ تدخل الجيش في السياسة؛ مع أن الجيش لم يصنع الديمقراطية في أي بلد عربي انقلب فيه على السلطة، فهل صنع الجيش ديمقراطية في مصر أو الجزائر أو ليبيا أو السودان أو سوريا أو اليمن بل يمكن للمرء أن يجزم أن البلاد العربية التي لم تحدث فيها انقلابات عسكرية ولم يتدخل فيها الجيش في السياسة، أكثر ديمقراطية من البلاد التي ابتليت بانقلابات عسكرية. لأن مهمة الجيش ليست التدخل في السياسة تحت أي مبرر ولو كان مبرر إرساء الديمقراطية أو الحفاظ عليها وعلى مدنية الدولة.

فهل الجيش فى الجزائر الذي انقلب على صناديق الإقتراع وقلب الطاولة على اختيار الشعب في بداية التسعينيات بل وقتل أكثر من 200 ألف مواطن من أجل بقاء نظامه المتسلط على الرقاب يمكن أن يأتي منه خير. وكما يقول المثل المغربي “من يجرب المجرب فعقله مخرب”.

إن الثورة المضادة التى يقودها محور الشر في المنطقة لن تنجح هذه المرة في إفساد موجة التغيير المقبلة التي ستشهدها المنطقة العربية، حيث تؤكد المؤشرات على أن هناك حالة حذر شديدة لدى الثوار فى البلدين من الجيوش وألاعيبها، ودرجة وعي عالية لم تكن متوفرة في موجة عام 2011 من الربيع العربي، فالثائرون الآن فى الشارع الجزائري والمعتصمون أمام القيادة العامة للجيش فى السودان دلالة واضحة على أن شعوبنا العربية بالغة الذكاء، وعلى مستوى عالٍ من الوعي، وأن المناورات التى يقوم بها الجيشان تؤكد على أن محاولات الالتفاف على مطالب الناس والاكتفاء بالتغيير الشكلي لم تنجح ولن تنجح، كما أن الجديد في موجة عام 2019 هو أن “فوبيا سوريا” قد انقشعت عن الشارع العربي، إذ طوال السنوات الثماني الماضية كانت بعض الدول العربية تمول الحرب في سوريا، وفور وقوع المجازر تنقل على الهواء مباشرة الصور والأحداث، ومن ثم تقول لشعوبها إما بشكل مباشر أو غير مباشر، إن “هذا جزاء التغيير، وإن القبول بالأمر الواقع أفضل من الموت على الطريقة السورية”.

إن الشعوب الثائرة الآن في المنطقة لن ترضى إلا بالتغيير الحقيقي، حيث أن تبديل الوجوه لا يؤدي إلى تلبية المطالب وتهدئة الاحتجاجات، وإنما يريدون تغييراً كاملاً؛ هذا فضلاً عن أن ثوار 2019 أصبحوا يعرفون الدول العربية التي تتآمر على الثورات، وبالتالي فإنهم لن يقبلوا بأي وجه جديد محسوب على “عواصم الثورة المضادة”.

ستبقى الثورة الجزائرية والثورة السودانية خلال الأسابيع الأخيرة مِثالاً ساطعاً على أن الربيع العربي ليس مرتبطاً بلحظة زمنية واحدة، بل هو مسلسل طويل يتطلب فترات زمنية بين الأخذ والرد والجزر والمد، لكن سينتهي إلى نتيجة اسمها الديمقراطية مثلما انتهت إليها شعوب مثل أوروبا وأمريكا اللاتينية، بل حتى في آسيا وأفريقيا. نعم، لن تبقى المساحة الممتدة من المحيط إلى الخليج خارج التاريخ الديمقراطي وتحت رحمة حكام فاسدين.

رابط مختصر

عذراً التعليقات مغلقة