الخطاب الشعبويّ الغوغائي.. “حكيم الثورة” نموذجاً

2016-07-24T00:05:51+02:00
2017-02-06T22:45:21+02:00
آراء
عبد الكريم بدرخان24 يوليو 2016آخر تحديث : منذ 3 سنوات
الخطاب الشعبويّ الغوغائي.. “حكيم الثورة” نموذجاً

عبدالكريم بدرخان* عبد الكريم بدرخان

يعاني المثقف الحقيقي في البلدان العربية، ما يعانيه المعتقل في الأقبية السرية، فهو في حالة تعذيب مستمرّة، ستقوده حتماً إلى الموت قهراً وألـمـاً. فتراهُ يجهدُ يومياً في الشغل على نفسه، وتطويرها، وتحسين منتجه الثقافي. مُتحلّياً بالصبر الدؤوب والأمل الشحيح، مُرتاباً شكّاكاً ومتسائلاً قلقاً. وفي النهاية تتبدّدُ قلاعُه الرمليّة أمام عينيه الدامعتين، وتجري الجماهيرُ وراء الموجة الشَعْبَويّـة الغوغائيّة. فأيُّ “بريخت” يستطيعُ منافسه “باب الحارة” على اكتساب قلوب الجماهير؟ وأيُّ “شوبان” يصمد أمام “أغاني الكراجات”؟ وها قد امتدّت الحالة الشعبويةُ الغوغائية إلى الصحافة المكتوبة، بمساعدة وسائل التواصل الاجتماعي، ومع ازدياد الاهتمام العامّ بالشأن السياسي، فبرزتْ ظاهرة “حكماء الثورة” ومريديهم، عند السوريين وبعضٍ من اللبنانيين، كتجلٍّ خطير لاستفحال الجهل وانتصار الشعبوية الغوغائية.
في مقاله المنشور في صحيفة “القدس العربي” بتاريخ 17-7-2016، والمعنون بـ “ماذا لو نجح الانقلاب التركي؟”، يمثل الكاتب ياسين الحاج صالح (الذي نحترمه كشخص، وكمعتقل سياسي سابق)، عيّنةً من ظاهرة “حكماء الثورة”، الذين اشتُهروا بتقلّباتهم المتكرّرة، وبرجوعهم عن أقوالهم، حسب تغيّر الأوضاع من حال إلى حال. وتميّزوا بأنّ كلّ ما كتبوه خلال خمسة أعوام، أثبتت الأيامُ تهافتُه وقصُوره وهشاشة أُسُسه. وإنْ كنتُ قد اخترتُ هذا المقال بالذات، فليس لكونه فريداً من نوعه، إذ إنّ كل مقالات “الحكماء” تستدعي نقداً، وأحياناً انتقاداً لاذعاً في المواضع التي تتضمّن تعميماً للخطأ وتعميقاً للجهل.
هنالك سمة عامة في خطاب “الحكماء”، وهي الشعبويّة، فبدلاً من أنْ يساهموا في رفع وعي الجماهير، راحوا ينزلون هُمْ إلى مستوى وعيـها. فاستخدموا لغة العامّة، واعتمدوا تحليلاتها، واتخذوا مواقف لا تعدو عن كونها ردود فعل انفعاليّة. وقد كانوا وما زالوا يحاولون إرضاء الجمهور وكسبَ ودّه على حساب الحقيقة والثورة، وعلى حساب أنفسهم أيضاً. وليستْ هذه الشعبوية من دور المثقف العضويّ في شيء، بل إنّ دورَهُ هو عكسُ ذلك. ولا أعتقد أن المجال يسمح لتوضيح معنى الالتزام، ولذلك أنتقل إلى لُبّ المقال…
بالإضافة إلى ما سبق، يمتاز مقال الحاج صالح “ماذا لو نجح الانقلاب التركي؟” باستخدام أدوات لتحشيد الجماهير خلف رأي معين، تعود إلى زمن ما قبل “غوبلز”، بل إلى اليونان القديم فترة ازدهار الفلسفة السفسطائية، وأعني تحديداً “الديماغوجيا”. فالمقال يتقصّد إثارة المخاوف القديمة المترسّبة في وعي الجماهير وفي لا وعيها، ويستفزّ عواطفها، ليقلقها ويربكها، ثم يرمي لها بطوق نجاة يأخذ شكل وصفة سحرية أو رسالة سماوية.
يقوم مقال الحاج صالح على افتراضاتٍ من عنده، وتخيّلاتٍ لما سوف يجري في تركيا والعالم في حال نجح الانقلاب العسكري، وهو ضرب من “العلم بالغيب” أو “التنجيم” أو “قراءة الطالع”. كل ما سوف يحدث في تركيا والعالم -حسب الكاتب- هو سلبيّ بالمطلق، هو الكارثة العظمى، إنه يوم القيامة. هذا بالنسبة إلى ذاته، وإلى من نصَّب نفسَه متحدثاً باسمهم، ومن اعتبرهم في صفّه: (المعارضون السوريون في تركيا، أكراد تركيا، الشعب السوري، السُنَّة المظلومون، العلمانية التحرّرية). وفي المقابل، يشكّل الانقلاب خيراً مطلقاً لمن اعتبرهم في موقف العداء منه ومن حلفائه المحليين والإقليميين والدوليين: (القوميون الأتراك، بشار الأسد، السيسي، اسرائيل، روسيا البوتينية، اليمين الغربي، اليسار الغربي، وسائل الإعلام الغربية، الحكم النخبوي الأقلّي، الحركة السلفية، العلمانية الجهادية). في الحقيقة لم يكن أحدٌ في يوم 17 تموز/يوليو يعرف هوية الانقلابيين أو برنامجهم السياسي في حال وصلوا إلى الحكم، كل ما نعرفه أنهم من جماعة الداعية الإسلامي “فتح الله غولن”، وهذا ما صرّح به أردوغان في أول ظهور تلفزيوني له أثناء الانقلاب، عندما أشار إلى “الكيان الموازي”. فمن أين جاء الحاج صالح بهذا اليقين المحض حول الشرّ العميم الذي ينتظرهُ مع حلفائه؟ والخير العميم الذي ينتظر خصومه؟! ومتى كانت نتائج الأحداث السياسية بيضاء بالمطلق أو سوداء بالمطلق؟!
وبالدخول في بعض نقاط المحاججة التي أوردها الحاج صالح، يقول “لو نجح الانقلاب لتجمّد أي نشاط سياسي وثقافي سوري في تركيا”، في الحقيقة إن اختيار تركيا كمركز للمعارضة السورية، واختيار مدينة غازي عنتاب كمركز للمنظمات الإنسانية، واختيار معابر معينة للعمل الإنساني وأخرى للعسكري…، هو قرار أمريكا في الدرجة الأولى، وحلفائها الأوروبيين في الدرجة الثانية، وهذا التنسيق في هذه المجالات لن يتغيّر ولو تغيرت الحكومة التركية. ثم يقول “لو انتصر الانقلاب لعمل الانقلابيون على تأجيج النزعات القومية الشوفينية المتشددة في المجتمع التركي”. لكنْ من قال إن جماعة “فتح الله غولن” هُمْ من القوميين الشوفينيين المتشدّدين؟ فالرجل الـمُتَّـهم بأنه العقلُ الـمُدبر للانقلاب داعية إسلامي!
ويقول الحاج صالح إن الانقلاب لو نجح “لكان قفزة في تطبيع بشار الأسد”، طبعاً هو يقصد “التطبيع مع بشار الأسد”، لكنّ اللغة تخونه دائماً. وهذه نقطة أخرى تسبحُ في عالم الغيب، فلا جدوى من تأكيدها أو نفيها. لكننا نعرف تاريخ حكم العسكر في تركيا، وتاريخ علاقاتهم مع سوريا والدول العربية، فقد يتكرر الموقف ذاته في حال وصولهم إلى السلطة، وقد لا يتكرر.
أما ما هو غير مقبول أبداً، فهو قوله “لو نجح الانقلاب لكان نجاحه نصرة حاسمة للحكم النخبوي الأقلي في مجالنا من العالم”، لا أعرف عن أي نخبة يتحدث؟ ولا عن أي أقليّة؟ وهل يقصد بقوله هذا غير تذكير القارئ بنظام الأسد الحاكم في سوريا؟ والذي يوصف عنده بـ”الأقلّي” (الاشتقاق الصحيح: أقلّوي). وهل يهدف من كلامه هذا سوى إثارة مخاوف السوريين في تركيا، مِن تحوّل النظام التركي إلى نظام شبيه بالنظام الذي هربوا منه؟! وبالتالي تحشيدهم خلف موقفه وتحليله. ثم يتابع الخوض في نفس الفكرة: “لو نجح الانقلاب التركي لتسبب في تعزيز كبير لسردية المظلومية السنية”، وهنا لا أعرف كيف علِمَ الحاج صالح بالانتماءات المذهبية لمنفذّي محاولة الانقلاب، وكيف تأكّد من أنهم يحملون مشروعاً طائفياً لمصلحة طائفة ضد أخرى. أما كلامه عن “المظلومية السنية”، فأترفّع عن دحضه، وأُحيله إلى عالم الإثنولوجيا –الحكيم الآخر- حازم صاغيّة.
لكنْ، ثمة سببٌ آخر دعا الحاج صالح للتخويف من الانقلاب، وهو البهجة التي سوف تعمُّ أرجاء المعمورة، فالفئات المبتهجة -حسب قراءته للطالع- كثيرة: (روسيا بأكملها سوف تبتهج، إسرائيل والقوى الغربية، اليمين واليسار الغربيين، وسائل الإعلام العالمية، السلفية الجهادية، “العلمانيون الجهاديون”، “العلمانيون الذمّيّون”…). صدقاً لا أعرف من أين جاء بمصطلحات “علمانية جهادية” و”علمانية ذمّية”! وصدقاً لا يوجد تعريف لهذه المصطلحات ولا معنى، فهي لا تعدو عن كونها حذلقةً لغويةً غايتُها التبجُّح، لكنّ “الحكمة” تأتي بعكس غايتها أحياناً، فتجلُب السخرية.
بقي أن أشير إلى نقطتين، أولاً؛ أنا ضدّ أيّ انقلاب عسكري، ومع كل حكومة منتخبة ديمقراطياً. ثانياً؛ لقد حقّق مقال الحاج صالح انتشاراً واسعاً، ونال إعجابَ آلاف القرّاء، وهذا أمر طبيعي، نظراً لشعبويّته وغوغائيته، فما زال هناك ملايين البشر ممّن يتابعون “باب الحارة” حتى الجزء الثامن، مُعتبرين أنّ هذا الـهُراء ضربٌ من الفنّ أو الدراما.

رابط مختصر

التعليقات 3 تعليقات

  • زهير ادريس

    زهير ادريس
    يسلموا ايديك يا بدرخان. النقد ضروري دوماً لأبواب الحارة وجرائهم

  • ياسر اسطنبول

    عبد الكريم بدرخان، شكراً على هذا المقال الأكثر من فارغ.
    ليس من اللباقة أن تستعمل الفاظ وصفات قد تكون مخطئاً بها.
    عيب

  • Marc

    مقال يعكس مدى فقر كاتبه، وأقصد مقال بدرخان المنشور أعلاه!
    ربما نستطيع توجيه بعض النقد لمقال الحاج صالح.. لاسيما تلك اللغة القطعية والتقريرية فيه.. ولكن الكاتب ذهب إلى أماكن بدا فيه أن نقده ينتمي إلى مجال الكيدية والمناكفة دون أن يقدم أي تحليل عميق لما ينقده. بل انه يعتبر أن عدم سماعه بهذا المفهوم أو ذاك أحد معايير النقد! لقد احال بدرخان إلى غوبلز.. وهذا يكفي لتوضيح أنه يريد أن يصفي حسابا لا أن يدخل بعملية تحليل لخطاب من ينتقده.
    بكل خفة يقول بدرخان أنه لم يكن يعرف هوية الانقلابيين، ثم يتناقض ويحددهم أنهم من جماعة فتح الله غولن بحسب ما قال أردوغان نفسه! يبدو أن بدرخان هو من يصدق أردوغان لا الحاج صاح. فهذا الأخير يبدو واضحا أنه استند إلى بيان الانقلابيين لا الى كلام أردوغان.. وهذا البيان كان واضحا في توجهاته العلمانية التي من الصعب أن تصدر عن جهة إسلامية. إذاً، أمامنا عسكر مع ادعاء علماني، هل يشبه هذا شيئا ما؟ مثلاً، مافيا بشار الأسد على سبيل المثال؟ لكن بدرخان اكتفى بأردوغان وما قاله، ولم يلتفت لما قاله الانقلابيون عن أنفسهم.
    أما قمة فقر مخياله ، أو ربما سعة كيديته، فتتجلى في تعليقه الساذج حول مفهومي “علمانية جهادية” و”علمانية ذمية”! في الحقيقة لا أعرف من هو أول من اجترح هذين المفهومين، ربما الحاج صالح أو غيره. ولكن هذا غير مهم، إذ إن أي قارئ يمر عليه هذين المفهومين لا بد أن يستخلص شيئا منهما، وهو أن ثمة علمانيون لا يختلفون عن الاسلاميين من حيث نزعتهم العلمانية الاقصائية والكارهة لكل مختلف والمتوترة اتجاه كل ما يمت للاسلام و.. فاشيون اتجاه المجتمع وكل ما هو مختلف، يبررون صراحة أو مراوغة للعسكر أو أمثالهم ويبدون احتقارا للمجتمع وللناس بحجة أنهم غوغاء وما شابه! وفق هذا يغدو بدرخان أحد هؤلاء الجهاديين، لاسيما أنه يحكم وببساطة أن جميع من أعجب بمقال
    الحاج صالح هم غوغاء وشعبويين ومثل هذا! وبهذا أستطيع أن أجيب بدرخان على سؤال طرحه حين تساءل عن أي نخبة يقصد الحاج صالح، فأقول: أنك واحد منهم يا بدرخان.. انت وأمثالك هي هذه النخبة.
    أما عن تصحيحه للأقلي بـ الأقلوي.. فشر البلية ما يضحك.. يجب عليك أن تتعب أكثر يا بدرخان.. ليست مشكلة الحاج صالح وغيره أنك لا تعرف وأنك تكتب بلغة تصفية الحسابات والكيدية..
    لدي ما أقوله أيضا عن مقال بدرخان الفقير والسحطحي.. ولكنني أقف هنا ولن أضيع وقتا أكثر. فالمقال لا يقول شيئا ولا يطرح شيئا ومع ذلك يتهم غيره بالسطحية!